يروي لويس بونويل (1900 – 1983) أنه ذات يوم، بينما كان يتجول في بستان زيتون مع والده، هبّت عليه نسمة هواء «رائحة حلوة كريهة»، قادمة من حمار ميت قريب، «متورم ومنقّر بشكل فظيع، كان بمثابة وليمة لعشرات النسور وعدة كلاب». ويختتم حديثه قائلًا: «جذبتني ونفرتني في آن واحد… كنت مفتونًا بالمنظر، متخيلًا أنني لا أعرف أي معنى ميتافيزيقي وراء التعفن».
هذا بالضبط ما يثيره فيلم «كلب أندلسي» (1929، «An Andalusian Dog»)، شعور غريب بالحلاوة والاشمئزاز. فهو سلسلة من الصور المنفصلة، كالحلم، تُبعد وتُخيف، تُدهش وتُثير الغثيان والنفور. يُعد مشهد السكّين الشهير وهو يقطع العين رمزاً للسينما. ومثل لوحة سوريالية جيدة، يجب على المشاهد أن يستسلم لهذا الفيلم، الذي لا تتجاوز مدّته العشرين دقيقة.

كان هذا الفيلم الذي كتبه مع سلفادور دالي مليئًا بالتأويلات، بعضها استفزازي للغاية، متجاوزًا بكثير ما كان مسموحًا له في ذلك الوقت. كان بونويل ينوي صدم وإهانة البرجوازية الفكرية في شبابه، وقال لاحقًا: «تاريخيًا، يمثّل هذا الفيلم رد فعل عنيف على ما كان يسمى في ذلك الوقت «السينما الطليعية»، التي كانت موجهة حصرياً إلى الحساسية الفنية وعقل المتفرج».
وعلى عكس توقعاته، حقّق الفيلم نجاحاً كبيرًا بين النخبة الفرنسية مما دفع بونويل إلى التعليق: «ماذا يمكنني أن أفعل بشأن الأشخاص الذين يعشقون كلّ ما هو جديد، حتى عندما يتعارض مع أعمق قناعاتهم، أو بشأن الصحافة غير الصادقة والفاسدة، والقطيع التافه الذي رأى الجمال أو الشعر في شيء لم يكن في الأساس أكثر من دعوة عاطفية يائسة للقتل؟».
ولد بونويل في كالاندا، ولكن بعد أشهر انتقلت عائلته إلى سرقسطة. وهناك التحق بمدرسة يسوعية. بعد تخرجه من المدرسة الثانوية، انتقل إلى مدريد لدراسة الفلسفة والأدب، وتخصّص في التاريخ. عاش في سكن الطلاب، وهناك كوّن صداقة مع دالي وغارسيا لوركا. كان منغمساً في كتابة الشعر، وكانت صناعة الأفلام لا تزال مجرّد هواية. لم يعتبرها هو وزملاؤه في الفصل وسيلة تعبير، ناهيك بكونها شكلًا فنيًا. تغيّر هذا التصور عندما انتقل إلى باريس عام 1925. هناك، بينما كان يسير ذات ليلة، رأى بعض الزجاج المكسور على الأرض. تحطّم هذا الزجاج على إثر شجار في حفل عيد ميلاد سيدة ثرية وسط حضور السورياليين، ومن دون أن يدري، شهد بونويل أول لقاء له مع هذه الحركة، ومع أندريه بروتون. أُسر بالسوريالية وتعبيراتها. خلال هذه الفترة، كان يرتاد السينما ثلاث مرات، ووقع في حبّها عندما شاهد فيلم «القدر» (1921، «Destiny»)، جوهرة التعبيرية الألمانية لفريتز لانغ، فخطى أولى خطواته في عالم السينما.

