فاصلة

مراجعات

«فرانكشتاين»… ديل تورو يعيد اكتشاف الوحش

Reading Time: 3 minutes

معلّم مكسيكي لعوالم حميمية وغريبة، يرى أن الوحوش وحدها هي التي تملك حلّ جميع الألغاز. يقول إنه كرّس نفسه لما يفعله بعد أن رأى المخلوق في فيلم «فرانكشتاين» لجيمس ويل عام 1931: «شعرت بالصدمة، وفي تلك اللحظة الحاسمة، أصبح الرعب القوطي كنيستي، وبوريس كارلوف (الذي لعب دور وحش فرانكشتاين) مخلّصي». لذلك، لم يكن أمام غييرمو ديل تورو أن يلتقي في نهاية المطاف بمصيره السينمائي المحتوم… ذلك المصير الذي خفق باسمه في أعماق ذاكرته منذ الطفولة: فرانكشتاين. يوضح قائلا: «إذا كانت ماري شيلي قد كتبت رواية ذات طابع سيرة ذاتية عميق، فقد كان هدفي إكمال أكثر أفلامي شخصية وسيرة ذاتية في الوقت نفسه».

 

نظرة غييرمو ديل تورو لعوالمه السينمائية تتسم غالباً بنزعة مانوية، حيث يُصوّر الصراع بين الخير والشر في إطار متناقض ومقلوب. ففي أفلامه، لا يُمثّل النور بالضرورة الفضيلة، ولا يُجسّد الظلام الشر المطلق، بل على العكس، يُصبح الظلام مساحة خصبة للمشاعر الإنسانية العميقة. في هذا السياق، تتجلّى الوحوش في أعماله ككائنات تحمل في طياتها صدقاً عاطفياً لا نجده في الشخصيات البشرية التقليدية. وفيلمه الجديد «فرانكشتاين»، يُعد امتداداً لهذه الرؤية، حيث يُعيد ديل تورو تعريف المخلوق لا كتهديد، بل ككائن يبحث عن معنى، وعن مكان له في عالم يرفضه.

فرانكشتاين
Frankenstein (2025)

في ليلة قطبية قارسة، وسط جليد لا يرحم، يظهر مخلوق هائل لا توقفه حتى الرصاصات، يطارد رجلاً بساق خشبية ويزرع الرعب بين البحّارة الذين يراقبون المشهد بذهول. وسط هذا الفوضى، يختبئ فيكتور فرانكشتاين (أوسكار إسحاق) بين الطاقم، وهنا يبدأ بسرد حكايته من خلال فصول الفيلم، بينما يأخذ ديل تورو وقته في العودة إلى جذور القصة. نرى فيكتور طفلاً مدللاً من والدته، لكنه يعاني من قسوة والده الأرستقراطي والطبيب الشهير (تشارلز دانس)، الذي يطالبه بأن يرث معرفته الطبية. ومع وفاة الأم المبكرة، تنهار العلاقة بين الأب والابن، وتبدأ رحلة فيكتور نحو الجنون العلمي.

يحافظ ديل تورو على الهيكل الكلاسيكي للرواية، لكنه يعيد تشكيل كل مشهد بأسلوبه الخاص، فيحول القصة إلى قصيدة بصرية شفافة، تحتفي ببراءة الإنسان البدائية وتدين فساد المجتمع الذي تحكمه الأنا والتسلسل الهرمي والعنف. في هذه النسخة، لا يمنح ديل تورو فرانكشتاين أي نعمة، حتى الحب المتبادل الذي ظهر في علاقة فيكتور بإليزابيث (ميا غوث) في رواية شيلي، يُستبدل بعلاقة أوديبية مع والدته، تترك أثراً نفسياً عميقاً في حياته. أما المخلوق (جاكوب إلوردي)، فهو ليس وحشاً قاتلاً كما في النسخ السابقة، بل كائن هادئ، لا يقتل إلا دفاعاً عن النفس، ويملك نية خالصة للخير. يشبه «الوحش النبيل» عند جان جاك روسو، رمزاً للبراءة التي تفسدها الحضارة. يمتلك صوتاً طفولياً، وملامح بشرية واضحة، بعيداً عن التشوهات التي ميزت أداء بوريس كارلوف وروبرت دي نيرو في نسخ جيمس ويل وكينيث براناه. وفي قلب هذه الحكاية، يبرز شخصية إليزابيث، كأكثر عناصر الفيلم جرأة وخصوصية. عالمة الحشرات الموهوبة، تمتلك تعاطفاً لا يتزعزع، وتصبح صوت العقل في عالم ينهشه الطموح والدموية. إليزابيث هنا ليست مجرد حبيبة، بل تجسيد لعصر التنوير وسط ظلال الرومانسية، وتفتح الباب لديل تورو كي يُظهر جانبه العاطفي الأكثر عمقاً.

«فرانكشتاين»... ديل تورو يعيد اكتشاف الوحش
Frankenstein (2025)

منذ صدورها عام 1818، ظلّت رواية ماري شيلي «فرانكشتاين» مصدر إلهام لا ينضب، حيث تردّد صداها في مختلف الفنون، واقتُبست مراراً في السينما عبر عشرات الأفلام التي قدّمها مخرجون من مدارس وأساليب متباينة. في هذه النسخة التي أخرجها ديل تورو بحيوته القوطية المعتادة، أصبحت القصة أقرب إلى مأساة حميمية وشخصية منها إلى قصة رعب. سيكون هناك عنف ودماء وموت ودمار، لكن ما يتخلل هذا الاقتباس الجديد هو قبل كل شيء نقاش حول طبيعة الإنسان. يُغير اقتباس ديل تورو ويُعدّل ليس فقط جوانب مُحددة من رواية شيلي، بل يهدف أيضاً إلى محو بعض أوجه التشابه المُضمنة فيها. الفكرة هي إعادة مشاهدة ما شوهد ألف مرة والاستماع إلى ما سُمع مرات عديدة، ولكن كما لو كانت المرة الأولى.

فرانكشتاين
Frankenstein (2025)

لا أحد يُحب الوحوش مثل ديل تورو، ونسخته الجديدة كلياً من «فرانكشتاين» تؤكد ذلك. يطمح «فرانكشتاين» لديل تورو إلى أن يكون مُفرطاً، وغير مُتناسب، وضخماً، وآسراً، وبعيداً كل البعد عن أي معيار، وهو كذلك، والأهم من ذلك، بطريقته الخاصة. الفلم مليء بمختبراتٌ مليئةٌ بالجثث، وقلاع مُظلمة، وآليات مستحيلة، وموسيقى ألكسندر ديسبلات الموسيقية كمحرك للسرد. ولكن يُكمن جوهر القصة في الوحش، الذي يُقدم كمرتبك وضعيف ووحشي في آن واحد. في مقابله فيكتور المتغطرس، والمهووس، والمتصلب، عالماً لا يستطيع تبرير أفعاله. الوحش يجسد الإنسانية، بينما الخالق يُظهر الوحشية. يتناوب السرد بين الأصوات، فيكتور أولاً، ثم المخلوق. هذا التحول في المنظور يُثري الحبكة ويُقدم قراءة تحررية، ما هو واضح هو فكرة الترابط بين الخالق والخليقة: مرآة مشوهة للأبوة والسلطة والدين والوحدة.

اقرأ أيضا: عرض خاص لفيلم غييرمو ديل تورو «فرانكشتاين» في الجونة السينمائي

شارك هذا المنشور