هناك لحظات لا تصبح المسؤولية مجرّد عبء، بل انعكاسًا لهشاشة الذات. عندما تصطدم الرعاية بمتطلبات مُفرطة، عندما تُفضي الحاجة إلى حماية الآخرين إلى كشف أنفسنا، ينشأ توتر بين الواجب وفقدان والنفس.
يستكشف فيلم «ستيف» (2025، «Steve»، متوافر على نتفلكس) هذا المجال تحديدًا: الآليات الهشة للتعاطف الإنساني، والتوزيع غير المتكافئ للفرص، وقسوة النظم الاجتماعية، ولحظات الأمل الهادئة العابرة التي تومض حتى في أحلك البيئات. إنه تأمل في كيفية ارتباط العنف والرعاية، والفشل والإنسانية، ارتباطًا وثيقًا.
لا يصوّر «ستيف» يأس جيل عالق بين الهجران والغضب فحسب، بل يكشف أيضًا عن هشاشة نظام يفضل إدارة الفوضى على فهمها. يكشف الفيلم أن لا خلاص يأتي بسهولة. ما يبقى هو صدى أصوات شابة تتأرجح بين الغضب والحنان، تطالب بأن تُصغى إليها قبل أن تتلاشى. في هذا السياق، لا تقتصر مهمة المعلمين على نقل المعرفة إلى النزلاء، بل تتجسّد يومياً في تقديم الدعم الإنساني: اجتماعيًا، شخصيًا، وعاطفيًا. إنهم لا يعلّمون بقدر ما يرافقون، في محاولة لزرع معنى داخل واقع هش ومضطرب.

«ستانتون وود»، اسم مدرسة إصلاحية للمراهقين البريطانيين الذين يعانون من مشاكل سلوكية وعنف ومشاكل في الصحة النفسية. إنهم ليسوا مجرمين، لكن يبدو أنهم على وشك أن يصبحوا كذلك. في الواقع، هم هناك لأن عائلاتهم لا تعرف ماذا تفعل معهم. يحاول أعضاء هيئة التدريس التأقلم قدر استطاعتهم، محاولين منعهم من قتل بعضهم بعضًا أو تدمير المدرسة.
مدير المدرسة هو ستيف (كيليان مورفي)، يبذل قصارى جهده من أجل هؤلاء المراهقين، ويهتم بالمدرسة، لكنه لا يولي نفس الاهتمام لنفسه، فهو يشرب الخمر، ويتناول الحبوب، ويعاني من صدمات نفسية سابقة لا يستطيع حلها.
«ستيف» للمخرج تيم ميلانت، مقتبس عن رواية قصيرة بعنوان «Shy» صدرت سنة 2023، للكاتب مامس بورتر، وهو نفسه الذي كتب سيناريو الفيلم، الذي تدور أحداثه على مدار يوم واحد في سنة 1996، عندما يعلم المعلمون أنّ المدرسة ستغلق أبوابها بعد ستة أشهر، تاركين إياهم والأطفال بلا مأوى.

إلى جانب معاناة ستيف، والمديرة المساعدة أماندا (تريسي أولمان)، وعالمة النفس جيني (إميلي واتسون)، والمعلمة الجديدة المتحمسة شولا (مغنية الراب والهيب هوب ليتل سميز)، وبقية المظفين، يتعامل المراهقون مع توتراتهم وعواطفهم ومخاوفهم، والأهم من ذلك، عنفهم الذي ينفجر كلّ دقيقتين. من بينهم يبرز شاي (جاي ليكورجو)، الذي عادة ما يكون أكثر اكتئابًا منه عدوانيًا، بسبب أزمته الشخصية والعائلية. كلّ ما يحدث في ذلك اليوم، سيصور أيضًا من قبل طاقم تلفزيوني صحافي يُنتج فيلمًا وثائقيًا عن وفي المدرسة، مما يسمح للموظفين والمراهقين بتقديم أنفسهم، وشرح هويتهم، وما يحدث لهم.

يعتمد الفيلم على الفريق الوثائقي وتقنياته البصرية كأداة سردية مكمّلة، مما يخلق طبقة داخلية من «فيلم داخل الفيلم». هذا التداخل يُضفي على العمل طابعًا مزدوجًا يجمع بين الحس الوثائقي والنهج الروائي، من دون أن يخرج عن إطار الفيلم الروائي الأساسي. النتيجة بنية سردية هجينة، تُثري التجربة وتفتح المجال لتأملات متعددة في العلاقة بين التوثيق والخيال، وبين الواقع المُعاش وتمثيله السينمائي. ولكن غالبًا ما يخاطر فيلم جيد مثل «ستيف» بأن يصبح تافهًا وزائدًا عن الحاجة بسبب حركات الكاميرا المُتباهية، واستخدامه المُبالغ فيه للوسيط السمعي البصري.
صحيح أن اللقطات المتسلسلة والقطع المتوترة تعكس التوتر والإرهاق الناتجين عن التعامل مع عشرات الأمور في آنٍ واحد، ولكن في لحظة ما، عندما يضطر المخرج ميلانت ومصوره السينمائي روبرخت هارفارت إلى قلب الكاميرا رأسًا على عقب، يشعر المرء أن الرجلين قد تجاوزا الحدود نوعًا ما. تخلق الإيقاعات التسعينية توتراً خصباً بين فضاء المدرسة، وبين طاقة موسيقى النوادي التي تومض بوعد بالتحرر. تحرّر ظل بعيداً عن متناول هؤلاء الطلاب. هذا التداخل بين العمار المهترئ والصوت المتفجّر يُجسّد صراعًا بين القيد والإمكانية.

يُقدم كيليان مورفي كما دائمًا أداءً قويًا، يُتيح له الفيلم إظهار إمكانياته غير المُفلترة. كلّ نظرة، كل إيماءة صغيرة منه مشحونة بتوتر داخلي وألم. ينقل مورفي إرهاق شخصيته، واضطرابها النفسي، وأملها المتنامي بشكل مباشر وكثيف، إلى درجة أنّ ما نراه منه خلاله يصبح ملموسًا. لا يصوّر الفيلم الأحداث فقط، بل يصوّر تجارب ستيف معها. نادرًا ما تفارقه الكاميرا لفترة طويلة، لتصبح المدرسة وستيف شيئًا واحدًا، فهي مُغبرة، ومتهالكة، وشبه قوطية.
يأسر الفيلم لأنه يطرح موقفًا معقّدًا ومشحونًا، حيث يبذل المعلمون أقصى ما لديهم (وإن لم يكن ذلك دائمًا الخيار الأنسب)، فيما يقف الأطفال على حافة الانفجار. لكن السيناريو، في لحظاته الأخيرة، يختار مسارًا أخلاقيًا نادرًا، وهو احتضان المودة والتضامن وسط الفوضى، بدلًا من تكريس عالم بلا مخرج.
بعيدًا عن أي مبالغات إخراجية، يكمن جوهر الفيلم في مكانه الحقيقي، حكاية أفراد مُحطّمين يُدركون أن العدو ليس من يحيط بهم، بل من يُنكر وجودهم، يُقصيهم، أو يُدينهم من دون فهم.
اقرأ أيضا: بول غرينغراس يفجّر «الواقع داخل الفيلم»