نظرًا لاتساع وتعقيد وتنوع فيلموغرافيا لويس بونويل، فمن الضروري تقسيمها إلى ثلاث مراحل: الأولى التي سنسميها «تجريبية»، من سنة 1929 إلى سنة 1933. والثانية والأطول هي المرحلة «المكسيكية» التي تمتد من عام 1947 إلى عام 1964، حيث عمل مع كاتب السيناريو خوليو أليخاندرو، الذي ساعده في إخراج ثلاثية «نازارين» (1959، «Nazarin»)، «فيريديانا» (1961، «Viridiana»)، «تريستينا» (1970، «Tristina»)، جميعها مقتبسة من أعمال بيريز غالدوس، وتسري في عروقها نزعة معادية لرجال الدين، خاصة الأخير الذي يبرز كفيلم شخصي، ويحمل الكثير من شخصيته في شخصية دون لوبي. وأخيرًا، المرحلة «الفرنسية» من عام 1964 إلى عام 1977. تزخر هذه المرحلة بأفلام طبعت بطريقة أو بأخرى، تاريخ السينما. في هذه المرحلة، بدأ علاقة عمل أسطورية مع المنتج سيرج سيلبرمان وكاتب السيناريو العظيم جان كلود كاريير. في فرنسا، عمل بشكل أقل، وتمتع بحرية إبداعية أكبر وميزانية أكبر. استخدم ميزانسين دقيقًا للغاية ولقطات طويلة، وأظهر إخلاصًا للسوريالية، طامسًا الخط الفاصل بين الحلم والخيال والواقع.
لمناقشة أعمال بونويل، لا بدّ من مناقشة حياته، التي يمكننا من خلالها تمييز العناصر التي تُحدد فنّ المخرج الإسباني اللامع. ومن بين هذه العناصر، يمكننا تحديد: الدين، البرجوازية، التفاوت الطبقي، السوريالية، الأحلام، اللاوعي. هذه الهواجس، كما أشار هو نفسه في العديد من المقابلات التي أُجريت خلال حياته، تعود إلى طفولته وشبابه. بالإضافة إلى ذلك، كان لوالدته، المتدينة، تأثير قوي آخر عليه. من هذه التربية المبكرة، يتذكر المخرج العقوبات التي فرضها الكهنة على الطلاب، مع أنّ نزعة التمرد كانت سمة مميزة له منذ صغره ومع ذلك، لا يمكننا التقليل من تأثير الدين عليه. في بعض أفلامه، يصل الصراع بين الواقع القاسي والمُثل المسيحية إلى توتر سام، إلى درجة أنّ الكنيسة، على نحو لا يصدق أشادت بفيلم «نازارين».

ترتبط حياة بونويل، بطبيعة الحال، بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وهي حقيقة لطالما رفضها. كان والده رجلًا ثريًا، مما سمح له بالتمتع بمكانة مرموقة. في أعماله، ميل دائم لانتقاد رذائل البرجوازية بشدة. ومع ذلك، فإن رد فعله الجمالي والسياسي في جوهره، والذي يصعب وصفه بغير ذلك، لا يقتصر على التنديد أو الجدل الدعائي. فسرد بونويل، الممزوج دائمًا بصور حالمة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنقد الاجتماعي، ولكن بطريقة دقيقة وجذرية في آن واحد. وذلك يعود أيضًا إلى مسيرته السياسية والاجتماعية في الحزب الشيوعي الإسباني وخلال الحرب الأهلية وعمله مع السلطة، ثم ذهابه إلى أمريكا باحثًا عن عمل، فذهابه إلى المكسيك وعودته إلى فرنسا حيث تألق.

كان «مذكرات خادمة» (1964، «Diary of Chambermaid»)، أول فيلم لبونويل في فرنسا. وهو فيلم سياسي واجتماعي ساخر يستهدف الفاشية البرجوازية في ثلاثينيات القرن العشرين. ثم ظهرت كاثرين دونوف مع بونويل في «جميلة النهار» (1967، «Belle de jour»)، كان هذا الفيلم الثالث الملوّن للمخرج فقط، حقق نجاحًا باهرًا، ومن بعده، أصبح كلّ عرض أول لبونويل حدثًا ثقافيًا. عُرض بعد ذلك «درب التبانة» (1969، «The Milky Way»)، شديد التعقيد، رحلة غريبة لمتشردين يواجهان جميع بدع الدين الكاثوليكي على طول الطريق. إنهما شخصيتان من عصور مختلفة ومواقف استثنائية، تمثلان كتالوج ما تسميه الكنيسة الخطيئة والانحلال الأخلاقي.

