بين أفلام عربية عدة، تعرض داخل مسابقات الدورة الثانية والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي أو على هامشه، يقف فيلم «نجوم الألم والأمل» للمخرج اللبناني سيريل عريس في موضع خاص.
فالفيلم المعروض في قسم «أيام فينيسيا» ضمن الفعاليات الموازية للمهرجان لا يلتفت على القضايا الكبرى كفيلم «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية، أو «أبي والقذافي» لجيهان منصور. بل على النقيض منهما، يقدم «نجوم الأمل والألم» قصة هي أقرب فعلًا للحياة العادية في لبنان، البلد المليء بالألم والأمل مثل عنوان هذا الفيلم.

يبدأ الفيلم بمشهد ولادة يحدث بالتزامن مع انفجار مرفأ بيروت. بداية حياة جديدة في لحظة تحمل الموت للمدينة. ولكن ربما هو هذا حال لبنان بأسره، محاولات للحياة وسط كل التحديات. يلي هذا المشهد مشاهد كوميدية عبثية، فبطل الفيلم نينو يترك العمل ويذهب مبكرًا للقاء حبيبته، تسقط أوراق من شرفة بعد احتدام جدال بين عجوز وزوجته، تقع على الزجاج الأمامي لسيارة نينو، ما يفقده الرؤية ويجعله يدخل بكامل سيارته في واجهة زجاجية لمحل صغير، ويذهب إلى المستشفى ليصل إلى اتفاق مع أصحاب المحل أن يأتوا لزيارته في المطعم في اليوم التالي ليعوضهم عمَّا حدث وينقذ نفسه من تلك الورطة. في اليوم التالي تظهر بطلة الفيلم ياسمينا وهي من عائلة أصحاب المحل، وتبدو الأكثر لباقة وتعليمًا بينهم، وبعد عدة مناوشات ينشأ خلاف بين طباخ المطعم وبين العائلة، لكن في ذلك الوقت يكتشف نينو أن ياسمينا هي حبه الأول في المدرسة. تأثير فراشة مذهل يحكيه عريس في الجزء الأول من فيلمه ليحكي تداخلات وتأثيرات متشابكة تؤكد على فكرته المبدئية الخاصة بالولادة المتزامنة مع الانفجار.

في وسط الصراع بين الطباخ والعائلة، نرى شجارًا كوميديًا، يتخلله حكي لماضي نينو اليتيم الذي فقد أبيه وأمه جراء رصاص عشوائي أثناء الحرب الأهلية. وياسمينا، التي تعيش خيارًا صعبًا وسط خلافات وشجارات أبيها وأمها المتكررة ما ينتهي بهما إلى الطلاق، ويتوجب على ياسمينا أن تترك والدها وتعيش مع أمها. نرى بشكل ما حكي لماضي لبنان كله من خلال تلك العلاقة بين طفلين بريئين وكيف أثرت الأحداث آنذاك على طفولتهما.
ينطلق المخرج إذا من الشخصي إلى العام، دون أي تركيز مباشر أو مفرط على الجوانب السياسية. فقط حياة ناس عادية تتأثر بما يحدث حولها، ورغم كل الظروف، يستمرون في محاولاتهم لإيجاد سُبل للعيش في بلد غير مستقر.
ما يجعل الفيلم مقارب لواقع لبنان اليومي، هو طابع الكوميديا السوداء. كما أن الشخصيتين الرئيستين للفيلم نينو وياسمينا، مكتوبتان بشكل ربما يصور رديّ فعل لأوضاع معقدة؛ نجد نينو شخصية متفائلة بإفراط، يحاول عيش اليوم بيومه، لا يقلق من شيء ويتجاهل ما حوله من مشاكل آملا في أن ينصلح الحال في وقت من الأوقات، ويحتفظ بروحه المرحة الضاحكة التي تحول أي شيء إلى نكتة. على الجانب الآخر نرى ياسمينا، المنضبطة والناجحة في عملها، المخططة لكل شيء وذات القلق المرضي من العيش وسط كل هذه اللايقين دون خطة واضحة لكيف يمكن أن تنصلح الأحوال. وبين هذا وذاك، يكون التضاد الذي يخلق توازنًا في تلك العلاقة، وينجذب الاثنان إلى بعضهما البعض في علاقة لا تخلو من الحب والتردد أيضًا في المضي قدمًا في تلك العلاقة بسبب قلق ياسمينا.

تتحرك أحداث الفيلم بين الماضي والحاضر، وحتى مستقبلهما، بشكل غير خطي. ما يجعل تلك العلاقة في جميع مراحلها متأثرة بما يحدث في لبنان والسياق الأوسع المحتضن لقصة الحب البديعة بين البطلين، وما يجعل الزمن يبدو سائلًا وسط عقبات تظهر مع كل حقبة، وكأن السياق دائمًا ما يكون هو البطل المضاد في الفيلم، لكن الشخصيات تأبى إلا أن تؤمن بالحب، فتكون علاقتهما هي البطل.
على الرغم من أن الفيلم لا يستطيع في نهايته أن يقدم إجابة على سؤال «هل نترك الوطن الذي نحب من أجل حياة أفضل، أم نبقى به فنضحي بحياة طبيعية؟» إلا أنه بشكل ما يصور حالة التأرجح بين الخيارين، ومدى صعوبة مواجهة هذه المعضلة. كما يكتشف موهبة المخرجة اللبنانية منية عقل (ياسمينا) في التمثيل، إلى جانب الأداء التمثيلي الممتاز لحسن عقيل (نينو).

وأخيرًا فإنه وإن لم يستطع إيجاد إجابة لمعضلة لبنان المقيمة؛ فإنه ربما يمكن تلخيصه في أن الحياة في هذه البقعة من الأرض هي مزيج من كل الحلول، لكن يبقى الحب هو ربما الدافع والمحفز الأكبر على مواصلة الحياة.
اقرأ أيضا: «أب، أم، أخت، أخ»… حكايات طيبة عن العائلة