ينسب للكاتب الأمريكي – روسي الأصل- فلاديمير نابوكوف قوله: «الفن في أوج عظمته مخادع ومعقد بشكل مذهل». ولو سمعه أورسون ويلز، ساحر السينما الأشهر، لوافقه من دون تردد.
في فيلمه « F for Fake»، يبني ويلز خدعة سينمائية متعددة الطبقات، تجعل المشاهد مفتونًا بالكذب، بل وشريكًا في صناعته. المشاهد هنا ليس مجرد متلقي، بل شريك في الخدعة. مدعو إلى التصديق، لا لأن ما يُقال حقيقي، بل لأن السينما بطبيعتها تتأسس على اتفاق ضمني بأن نؤمن بما نراه، لا لأنه واقع، بل لأنه مصنوع بإتقان.
ليس الفيلم وثائقيًا ولا روائيًا. ليس سيرة ذاتية ولا خدعة. بل هو كل ذلك معًا في آن. وهو شيء آخر فريد بذاته: متاهة سينمائية تصبح الحقيقة فيها مجرد عرض مسرحي، والفنان ساحرًا ودجالًا ومُغريًا في الوقت نفسه.
في «F For Fake» لا يصوّر أورسون ويلز التزوير بقدر ما يمارسه. إنه ليس نصًا حول الخداع، بل خدعة تتنكر كنص. لعبة سردية لا تُخفي آلياتها بل تعرضها للعلن، كالساحر الذي يكشف يده أمام الجمهور من دون أن يفقد سلطته.
خرج هذا الفيلم، وهو الفيلم الأخير الذي أنجزه أورسون بالكامل، من أنقاض مسيرة ما بعد هوليوود، تلك المسيرة التي اتسمت بالمشاريع الفاشلة والقيود المالية. وينتمي هذا العمل إلى ما يمكن أن نسميه بـ«فترة التحرر» عند ويلز، وذلك حين استعاد السيطرة الكاملة على الشكل والمعنى لأول مرة منذ فيلمه «Citizen Kane»، حيث لم يعد خاضعًا لقوانين استوديوهات السينما، بل اتجه إلى أجهزة المونتاج وألعاب الخفة.

ولدت الفكرة في رأس ويلز بعد أن شاهد الفيلم الوثائقي غير المكتمل للمخرج الفرنسي فرانسوا رايشنباخ، الذي صوّره عن «إلمير دي هوري»، وهو رسام احترف تقليد كبار الفنانين، باع مئات اللوحات المزوّرة على أنها أصلية في أهم المزادات العالمية. تزامن ذلك مع تفجر فضيحة أدبية كبرى تمثلت في قيام الكاتب كليفورد إيرفينغ بتأليف سيرة ذاتية مزيفة لرجل الأعمال هوارد هيوز، مدعيًا أنه التقى به، بينما لم يحصل ذلك قط. غير أن بنية الفيلم لا تكتمل دون دخول أويا كودار، شريكة ويلز ومصدر إلهامه، التي تروي أمام الكاميرا حكاية فتاة زعمت أن بيكاسو رسم لها أكثر من عشرين لوحة ورفض الاحتفاظ بأي منها. يظهر السرد أول الأمر كجزء من تسلسل وثائقي، لكنه ينقلب لاحقًا حين يعترف ويلز أن هذه القصة مجرد خدعة من نسج خياله، ليصل بذلك إلى قمة لعبته السينمائية، حيث تنصهر الحقيقة بالوهم، ويصبح الخداع نفسه موضوعًا للفن.

الفيلم في جوهره تحقيق سينمائي في مفهومي الفنان والأصالة. ما الذي يمنح العمل الفني قيمته؟ هل هو أصالة الفنان؟ أم تصديق الجمهور؟ أم ربما توقيع مؤلفه؟ أم فقط تلك اللحظة الخاطفة التي نؤمن فيها بما نرى؟
يقدم أورسون مجموعة من الشخصيات التي تتحدى التعريفات المؤسسية للحقيقة؛ دي هوري، وإيرفينغ، وفي النهاية قصته الشخصية حول أويا. ينسج الفيلم بنية سردية تتحدى مرتكزات الإيمان الثقافي بالحقيقة. «الخبراء هبة الله للمزورين»، يقوض ويلز بهذه العبارة سطوة السلطة النقدية، مشيرًا إلى أن ما نسميه بالأصالة ليس سوى اتفاق اجتماعي هش. يرتدي هؤلاء الأشخاص أقنعة، بالمعنى الحرفي والمجازي، ويتسللون إلى منظومات تدعي تمجيد الأصالة، ليكشفوا أن «الخبرة» غالبًا ما تقدس الوهم.

