فاصلة

مقالات

داستن هوفمان… الذي أنصتَ للحياة

Reading Time: 5 minutes

رغم قصر قامته وملامحه التي توحي بصغر سنّه نسبةً إلى عمره الحقيقي، استطاع داستن هوفمان (1937)، أن يفرض نفسه كنجم سينمائي غير تقليدي، متحدّيًا الصورة النمطية للبطولة الهوليوودية، بأسلوب متجذّر في الواقعية النفسية، وضبط المشاعر. 

بموهبة هائلة وعزيمة راسخة على تحدّي نفسه من دون الاستسلام للتعب أو الخيارات المشكوك فيها، أعاد هوفمان تشكيل ملامح الأداء السينمائي، مما جعله أحد أكثر الممثلين تأملًا في جيله. يرفض هوفمان المبالغة المسرحية لصالح الفروق الدقيقة النفسية للشخصية، غالبًا ما ينقل الاضطراب الداخلي من خلال الإيماءات المقيدة والتعديلات الصوتية الدقيقة. شخصيات هوفمان ثابتة عاطفيًا، هادئة لكن بتأثير دائم. تجسّد شخصياته التي غالبًا ما تكون محرجة اجتماعيًا أو متضاربة أخلاقيًا أو مكبوتة عاطفيًا، كثافة هادئة تقاوم التصنيف السهل.

ولد داستن هوفمان في لوس أنجلوس. عمل والده كمصمم إنتاج (Production Designer) في كولوبيا بيكتشرز، ثم انتقل لاحقًا ليصبح بائع أثاث. «لم يكن والداي يملكان مالًا، وكانت والدتي تشارك غرفة في المستشفى مع خمس نساء أخريات. فكّرا في العديد من أسماء الفتيات لأنّ هذا ما أراداه. ولدت، كخيبة أمل، لم يفكرا في أي أسماء. كانت المرأة في السرير المجاور فتحت مجلة أفلام يظهر فيها الشقيقان داستن وويليم فارنوم، وكلاهما ممثلان شكسبيريان، حتى ظهرت الأفلام وانتهى بهما الأمر كرعاة بقر في أفلام الغرب الأميركي»، قال لمجلة فانيتي فير: «داستن اسم رائع». درس البيانو في طفولته، وأصبح مهتمًا بموسيقى الجاز عندما التحق بالمدرسة الثانوية، ولكن لاحقاً، أقنعه أحد زملائه بالالتحاق بقسم الدراما، يقول: «كانت تلك الفصول الدراسية الوحيدة التي لم أكن أنظر فيها إلى الساعة».

 عندما تخرج من الثانوية، التحق بكلية سانتا مونيكا بنية دراسة الطب، غادرها بعد عام. التحق بمعهد لوس أنجلوس للموسيقى والفنون وكان يطمح لأن يصبح عازف بيانو لموسيقى الجاز. لكنه غيّر مساره لاحقًا نحو التمثيل، ثم تلقى تدريبًا في مدرسة باسادينا للمسرح، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى نيويورك ويواصل دراسته في استوديو الممثلين.

The Graduate (1967)
The Graduate (1967)

وصل إلى السينما متأخرًا، بعد العمل في العديد من المسلسلات التلفزيونية والمسرح. سنة 1967، في سنّ الثلاثين، جاءت فرصته الكبيرة أخيرًا. رآه المخرج مايك نيكولز يلعب دورًا صغيرًا في مسرحية، وعرض عليه دور بنجامين براوك، الشاب الذي أغوته آن بانكروفت الأكبر سنًا في فيلم «الخريج» («The Graduate»). قدم هوفمان أداءً استثنائيًا في الفيلم، جسّد أزمة جيل بأكمله. هو ذلك الشاب الذي يقف على حافة مرحلة البلوغ، غارقًا في اغتراب داخلي وسط مجتمع يفرض عليه مسارات جاهزة. جسّد هوفمان الشخصية بقلق ملموس، مستخدمًا لغة مترددة ونظرات شاردة. لم يكن بنجامين بطلًا تقليديًا، بل شابًا ضائعًا، ينجرف في علاقة مع امرأة تكبره سنًا، ثم يتمرد على كلّ ما تمثله من سلطة اجتماعية وجنسية. اشتهر هوفمان بين عشية وضحاها، ورشح لجائزة أوسكار، قال خلال مقابلة: «كان الحصول على الدور حادثًا غريبًا، فجأة، أصبحت نجمًا».

