كثيرة هي الصفات السيئة التي لازمتني على مرّ السنين، مثل: متصنّع، ومتكبّر، ومعقّد، بل حتى عاجز عن الاستمتاع بفيلم «طبيعي»، لقد ارتبطت بي بشكل شبه دائم، فقط لأنني لم أكتفِ يومًا بمشاهدة السينما، بل كنت أعيشها.
كنت أظن أن حبّ السينما أمرٌ بسيط، ومشترك، وفطري. لكن سريعًا ما اكتشفت أن هناك حدودًا غير مرئية تفصل بين من يشاهد الفيلم، ومن يُفكّك الصورة بحثاً عن ما وراءها؛ بين من ينتظر بداية القصة، ومن يُفتتن باللقطة الافتتاحية حتى قبل أن يُقال أي شيء.
تدرّجت الاتهامات تباعًا. بدأ الأمر بسؤال بسيط: «لماذا لا تحب الأفلام العادية؟» ثم تبعته نظرات استغراب، قبل أن يُلقى الحُكم الحاسم: «آه، أنت من هؤلاء إذن!»، أعترف هنا، نعم! توقفت عن الجدال، وأعلنتها: «أنا سينيفيلي».

فيلم «L’Avventura»
تثير كلمة «سينيفيلي»، شيئًا ما في نفوس الناس؛ للبعض تستحضر صالات السينما القديمة ذات الستائر المخملية، وتحليل لقطات فيلم المغامرة «L’Avventura» إطارًا بإطار. وبالنسبة لآخرين فهي ترسم صورة كاريكاتورية تتمحور حول رجل يرفض مشاهدة أي فيلم أُنتج بعد عام 1975 ما لم يكن بالأبيض والأسود وباللغة الهنغارية. وإذا سبق لك أن تلقيت نظرة ساخرة حين قلت لأحدهم إنك شاهدت فيلم «الإمبراطورية Empire» لآندي وارهول ليلة الخميس بمحض إرادتك، فأنت تفهم تمامًا ما الذي أعنيه.
تعلّمت ألّا أذكر روي أندرسون على مائدة العشاء. ولا لازلو نيميش في موعد عاطفي، وأنني إذا اعترفت ببكائي حين شاهدت فيلم «المرآة The Mirror» لتاركوفسكي فهذا سيتطلب شرحًا طويلًا قبل أن يُصدّقني أحد، بل أن اقتباسًا من هيتشكوك قد يجعلني أبدو كمن يحاول إثبات أنه مثقّف سينمائي في حين أن الجميع يعلم أنه لم يُقبل حتى في أي مدرسة سينما. لكنني تعلّمت أيضًا أن حب السينما، الحب الحقيقي، يعني أن يُساء فَهمك أحيانًا. لأن العشق السينمائي ليس مجرد ذوق. إنه طبع، أو حالة، أو ربما قُل إيمان.

