عاد المخرج الأمريكي جيم جارموش إلى مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي للمرة الثانية فقط في مسيرته، بعد «Down by Law» (1986) وذلك مع العرض العالمي لفيلمه الرابع عشر «Father Mother Sister Brother» ضمن المسابقة الرسمية. وكما حدث في مؤتمر جوليا روبرتس الجمعة، كانت الأجواء مشحونة، ومليئة بالأسئلة الجريئة التي تلاحق صناع الأفلام هذا العام.
جيم جارموش، الذي وقع مع عدد من المخرجين على رسالة موجهة إلى منصة MUBI الموزعة لفيلم جارموش المنافس على الأسد الذهبي، طالبوا فيها قطع علاقتها بأحد المستثمرين، الذي واجه انتقادات داخلية وخارجية بسبب صلة شركته بشركة ناشئة لصناعة آليات الدفاع الإسرائيلية. حيث قبلت المنصة استثمارًا بقيمة 100 مليون دولار من شركة تدعم أيضًا Kela، وهي شركة ناشئة في مجال الدفاع تأسست عام 2024 على يد قدامى الاستخبارات الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر.
وكان الرئيس التنفيذي لـMUBI، إيفه شاكرال، قد أصدر بيانًا في وقت سابق من هذا الشهر يؤكد فيه أن علاقة الشركة مع صندوق الاستثمار لا تساهم في تمويل الحرب في غزة. وقال إن العلاقة مع الصندوق «لا تشارك في تمويل الحرب في غزة»، معلنًا مؤخرًا عن تبنّي «سياسة أخلاقية للتمويل والاستثمار» وتشكيل مجلس استشاري من أهل الفنون للمساهمة في تحديد معايير الشراكات المستقبلية. لكن الجدل لم يتوقف، وبقي حاضرًا بقوة في أسئلة الصحافة خلال المؤتمر.

تلقى جارموش سؤالًا مباشرًا من أحد الصحفيين حول موقفه من الأزمة، ليرد قائلًا: «لقد تحدثت مع MUBI حول الأمر، ولدي علاقة جيدة جدًا، خصوصًا مع مدير المحتوى جايسون روبيل، الذي اتصل بي فورًا. لم يكن على علم حين تمت هذه العلاقة. بدأت علاقتي مع MUBI قبل ذلك بكثير، وكان العمل معهم على هذا الفيلم رائعًا. بالطبع، شعرت بخيبة أمل وارتباك شديدين بسبب هذه العلاقة. إذا أردتم مناقشة الأمر، فعليكم التوجه إلى MUBI. أنا لست المتحدث باسمها. ومع ذلك، نعم، كنت قلقًا».
وأوضح أنه مرتبط باتفاقية توزيع مع MUBI في بعض المناطق، كان قد وقّعها قبل معرفته بهذه التفاصيل. مضيفًا: «أنا مخرج مستقل، وقد أخذت أموالًا من مصادر مختلفة لإنجاز أفلامي. أعتبر أن معظم أموال الشركات الكبرى أموال قذرة.»
تابع: «إذا بدأتم بتحليل كل شركات الأفلام وهياكل تمويلها، ستجدون الكثير من القذارة. يمكننا أن نتوقف عن صناعة الأفلام تمامًا، لكن الأفلام هي الوسيلة التي اخترتها للتعبير عما أريد قوله. نعم، أنا قلق، لكن ما لا يعجبني هو تحميل الفنانين مسؤولية تفسير هذه الأمور. نحن لسنا المعنيين؛ الجهة التي يجب أن يُوجّه لها السؤال هي MUBI. وليس MUBI فقط، بل شركات أخرى أيضًا».
الحوار لم يتوقف عند جارموش. فقد شاركت الممثلة إنديا مور – المعروفة بدعمها العلني لفلسطين والتي اعتُقلت في احتجاج بنيويورك عام 2023 للمطالبة بوقف إطلاق النار – في النقاش، حيث قالت: «منذ بداية الإبادة الجماعية للفلسطينيين، هناك قدر هائل من الحروب الإبداعية وحروب الموارد خلف الكواليس. الناس يحاولون أن يفهموا: كيف نعمل بطريقة أخلاقية لا تُمكّن من استمرار منظومات التمويل التي تسمح بوقوع مثل هذه المآسي؟ عملية التحقق والتدقيق التي يتعلمها الناس الآن ما زالت في طور التشكّل».