داستن هوفمان... الذي أنصتَ للحياة
Midnight Cowboy (1969)

منذ ذلك الحين، اكتسب سمعة كممثل شديد الدقة، ويترك دائمًا بصمة من المصداقية المطلقة. عندما يتولى هوفمان أي دور، فإنه يتقنه بكل بساطة. عمل تحت إشراف مخرجين مرموقين مثل سام بيكنباه، جون شليزنغر، أرثر بنّ، ستيفن سبيلبيرغ، بوب فاس، آلان جيه، نواه بومباك، سيدني لوميت، سيدني بولاك، فرانسيس فورد كوبولا وغيرهم.  في «راعي البقر منتصف الليل» (1969 – «Midnight Cowboy»)، قدم هوفمان دور ريكو راتسو ريزو، محتال شوارع منبوذ، تنشأ بينه وبين جو باك (جون فويت) صداقة غير متوقعة. هوفمان يختفي تماماً داخل الشخصية، بجسده المنهك وصوته الأجش، ونظراته المليئة باليأس. 

لم يسع هوفمان إلى إثارة التعاطف، بل كشف قسوة الحياة الحضرية من خلال شخصية مثيرة للنفور والشفقة في آن واحدـ راتسو رجل محطّم، لكنه لا يزال يحتفظ بلمحة من الحنان. اللقطة الارتجالية الأشهر في الفيلم هي تلك التي يصيح فيها هوفمان بجملته الشهيرة: «I’m Walkin’ Here!». هذه العبارة لم تكن مكتوبة، بل ارتجلها هوفمان أثناء التصوير عندما كاد أن تصدمه سيارة أجرة حقيقية في شوارع نيويورك. بدلًا من قطع المشهد، استمر في الأداء وصاح الجملة بطريقة غاضبة ومليئة بالحيوية.

داستن هوفمان... الذي أنصتَ للحياة
Little Big Man (1970)

بلغ هوفمان ذروة التمثيل في فيلم «الرجل الكبير الصغير» لآرثر بنّ (1970، «Little Big Man»)، حيث جسّد دورًا محوريًا في حكاية تُروى من وجهة نظر ضحايا إبادة الهنود الحمر الأميركيين.  هذا المنظور، الذي قلب السردية التقليدية، لم يرق للأوساط الأميركية المحافظة، إذ واجه الفيلم انتقادات لاذعة بسبب جرأته في مساءلة التاريخ الرسمي. 

نتذكره في الفيلم كرجل من الأميركيين الأصليين، وقد سمح لنفسه بأن يُغسل في حوض استحمام على يد فان دوناواي؛ الزوجة الرائعة والمفعمة بالشهوة، بواعظ من الغرب المتوحش.  توالت نجاحات هوفمان، مؤديًا طيفًا واسعًا من الشخصيات: أبطال، أشرار، وحتى نساء كما في فيلم «توتسي» لسيدني بولاك (1982، «Tootsie»)، حيث قدّم أداء استثنائيًا كشف عن هشاشة الهوية الجندرية وسخر من الصور النمطية. 

جسّد في الفيلم شخصية مايكل دورسي، ممثل نيويوركي عاطل عن العمل يضطر، في لحظة يأس، إلى التنكر كامرأة ليحصل على دور في مسلسل تلفزيوني، فيظهر على الشاشة بشخصية دوروثي مايكلز. لكن الأداء تجاوز مجرد التنكر، أو الكوميديا الجسدية أو لعبة الهوية، فقد بنى هوفمان شخصية إنسانية عميقة، مليئة بالتناقضات والتطورات العاطفية. جعل من دوروثي شخصيةً حقيقية، محبوبة، ومُعبرة عن تمكين المرأة، كاشفًا عن مظاهر التمييز الجندري بأسلوب حساس وغير متوقع. 