فيلم: «Umberto D.»
لم أختر هذا الطريق أبدًا. لم أستيقظ ذات يوم لأُقرر أن «أومبرتو دي Umberto D.» لفيتوريو دي سيكا، هو أكثر تأثيرًا من أي فيلم حاز جائزة الأوسكار خلال السنوات الأخيرة. لم أكن أبحث عن التفرّد حين أعدت مشاهدة الدقائق العشر الأخيرة من فيلم «الليلة La Notte» لمايكل أنجلو أنطونيوني، أربع مرات فقط لأفهم كيف يمكن لصمت أن يتحوّل إلى صرخة.
ولا أظنني أفضل من غيري لأنني وجدت معنى في فيلم بولندي مدّته ثلاث ساعات لا يحدث فيه شيء مثل فيلم «مصحة الساعة الرملية The «Hourglass Sanatorium. لقد وجدت المعنى هناك، وهذا كل ما في الأمر.
عشت فترة طويلة مع التعليقات التي تبدأ بالتلميحات الخبيثة ثم بابتسامة قبل أن تنتهي بحكم نهائي: «هل تستمتع فعلًا بهذه الأفلام، أم أنك تعاقب نفسك؟» أو من نمط «أراهن أنك تكره المتعة.»
لكنني أستمتع مثلًا بمشاهدة مونيكا فيتي وهي تائهة في صحارى أنطونيوني العاطفية -بالله عليكم، منذا الذي لا يستمتع برؤية هذه الأيقونة على الشاشة؟-. أنا أستمتع أيضًا بفك شيفرات تجديف غودار، وملاحقة ظلال هوشياوشين. وبالانتظار؛ ذلك الانتظار الجليل حتى تُكمل كاميرا أنجيلو بولوس رقصتها البطيئة في الزمن.
لكن دعوني أوضح هنا؛ السينيفيليون ليسوا متكبّرين، هم فقط باحثون.
نحن من نؤمن بأن لقطة قريبة ليدٍ مرتجفة أقوى من أي تشظّي درامي عاطفي، وبأن الصمت أبلغ من ألف حوار. وأن الفيلم لا يحتاج إلى أن يقدم إجابات كي يكون فيلمًا لا يُنسى.
ما لا يدركه البعض هو أننا لا نطارد الصعوبة، بل العمق. السينما، بالنسبة لنا، ليست مجرد وسيلة ترفيه. إنها لغة، وككل لغة، تتطلب تعلّمًا و إنصاتًا، ومحاولةً للفهم؛ حتى حين يعجز الفهم. نستخدم أحيانًا كلمات مثل «إليبتكي»، و«دييجيتيك»، و«ميتاسنمائي» دون أن يكون لدينا حاجة لنُبهر أحدًا، بل ببساطة لأن كلمات كهذه أصبحت جزءًا من لغتنا اليومية.
ولأننا اعتدنا أن نقرأ العالم من خلال ما يظهر على الشاشة، لا كما هو، بل كما يرتدّ في وعينا، كما في أسطورة كهف أفلاطون، حيث لا يرى البشر الحقيقة نفسها، بل ظلالها المنعكسة على جدار الكهف، كانت هذه اللحظة التي يتم فيها استحضار السينما لتكون ذلك الجدار؛ لكنها جدار حيّ، يتحرّك بإيقاع 24 إطارًا في الثانية. ليست كوهمٍ يُضلّل؛ بل كمرآة تُقربنا من الحقيقة حين تعجز الحقيقة عن أن تنطق بنفسها.

فيلم «the mirror»
كنت قد سمعت لمرات كثيرة أن هذا الشغف يُشعِر الناس بالغرابة، وأن عليّ أن «أنزل إلى الأرض». لكنني لم أشعر يومًا بأنني أكثر إنسانية مما أشعر به وأنا أشاهد فيلمًا يجرؤ على النظر إلى الحياة دون تزييف؛ فيلمٌ لا يتجمّل، مشحونٌ بالتوتّر ويكشف الحياة كما هي.ذلك النوع من الأفلام الذي لا يمنحك المعنى، بل يتحدّاك لتبحث عنه بنفسك.
نعم، أنا سينيفيلي، وهذا ليس اعتذارًا بل هو إعلان.
السينيفيلي في قفص الاتهام
لنواجه الأمر. هناك تهم تُوجَّه إلينا، نظرات تُرمى شذرًا حين نذكر أننا شاهدنا فيلم ساتانتانغو Satantango مرتين.
الاتهام الأول: أنت لا تعتبر أفلام الأكشن والأفلام ذات القصص الواضحة ذات الحبكات المباشرة سينما حقيقية.
لكن كلمة «حقيقية» هنا لا تعني الواقعية، بل تعني المتعارف عليه، والسهل، والمُسلّي، والمُجمَع عليه. أي أنها تعني عادة الفيلم الذي يُشاهد في نهاية الأسبوع وينتهي بنغمة موسيقية ملحمية. تعني ما يمكنك الحديث عنه يوم الأحد مع زملائك في المكتب دون أن تضطر لتفسير معنى «بنية سردية دائرية».
ويبدو أن مجرد عدم اهتمامي بموعد صدور الجزء المقبل من «Fast & Furious» يعني أنني خارج اللعبة.
وإذا لم أُظهر حماسة لفيلم لا يفعل سوى إعادة تدوير نسخة قديمة نُسيت لسبب وجيه، أُتَّهم مباشرة بالغرور واحتقار ذوق الآخرين. وإن قلت، بلطف، إنني أفضل مشاهدة دراما إيرانية عن الانهيار الاقتصادي بعين طفل، يُقال إنني أتعمد التعقيد.