وأضافت: «هذه أسئلة لم نُضطر إلى طرحها من قبل، خصوصًا كفنانين مستقلين. نحن جميعًا نحاول أن نكتشف كيف نُبحر وسط هذه الظروف ونبقى على قيد الحياة. شيء واحد مؤكد: إذا سألني أحدهم لماذا عملت هنا أو هناك بينما هذه الجهة أو تلك المؤسسة تقف وراء أمر كهذا؟ فالاحتمال الأكبر أنني لم أكن أعلم».
مور شددت أيضًا على أن «الأشخاص الذين نخلق لهم الأعمال يجب أن يضاعفوا الضغط في هذا الاتجاه، حتى نتمكن نحن الفنانين من مواصلة العمل، وأن يكون لدينا منصة نضخّم عبرها الرسائل التي نحتاج إلى إيصالها. من المهم للغاية أن نحظى بدعم جمهورنا لفهم كيفية توجيه الضغط نحو مراكز القوة المسؤولة، لا نحو الأشخاص الذين يحاولون أن يكونوا في موقع الخدمة».

وعن تجربة الفيلم تحدثت الممثلة كيت بلانشيت، التي أكدت أنها تشعر بمتعة خاصة عند تجسيد إحدى شخصيات جارموش، وعلقت ساخرة على كونه يصنع ما يحب ولا يكتب نصوصًا واضحة قائلة: «في آخر مرة عملنا معًا، دخّنت الكثير من السجائر. لذا كنت سعيدة أنني لم أضطر للتدخين في هذا الفيلم.»
واوضحت: «كثيرًا ما كنا نسأل جيم: ماذا يحدث في هذه اللحظة؟ ماذا يعني هذا؟ وكان يجيب: لا أعرف. لا أعرف. كنت آمل أن تخبروني أنتم بما يعنيه.»، وتابعت: «وقتها أدركت أنك تكتب بطريقة تشبه تدفق الوعي، وبأسلوب موسيقي إلى حد ما. ثم يساعدك الممثلون على أن تكتسب كتابتك معنى ما. ليس لأنها بلا معنى عند قراءتها، لكنني أجد أنك تخلق عوالم مضحكة للغاية وغريبة وعبثية، ومع ذلك مميزة لا يستطيع أحد سواك أن يخلقها يا جيم.»
واختتمت حديثها معه قائلة: «ومع ذلك، هناك أيضًا شيء عميق، فيه روحانية وشاعرية خاصة بك في الطريقة التي تمنح بها الأشياء معنى.»، اردفت: «وأعتقد أن هذا ما يميزك؛ فنحن غالبًا نحاول أن نحصر المعنى ونثبته، بينما أنت تسمح لهذه الروابط الغريبة بأن تكون بلا تفسير مباشر أو منطقي. وبالنظر إلى حال العالم اليوم، فأنا ممتنة جدًا لذلك.»
وتعليقًا على حديثها قال جارموش: «أريد أن أضيف شيئًا: عندما أكتب وأفكر في ممثلين محددين لأداء الشخصيات التي تخيلتها، أفضل الحوارات التي تخرج مني – إذا جاز لي أن أقول – تكون عندما أكتفي بالنسخ.»
وشرح قصده من الحديث السابق قائلًا: «الشخصيات تتحدث في رأسي فعلًا، ولا أعرف من أين يأتي ذلك. لا أعرف ماذا يعني، لكنها تبدو حيّة، وأنا فقط أكتب ما تقوله. وهذا غريب، لأنه ليس شيئًا أفكر فيه بوعي عندما يكون النص جيدًا. بل هي، الشخصيات، من تستولي على خيالي وتتكلم من خلاله».