داستن هوفمان... الذي أنصتَ للحياة
Kramer vs. Kramer (1979)

رُشح سبع مرات لجائزة الأوسكار، وحصل عليها مرتين، الأولى في فيلم «كريمر ضد كريمر» لروبرت بنيتون (1979، «Kramer vs. Kramer»)، في الفيلم، يجسّد هوفمان شخصية تيد كرايمر، مدير تنفيذي غارق في عمله يُجبر على تولّي دور الأب الوحيد بعد أن تتركه زوجته. هذا الأداء الإنساني العميق، يتجلّى من خلال هشاشة تتطور تدريجًا على مدار الفيلم. يعبّر هوفمان ببساطة عن الحيرة، والإحباط، والحب المتنامي تجاه ابنه، ما يلفت الانتباه هو قدرته على إيصال تحوّل الشخصية من دون اللجوء إلى تعبيرات درامية صارخة. 

داستن هوفمان... الذي أنصتَ للحياة
Rain Man (1988)

يظهر تطوّره في الإيماءات الصغيرة، وفي الصمت المعبّر. والثانية في فيلم «رين مان» لباري ليفنسون (1988، «Rain Man»)، لأدائه شخصية ريموند بابيت، رجل مصاب بالتوحّد. وهو الفيلم الذي كاد أن يتخلى عنه، وقد اعترف لاحقاً: «لديّ شكوك داخلية تجعلني أشك، وكان من الصعب ترويضها». في الفيلم، نرى هوفمان بأداء بالغ الدقة ومضبوط عاطفي. انضباط شبه جراحي، من طريقة مشيه إلى حركاته التكرارية ونبرة صوته في عبارات مثل «نعم» و «لا أعرف».

The Meyerowitz Stories (2017)
The Meyerowitz Stories (2017)

ظهر هوفمان في أكثر من سبعين فيلماً، ولطالما ارتبط اسمه بصورة الممثل الدقيق، شديد الحساسية، بل حتى المتّردد في بعض الأحيان. هذا الانضباط يتلاشى خارج مواقع التصوير، حيث يظهر هوفمان بطبيعته المرحة، مستعرضاً حسّه الفكاهي في المناسبات العامة وعلى السجادة الحمراء. في مهرجان كان عام 2017 مثلًا، استعار كاميرا من مصوّر ليلتقط صورًا لزملائه بنفسه. في المهرجان نفسه، حيث شارك في فيلم «قصص مايرويتز» لنواه بومباك («The Meyerowitz Story»)، أطلق تصريحًا لافتًا، عن بلوغه سن الثمانين، وإقراره بأن العروض التي تصله لأدوار رئيسية باتت قليلة، لكنه تقبّل ذلك بروح دعابة بقوله: «هناك أمر ينساه النجوم، وهو أنك في يوم ما تتجاوز الصعاب وتصبح ممثلًا مساعدًا».

ينهي هوفمان اليوم عامه السابع والثمانين، ولا يزال يبدو أصغر سنًا، ولا يزال مثالًا نادرًا على الممثل الذي يجري خلف الالتزام الداخلي بالحرفة، ورغبة دائمة في استكشاف الإنسان خلف الشخصية. هوفمان اليوم، في سنواته المتقدمة، لا يقدّم نفسه كرمزٍ متعال، بل كفنانٍ متواضع، ساخر، ومتصالح مع الزمن. وربما في هذه المسافة بين التمثيل والحياة، بين الدقة والمرح، تكمن عبقريته الحقيقية. «أفضل طريقة لتصبح ممثلًا أفضل هي أن تراقب الناس وتُصغي إليهم لاحقًا»، بهذا القول، يختصر هوفمان جوهر فنه: التمثيل ليس استعراضًا، بل إنصات عميق للحياة.

اقرأ أيضا: المدينة والحداثة في السينما: من شابلن إلى أنطونيوني وجاك تاتي

شارك هذا المنشور