فيلم «The Son»
لكنني لا أفعل ذلك أبدًا .صدقوني. الأمر مختلف عما تعتقدونه. كل ما في الأمر أن هناك شيء ما يتغير فيك عندما تشاهد أثر الانهيار النفسي في فيلم «الابن The Son» للأخوين داردين، أو تشعر بالاختناق في فيلم «القارة السابعة The Seventh Continent» لمايكل هانِكه، فحينها تدرك أن السينما قادرة على الجَرح، وعلى الهمس.على عكس أشياء كنت تجهل وجودها في داخلك.
لكننا لسنا متزمّتين.لا نعيش على نظام غذائي من الكآبة والوجودية الغربية. لقد ضحكت، والله ضحكت من القلب مع شارلي شابلن، وجاك تاتي، وحتى في لحظات السخرية السوداء عند المودوفار. لسنا ضد الترفيه. نحن فقط ضد تسطيح السينما وتحويلها إلى قالب واحد، نغمة واحدة، ومفهوم تجاري واحد لما «يجب» أن يكون عليه الفيلم.
الاتهام الثاني: كل ما في الأمر أنك ترغب في أن تبدو مثقفًا.
أعتقد أننا التَقينا جميعنا بهذا النوع من الأشخاص الذي يذكر اسم بيلا تار قبل البدء بشرب القهوة. قابلنا ذلك الذي يعتبر اللقطة «فتحًا بصريًا»، لمجرد أن سكورسيزي أثنى عليها بكلمة عابرة، هذا الذي يمكن أن يطلق عليه ببساطة السينيفيلي الاستعراضي.هذا الذي يتعامل مع السينما كطريقة لتوثيق تاريخه الشخصي مع الأفلام، لا كتجربة يعيشها بجسده ومشاعره.لكن معظمنا ليس كذلك.

فيلم «Persona»
نحن لم نشاهد فيلم «بيرسونا Persona» من باب التباهي أو الاقتباس الثقافي، بل لأننا شعرنا بشيء حقيقي فيه. شاهدناه لأن شيئًا حقيقيًا بدا في منطقه المجنون، ولأن الصمت بين المرأتين في ذلك الفيلم كان أبلغ من أي حوار، و لأنني شعرتُ أن بيبي أندرسون نظرت إليّ شخصيًا حين نظرت إلى الكاميرا.
أنا لا أحاول إثارة الإعجاب. أتحدث عن أوزو لأنني أجد السلام في سكونه. أذكر نوري بيلج جيلان لأن شخصياته، وإن بدت هادئة، تمور داخلها عواصف لا تُرى. أستحضر بازوليني ليس لأستفز أحدًا، بل لأن تناقضاته هي ذاتها تناقضاتي.
لا أستخدم كلمات مثل «الأسلوب الشكلي» أو «البنية غير الخطية» لأبدو مثقفًا أو كنوع من الإستعراض، بل لأنني أحتاج هذه اللغة كي أفهم ما أشعر به بعد مشاهدة فيلم لا يقدم أجوبة، لكنه يترك كل شيء داخلي مضطربًا. قد تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لشرح لماذا أبكاني فيلم لم يذرف فيه أحد دمعة.

