فاصلة

مراجعات

بول غرينغراس يفجّر «الواقع داخل الفيلم»

Reading Time: 4 minutes

بول غرينغراس، مخرج تثق به حين يتطلب الأمر تكثيف التوتر، سواء في مغامرة قاتل محترف كما في سلسلة أفلام جيسن بورن، أو في سرد خيالي لواقع الاحتلال وأسباب الحرب الأميركية على العراق كما في «منطقة خضراء» (2010، «Green Zone»). 

المخرج الإنجليزي الذي ضخّ طاقة سردية وبصرية عالية في أفلام مستندة إلى أحداث واقعية مثل «يونايتد 93» (2006، «United 93») و«كابتن فيليبس» (2013، «Captain Philips») و«22 يوليو» (2018، «22 July»)، يعود ليكرّر هذا النهج في «الحافلة المفقودة» (2025، «The Lost Bus»، متوافر على AppleTV)، حيث تحولت حافلة مدرسة تقل أطفالاً إلى مسرح لكابوس ناري.

بول غرينغراس يفجّر «الواقع داخل الفيلم»
The Lost Bus (2025)

في 8 نوفمبر 2018، اجتاح حريق يُعرف باسم «كامب فاير» (Camp Fire) بلدة بارادايس في كاليفورنيا، مخلّفاً دماراً شبه كامل في منطقة كان يقطنها نحو 30 ألف شخص، وأودى بحياة 85 فرداً، ليُسجّل كواحدة من أكثر الكوارث الطبيعية فتكاً في تاريخ الولايات المتحدة. وسط هذا الجحيم، برزت قصة إنقاذ حقيقية استثنائية: سائق الحافلة المدرسية كيفن ماكاي (يؤدي دوره ماثيو ماكونهي) تمكّن، بمساعدة المعلمة ماري لودويغ (أمريكا فيريرا)، من إنقاذ 22 طفلاً من ألسنة اللهب في نهار بطولي.

في السنوات الأخيرة، أصبحت الكوارث الطبيعية مادةً خصبة للسينما، حيث تسعى الأفلام إلى إعادة تمثيل المآسي الإنسانية بلغة بصرية مؤثرة. فيلم «الحافلة المفقودة» لبول غرينغراس، ينتمي إلى هذا التيار، ويقدّم معالجة درامية لتلك اللحظات الحرجة التي عاشها سكان بارادايس. يستند الفيلم إلى كتاب «الجنة: كفاح بلدة واحدة للنجاة من حريق غابات أميركي» للصحافية ليزي جونسون، التي وثّقت التجربة من قلب الحدث. يركّز الفيلم على محورين سرديين: الأول يتتبع رحلة السائق والمعلمة في إنقاذ الأطفال وسط الفوضى، والثاني يستعرض جهود فرق الطوارئ في مواجهة كارثة تتجاوز السيطرة.

يظل بول غرينغراس وفياً دائماً لأسلوبه الوثائقي الذي بدأ به بالعمل كصحافي قبل الانتقال إلى الخيال، فيُجسّد الفوضى بكاميرا محمولة وصور قريبة تنقل إلحاح اللحظة وارتباكها. الحريق لا يُعامل كمجرد خلفية، بل كخصم نابض بالحياة، تهديد دائم يحاصر الشخصيات ويحوّل الحافلة إلى خندق مؤقت ومأوى هش. المؤثرات البصرية تُعزّز هذا الإحساس بالحصار، خصوصاً في المشاهد التي تشق فيها المركبة طريقها وسط النيران والحطام. ولتعزيز واقعية التجربة، استعان غرينغراس برجال إطفاء حقيقيين من بارادايس لأداء أدوار رجال الإطفاء في الفيلم، إلى جانب زملاء كانوا حاضرين يوم الكارثة. هذا الخيار لا يضيف فقط مصداقية، بل يُضفي كثافة شعورية يصعب اصطناعها، ويجعل من الفيلم شهادةً حيّة أكثر من كونه إعادة تمثيل. فغرينغراس يُدرك أنّ التعامل مع هذه المآسي يتطلب حساً عالياً بالمسؤولية، وهو ما ازداد ثقله حين اندلعت حرائق لوس أنجلوس قبل أسبوعين من انتهاء التصوير. كانت لحظة صادمة، سوريالية، ومروّعة، دفعت محرر الفيلم بيلي غولدنبرغ إلى العودة على عجل خوفاً على عائلته ومنزله. كما قال لاحقاً، «هذه المرة، انفجر الواقع داخل الفيلم».