إذا كان «المواطن كين Citizen Kane» هو إعلان المؤلف، فإن « F for Fake» هو نفي المؤلف، أو بالأحرى، كشفه كفكرة خرافية. هذا ليس فيلمًا عن الفن فحسب، بل عن هشاشة الإدراك، وعن شهوة التصديق. يهدم ويلز، الذي يعلن نفسه دجالًا، أسطورة «المؤلف» حتى وهو يمارسها أمامنا. لا يقف ويلز على مسافة من شخصياته، بل ينصهر معها. لا يفضح ويلز المؤلف بل يعيد اختراعه كمشعوذ، كمخرج يلبس قناع الساحر، يمارس الوهم ليكشف عن آليات تلقيه.
الكشف الذي يصنع الذروة المزعومة، بإعلان أن قصة إغواء أويا كودار لبيكاسو هي قصة مختلَقة لا صحة فيها، يحدث بفرح طفولي. غير أن الاعتراف لا يأتي في شكل اعتذار، بل احتفال؛ السينما تكذب، وكذبها جميل. ما يقدمه ويلز ليس اعترافًا بل موقفًا. يقول في نهاية الفيلم: «لم يكن هناك شيء واحد صادق». لا يقول هذا الاعتراف نادمًا، بل كإعلان عن طبيعة الوسيط الذي يعمل به. لا يعد التزوير هنا خرقًا أخلاقيًا، بل يصبح من صلب العملية الفنية، حيث يعيد الفيلم تشكيل ذاته باستمرار بوصفه تمرينًا في الخداع.
يتقاطع الفيلم مع مفهوم «العمل المفتوح» كما صاغه الروائي والناقد الإيطالي الأشهر أومبرتو إيكو. فالسرد فيه ليس مستقرًا ولا يمنح المشاهد مسارًا واضحًا أو نهاية حاسمة، بل يظل مفتوحًا لتأويلات متعددة. هذه البنية المتقلبة والغامضة تُدخل المتفرج في قلب اللعبة، وتدعوه للمشاركة في خلق المعنى لا استهلاكه فحسب.

المونتاج كخداع بنيوي: صناعة المعنى من ضباب الصورة
لا يُستخدم المونتاج في هذا الفيلم كوسيلة للربط أو التفسير، بل كأداة تقويض وتشويش. لا يبني هنا خطًا سرديًا بل يشظيه في كل اتجاه. وهذا منطقي لأورسون ويلز، المخرج الذي يؤمن أن بلاغة السينما كلها تتحقق في غرفة المونتاج.
ورغم أن بنية الفيلم تبدو عشوائية أو مرتجلة، فهي في الواقع شديدة الإحكام؛ مجموعة تسجيلات وثائقية، ومونولوجات ارتجالية، وفواصل هزلية، وخدع بصرية، وقصص مصطنعة. والنتيجة ليست فيلمًا، بل تركيب سينمائي (collage)، حيث لا مركز ولا محيط، بل حركة دائمة بين أشكال مختلفة من السرد، تُزيّف جميعها ادعاء الحقيقة. حتى الشارة الافتتاحية مزوّرة، إذ تُدرج دي هوري وإيرفينغ كأبطال للفيلم، بينما يُخفى دور ويلز كمؤلف ومنسق رئيسي.
في «F For Fake» لا يمارس المونتاج كوسيلة تنظيم للحدث، بل كفعل كتابة يعيد تعريف من يُنتج المعنى؛ فالمونتير هنا هو المؤلف. ليس بصفته من يروي، بل من يصوغ الحقيقة بصريًا وزمنيًا.

لا يقدم أورسون ويلز فيلمًا يسعى إلى الإقناع، بل إلى زعزعة الثقة في المعنى ذاته. فالفيلم لا يقدم سردًا تقليديًا، بل بنية أشبه بالمتاهة، تقترح أن الحقيقة ليست غاية السرد، بل مادة قابلة للتشكيل والتلاعب.
ولا تؤدي أدوات المونتاج من القص السريع وتقسيم الشاشة وتركيب الصور المتداخلة أي وظيفة توضيحية، وكذلك الموسيقى المتبدلة بشكل مستمر – وضعها ميشيل ليغراند- لا تسهم في خلق أي حالة شعورية أو إدراكية واضحة لدى المشاهد؛ بل تشتغل تلك العناصر جميعها كوسائط تمويه. إنها تخفي ما تعرضه وتعرض ما تُخفيه، في حركة مزدوجة تضع المشاهد في حالة إدراك متأرجح. وكما يصرف الساحر انتباه الجمهور لتكريس خدعته، يوظف ويلز هذه التقنيات لتصير الخدعة موضوعًا فنيًا قائمًا بذاته.

