مثل قطة تنظر في المرآة وترى أسدًا، تميل أفلام المخرج النيويوركي دارين أرونوفسكي نحو تضخيم السرد والتطرّف. عناوين مثل «مرثية حُلم» (2000، «Requiem for a Dream»)، و«البجعة السوداء» (2008، «Black Swan»)، و«أمّ!» (2014، «Mother!»)، وحتى «الحوت» (2022، «The Whale»)، هي أعمال تستعرض أنماطًا متعددة من البلاغة المتكلفة، أو لنقل بشكل أكثر مباشرة، قدرًا من الإفراط.
وهذا لا يجعلها أفلامًا رديئة، بل على العكس، تحمل في طياتها جوانب مثيرة للاهتمام. غير أنّ مظاهر الإسراف فيها تبقى جليّة. تكشف هذه الأفلام أيضًا ولعًا بالبشاعة البصرية، كما لو كان المخرج يستمتع بجعل جمهوره غير مرتاح.
المثير للدهشة أن أفضل أفلامه «المصارع» (2008، «The Wrestler»)، كان حالة استثنائية، فالفيلم الذي حصد جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية سنة 2008، تخلى فيه أرونوفسكي عن زخرفاته المعتادة، لا توجد بلاغات بصرية، ولا تعقيدات سردية متعمدة، ولا ذلك الولع بالتشظي أو الإزعاج الحسّي، بل فقط قصة درامية مفجعة ومليئة بالمشاعر.

جديده، «ضُبط يسرق» (2025، «Caught Stealing»)، الذي يُعرض في الصالات السينمائية، يبتعد قليلًا عن كلّ أعماله. نعم لا يزال الفيلم هو رواية جريمة، ولا يزال الطابع القذر موجودًا، لكن يُظهر أرونوفسكي في الفيلم جانبًا مرحًا لم يُشاهد من قبل.
الفيلم مفاجأة سارة، خفيف، شعبي، مُسل، مليء بالفكاهة والعنف، في بعض الأحيان أقرب إلى الهذيان الإجرامي للأخوين كوين أو جنون غاي ريتشي منه إلى الكون المهيب الذي ميّز فيه أرونوفسكي نفسه. مهما كان، في «ضُبط يسرق»، لا يقدّم أرونوفسكي أفضل أفلامه، لكنه بلا شك يقدّم أكثرها طرافةً في مسيرته السينمائية. عمل يخرج عن مألوفه، ويكشف جانبًا عبثيًا لم نعتده منه.

تأخذنا القصة، المستندة إلى رواية تشارلي هيوستن (الذي كتب السيناريو أيضاً)، إلى نيويورك عام 1998، عندما كان الذكاء الاصطناعي لا يزال مادةً للخيال العلمي وكانت أجهزة الرد الآلي هي النبض اليومي. هناك يجد هانك (أوستن بتلر)، لاعب البيسبول السابق الذي توقف عن الحلم، نفسه متورطاً في كابوس إجرامي بتهمة الإهمال بعد موافقته على رعاية قطّة جاره. ما بدا معروفاً بريئاً يتحول إلى دوامة من المطاردات من المافيا الروسية واليهود القتلة ورجال الشرطة الفاسدين.
سيحاول هانك الهروب من الجميع من دون أن يفقد دمه، أو حبيبته الجميلة إيفون (زوي كرافيتس)، أو قطة جاره، التي تُعدّ، بصراحة، أفضل شخصية في الفيلم.

في الواقع، وكما يليق بفنان سعى جاهدًا لصقل شخصيات جادة ومتعالية، بل معذّبة، ابتعد أرونوفسكي طوال مسيرته الفنية عن الكوميديا. لكن بين النكات الدموية، وطلقات الرصاص، والوفيات المفاجئة، والمطاردات، يبدو أنّه مستمتع بالفكاهة السوداء وبما يفعله في فيلمه الجديد. ومع ذلك، وسط كل هذه الخفة، لا ينسى أرونوفسكي هواجسه: الألم الجسدي كاستعارة للروح، والدين والإيمان كأعباء حتمية، وفكرة أنّ القدر لا يكف عن إلحاق الأذى بشخصياته.
من شارة البداية التي تظهر فوق بلاط محطة مترو الإنفاق المتهالكة، إلى رسومات الغرافيتي، وأكوام القمامة في الشوارع، والحانات، صُمِّم كل شيء لنقل المشاهد إلى مدينة تجمع بين الموقع والشخصية. اللوحة البصرية مشرقة وملونة ومبهجة بشكل مفاجئ لقصة مليئة بالأكشن والفكاهة والعنف الأرونوفسكي المميز.

نعم، يُطلق أرونوفسكي العنان لمرحه للمرة الأولى في مسيرته، في قصة جريمة وأكشن وفكاهة سوداء منعشة، والنتيجة فيلم يحافظ على الطابع البصري المميز للمخرج، لكن بنبرة أكثر سلاسة وتسليةً، قادر على كسب إعجاب كل من محبّي هذا النوع السينمائي والباحثين عن تجربة سينمائية نابضة بالحياة، وشخصيات محبوبة على الشاشة. يحتاج أوستن بتلر إلى المزيد من الشخصيات مثل هذه (وأقل من إلفيس) لتأكيد جاذبيته كممثل سينمائي لا يمكن لأحد أن ينازعه في هذه المرحلة، ويُثبت قدرته على حمل فيلم على كتفيه من خلال كاريزما نادرة في منظومة النجوم اليوم. إلى جانبه، تُبهر زوي كرافيتس بحسيتها المعهودة، المسعفة التي تعمل كحليف ومرساة عاطفية في الوقت نفسه.
الفكاهة السوداء التي تتخللها مطاردة وقتال في الشوارع تخلق ديناميكية مرحة، مع ابتسامة واعية للعنف الذي يمرّ بسلاسة. في بعض الأحيان، يكون الفيلم مسليًا للغاية وفي أحيان أخرى ساحقًا في عرضه للعنف غير المنظم. هنا، يُكرر أرونوفسكي عادته في تعريض شخصياته لجلسات من جلد الذات وقسوة لا مبرر لها في كثير من الأحيان. وفي هذا الصدد، لا يتغير أبدًا.
«ضُبط يسرق» سهل الوصول، مفاجأة من مخرج بدا محكومًا عليه بالوقار وانقسام الجمهور، لكنه يثبت أنه يستطيع الاستمتاع من دون أن يفقد هويته تمامًا. الهوس الواضح الوحيد الذي يُقدمه عالم أرونوفسكي في هذا الفيلم هو رفضه للمخدرات، ولمن يتعاطونها، ولمن يتاجرون بها. وهنا، كما في فيلم «مرثية حُلم»، كل من يُكرّس نفسه لها سيموت ميتةً بشعة.
اقرأ أيضا: يوم قابلتُ جيم جارموش