بول غرينغراس يفجّر «الواقع داخل الفيلم»
The Lost Bus (2025)

يتعثر «الحافلة المفقودة» حين يحاول منح بطله عمقاً درامياً عبر سلسلة من المصائب الشخصية المتراكمة: زواج منهار، ابن غاضب، فقدان الأب، وحتى موت الكلب المصاب بالسرطان. هذا التراكم الميلودرامي يُثقل بداية الفيلم ويُضعف انسياب السرد، إذ يُشتّت التركيز عن الكارثة نفسها، ويُخفف من حدة التوتر الذي يفترض أن يكون محور التجربة. 

بدلاً من أن تنبع البطولة من لحظة استثنائية داخل الأزمة، تبدو كأنّها محاولة لتعويض حياة متعثرة بسردية خلاص مُفاجئة. كيفن ماكاي، كما يُقدّمه الفيلم، ليس بطلاً تقليدياً بل خاسر نبيل، روح تائهة تتخبط في عثراتها، ويُطلب منها فجأة أن تستقي قوة غير مرئية لتقود فعلاً بطولياً. 

The Lost Bus (2025)
The Lost Bus (2025)

بمساعدة المعلمة ماري وهدوء بعض الأطفال الذين يراقبون النيران تقترب من حافلتهم، تنجح المهمة، لكن الأطفال يظلون في الخلفية، كأنهم مجرد عناصر ديكورية، لا شخصيات لها صوت أو حضور فعلي. ورغم أن الفيلم لا يخلو من تأثير عاطفي، فإن طريقة غرينغراس في كشف هشاشة بطله، خصوصاً في حواراته مع ماري، تبدو مباشرة وبسيطة إلى حد يُفقدها التوتر الداخلي.

 لا شك في أنّ هناك لحظات مؤثرة، لكن البناء النفسي يفتقر إلى التدرج، كأنّ الفيلم يُسرع في منح بطله عمقاً من دون أن يُكسبه تعقيداً.

ينجح غرينغراس في تحويل الكارثة إلى تجربة حسية خانقة، حيث لا تكتفي الكاميرا بتوثيق الحدث، بل تُشعرنا به جسدياً. مشاهد الأطفال المختنقين داخل الحافلة، يتصبّبون عرقاً بينما تمرّ المركبة أمام مدرسة محترقة كانوا يأملون أن يجدوا فيها ذويهم، تُجسّد الرعب في أنقى صوره. كذلك، فإن تصوير الفارين سيراً على الأقدام، يتلمسون الهواء وسط الدخان، يُضفي على الفيلم طابعاً وجودياً، حيث يصبح الأكسجين نفسه هدفاً بطولياً.

بول غرينغراس يفجّر «الواقع داخل الفيلم»
The Lost Bus (2025)

يقدّم الفيلم تمريناً مكثفاً في إعادة بناء موقف بقاء متطرف، يُحيلنا إلى تقاليد أفلام الكوارث، لكنه يتجاوزها حين يركّز على مأساوية الحدث لا على استعراضه. الحريق، الذي كان يلتهم هكتاراً في الثانية، أجبر فرق الإطفاء على التخلي عن فكرة السيطرة، وترك مناطق بأكملها لمصيرها، والتركيز بدلاً من ذلك على إنقاذ الأرواح. هذا التحول من محاولة الإخماد إلى احتضان الفوضى يُشكّل قلب الفيلم، ويمنحه بعداً أخلاقياً. 

غرينغراس يُجيد خلق تأثير غامر: ضراوة النار، كثافة الدخان، وانهيار النظام. يبدو أن قانون الغاب هو السائد. اللقطات الجوية، والمحاكاة الواقعية لمسار النيران، والدمج الذكي للمواد الأرشيفية، والمخيمات المؤقتة، وتفاني الفرق المتخصّصة والمتطوعين تُضفي على الفيلم طاقةً بصرية تُثير الحماس من دون أن تُفقده حساسيته.

اقرأ أيضا: «معركة تلو الأخرى»… هل تورط الجميع في حب فيلم بول توماس أندرسون؟

شارك هذا المنشور