موسيقى ميشيل ليغراند لا ترافق الصورة؛ بل تتهكم عليها. تكون مرحة في لحظات الخداع بشكل يثير الريبة، وتبتسم بسخرية في لحظات الجدية. إنها أشبه بتعليق صوتي مضاد، يفرغ الصورة من ثقلها ويقوض نبرتها الجادة.
تشكل الخدعة الافتتاحية، حين يظهر ويلز وكأنه يسرق مفتاحًا من طفل، بيانًا سينمائيًا مصغرًا: السينما فعل تشتيت، ومن لا ينتبه يصبح جزءًا من الحيلة. حتى الوعد الزمني الذي يأتي في بداية الفيلم: “سنقول الحقيقة خلال الساعة القادمة” لا يعمل كعقد روائي، بل كبنية فارغة تنقض ذاتها. فعند انتهاء الساعة، تُروى القصة الأكثر تركيبًا لتُكشف لاحقًا أنها خدعة، وتُختم باعتراف شكلي بالخداع. غير أن وقع هذه المفارقة لا يقوم على المفاجأة، بل على التواطؤ، حيث إن المشاهد لم يُخدع بقدر ما اختار أن يُخدع، إذ دخل اللعبة عن وعي وقبِل حدودها.

الخاتمة: الخدعة الأخيرة اسمها الإيمان
لا يكتسب فيلم «F For Fake» أهميته السينمائية من فرادته التقنية أو راهنيته الفكرية، بل تكمن أهميته في تلك الشرارة التي تجعله تجربة اكتشاف جديدة مع كل مشاهدة. إنه فيلم لا يطلب من المشاهد أن يصدق، بل يحرضه على أن يختار التصديق. وهذا الاختيار، الطوعي والهش، هو جوهر الفن.
لا يبدو هذا الفيلم، في زمن الصور المصنعة — سواء عبر التلاعب الرقمي أو توليد الذكاء الاصطناعي — والهويات المعاد تشكيلها على منصات التواصل، والسرديات المضللة، متقادمًا، بل متقدمًا على زمنه. وبينما تتهاوى الحقيقة تحت وطأة سرعة الصورة، يعلن ويلز، من خلف شاشة المونتاج، أن الكذبة التي تُروى بإتقان قد تكون أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة نفسها. إنه ليس فيلمًا عن التزوير، بل عن الحنين لما نرغب في تصديقه؛ عن السينما كحيلة محببة، نتواطأ معها لأننا نحتاج إلى سحرها. يبدو درس ويلز الأخير، في عالم تتكاثر فيه الأوهام البصرية، واضحًا ومباشرًا، وإن قُدّم من خلال حيلة فاتنة: الفن لا يكشف الحقيقة، بل يخلقها.

يقف وراء الألاعيب والابتسامات والقطع السريع، يقف فنان مسن يُعاين هشاشته، ويصوغ وداعه. لا بالألم، بل بالمكر. الفيلم ليس استعراضًا لقدراته البصرية فقط، بل مرآة صافية لأفكاره عن المؤلف، وعن التزييف، وعن الإيمان. لا شيء فيه يُعلن بجدية، ولا شيء فيه يُقال بلا قصد.
وفي لحظات الفيلم الأخيرة، حيث يتباطأ الإيقاع وتُفتح كاتدرائية شارتر كأفق للتأمل، لا نعود نسمع ضحكة الساحر، بل نلمح صمته. يتحدث ويلز عن الجمال الذي لا يُنسب لأحد، وعن الأغنيات التي ستنتهي، وعن إيمانه العميق بأن الفن، إن بقي حيًا فينا، فذلك يكفي. لم يكن بحاجة ليوقع اسمه، بل يكفيه أن يترك أثره. هكذا لا يكون الفيلم وداعًا، بل تحية أخيرة. حركة يد ساحر يبتسم وهو يُخفي الخدعة الأخيرة، ثم يختفي.
اقرأ أيضا: «ضُبط يسرق»… جانب أرونوفسكي المرح