أما في «سحر البرجوازية الخفّي»، (1972، «The Discreet Charm of The Bourgeoise»)، يُظهر بونويل نفسه كفنان متماسك، تطوّر تعامله مع السوريالية السينمائية يبدو مُصقولًا هنا، مع الخبرة اللازمة لسرد قصة واحدة في الشكل، ولكنها مختلفة في الجوهر من دون قيود، ليأتي بعده «شبح الحرية» (1974، «The Phantom of Liberty»)، العبثي، الغريب، الكافكاوي، السادي المازوخي وبالطبع السوريالي. الفيلم يتألف من حوادث وحكايات جمعها بونويل بنفسه طوال حياته. إنها مجموعة من صور أزعجته منذ طفولته، حتى بلوغه الرابعة والسبعين، وهو عمره وقت تصويره. نظرًا لمحتواه الساخر والمستفز، يختلف الفيلم عن الفترة المكسيكية وصعوباتها الاقتصادية والرقابة الإسبانية المتزمتة. بونويل وهو الآن مخرج مشهور ومحترم، ليس لديه ما يثبته، يستمتع بتصوير المواضيع التي تشغله أكثر في شيخوخته. ولا شكَّ في أنّ فيلم «ذلك الشيء الغامض للرغبة» (1977، «That Obscure Object of Desire»)، هو أطرف أفلامه وأكثرها إثارة للغضب، وهو أيضاً الفيلم الذي اختتم به مسيرته السينمائية الرائعة.

أشهر علاقة صداقة وعمل كانت لبونويل هي مع كاتب السيناريو جان كلود كاريير الساحر السوريالي. اجتمعا للمرة الأولى في «مهرجان كان السينمائي» عام 1963، عندما كان بونويل يبحث عن كاتب سيناريو للمشاركة في كتابة فيلم «يوميات خادمة». كانت العلاقة بين الاثنين فورية، على الرغم من فارق العمر بينهما (32 عامًا). استمر العمل بينهما حتى وفاة بونويل. علاقة أنتجت ستة أفلام («جميلة النهار»، «درب التبانة»، «سحر البرجوازية الخفي»، «شبح الحرية»، «هذا الشيء الغامض للرغبة»). اعتبر كاريير بونويل مدرّساً. وعلى مدى سنوات عديدة، كان يسأل كلّما واجهه تحدّ ما: «ماذا كان سيفعل بونويل؟».

كان كاريير يتفاخر بعلاقته ببونويل. قال مرة: «كنا دائمًا بمفردنا في مكان بعيد، غالبًا في المكسيك أو إسبانيا، نتحدث الفرنسية أو الإسبانية، بدون أصدقاء، بدون نساء، بدون زوجات. إطلاقًا لا أحد في الجوار، فقط نحن الاثنين، نتناول الطعام معًا، والعمل معًا، والشرب معًا للاستحواذ تمامًا على النص الذي نعمل عليه. أكلنا معًا نحن الاثنين فقط أكثر من 2000 مرة، أكثر بكثير من أيّ زوجين».
جمع الاثنين النبيذُ الجيد، والطعام الجيد والسوريالية وحب الحشرات. خلال هذه الفترة، كتب بونويل مذكراته «أنفاسي الأخيرة»، التي كانت ثمرة حوارات مقابلات لا حصر لها مع كاريير. يعدّ الكتاب جوهرة أدبية تُدخل القارئ إلى العالم والإبداعي والشخصي لعبقري مثل بونويل. كُتب الكتاب بين إسبانيا والمكسيك، وهو عبارة عن رواية لبونويل يروي فيها حكايات لا تُحصى من حياته وتصويره، بينما يستمع كاريير ويدون ملاحظاته، مما يجعله وثيقةً أساسية لعشاق السينما.
اتسمّت حياة بونويل بالتمرد، والسخرية من أقدس التقاليد. هو نفسه يؤكد أن الدين والأمة والأسرة والثقافة مؤسسات منافقة وغير أخلاقية. وعمله بأكمله هو رد فعل ضد هذه المؤسسات نفسها. بداية مسيرته السينمائية كانت في عصر الحركات الاجتماعية والثقافية الكبرى. وليس من قبيل المصادفة أن نجد فنانين سعوا إلى تجديد المفاهيم الكلاسيكية للفنّ. كان العصر الذهبي لولادة السينما وترسيخها كشكل فنّي، ساعيًا إلى مكانته بين أشكال التعبير الراسخة، كالموسيقى والرسم والأدب، ومحقّقًا مكانة متميزة فيها. عصر الإبداع والقوة في عقول فناني النصف الأول من القرن العشرين، الذين وجدوا أنفسهم بين صراعين سيغيران العالم إلى الأبد، ولن يخرج الفنّ منهما سالمًا.
اقرأ أيضا: الشرارات الأولى.. بداية الرحلة مع بيرغمان