فيلم «La Jetée»
الاتهام الثالث: أنت تكره المتعة.
لا، نحن لا نكره المتعة. لكننا نطلبها بطريقتنا. فالمتعة، بالنسبة إلينا، لا تعني أن ننسى أنفسنا، بل أن نجد أنفسنا وسط الفيلم.لا تعني الهروب من الواقع، بل الغرق في واقعٍ آخر قد يكون أكثر صدقًا من يومنا العادي. المتعة أن تجلس في صمت أربع ساعات مع لاف دياز وتنسى الزمن. أن تكتشف فيلمًا مجريًا من الستينات يلامس تلك الأفكار التي ظننتَ أنك وحدك من يشعر بها. أن تعيد مشاهدة فيلم «الرصيف La Jetée» وتندهش، ليس فقط من الحزن، بل من دقة ذلك الحزن. هو شغف فيه ندوب. متعة لا تُمنَح بسهولة، بل تُنتزع.
نجد المتعة في التلميح، وفي الغموض.لا نحتاج إلى نكتة بل نحتاج إلى الصمت.لا نبحث عن انفجار شعوري بل نبحث عن تأمل داخلي. نريد أن نفكر، وأن نشعر، وأن نعود إلى مشاهدة الفيلم بعد أسبوع لنكتشف أنه لا يزال يعيش فينا. ونحن نضحك فرحًا فعلًا عندما نجد فيلمًا لا يخاف أن يختلف، ولا يخجل من غرابته، ولا يحاول استرضاء جمهور لا يعنيه.
في مديح البطء، والغموض، والصدق المجرد
غالباً ما يُتَّهَم السينيفيليون بأنهم ينجذبون إلى الغموض لمجرّد الغموض. وكأن الواحد منا ينهض من سريره صباحًا متحمّسًا ليسأل نفسه: «يا ترى، ما هو أكثر فيلمٍ مملٍّ، وكئيبٍ، وغير قابل للفهم يمكنني أن أُعذّب به نفسي اليوم؟» كأننا نبدأ يومنا بالبحث عن أقسى اختبار صبر سينمائي، لا حبًا في الفن، بل رغبة في المعاناة الطوعية.

فيلم «Muriel, or The Time of Return»
دعوني أوضح شيئًا: نحن لا نبحث عن الأفلام الصعبة لأنها معقدة. بل نبحث عنها لأنها تتحدث بلغة نشتاق إلى فهمها. البعض وجد ذاته في الشعر، والبعض في الموسيقى. أما نحن، فوجدناها في الهوامش. في مكان لا تقصده الجماهير. لم ننتسب يومًا إلى ما يُسمى بـ«الذوق العام»، بل إلى تلك المناطق التي يعتبرها الآخرون زائدة عن الحاجة. نحن لسنا شهداء «السينما البطيئة»، بل نحن حُجّاج إليها.
يُقال عن هذه السينما أحيانًا إنها مملة. مثل تلك التي تمضي دقائقها في صمت طويل، أو تلك التي يتلعثم فيها الزمن كما في «مورييل، أو زمن العودة – Muriel, or The Time of Return»، حيث تضيع البطلة في التواريخ، ويتعثّر السرد كما لو أن الذاكرة تمشي على قدم مكسورة. لكن الملل هنا ليس عيبًا، بل مفتاحًا. الفيلم الذي يُنعَت بالرتابة لا يخمد، بل يتحدّاك أن تصغي حقًا، أن تتروّى، أن تنخرط بكامل حواسك عوض أن تنسحب. يصبح التكرار في هذا النوع من السينما احتجاجًا، ويصبح التشظي ذاكرة، وتتحول الصدمة إلى حب متنكّر.
أتذكّرجيدًا أنني لم أفهم فيلم تاركوفسكي «أندريه روبليف Andrei Rublev» في المرة الأولى التي شاهدته فيها؛ كان الإيقاع بطيئًا كما لو أن الزمن نفسه كان مترددًا، وكان الحوار متقطّعًا والبنية مفككة. وبالرغم من ذلك انفتح شيء ما في داخلي. شيء ما بين الوحل والنار والجرس. لم يكن شيئًا على المستوى الفكري، بل في عمق الشعور. صدق غريزي لا تفسير له. نحتاج أحيانًا إلى فيلم يكون مرآة أو صلاة أو جرح، وعندها، لا يبدو الصعب مستحيلًا، بل يبدو أكثر قربًا، وأشد حميمية.

فيلم «Au hasard Balthazar»
قال تاركوفسكي ذات مرة: “الفنّان موجود لأن العالم ليس كاملًا”. ولهذا السبب تحديدًا، لا تسعى هذه الأفلام إلى إرضائك، بل تدعوك إلى مجابهة هذا النقص، لا بالانفصال عنه، بل بالاقتراب منه عبر فيلم لا يهادن، ولا يساير، بل يطلب منك أن تلتزم؛ أي أن تبقى، وأن تصبر، وأن تمنح الفيلم من ذاتك بقدر ما يطلب هو أن يُفهم.أن تُنصت بإرادة، لا بدافع العادة. حينها تفتح لك السينما أبوابًا لا يُفتح لك مثلها في أي تجربة أخرى.
شعرت مثلًا في المرة الأولى حين شاهدت بالتزار بالصدفة Au Hasard Balthazar، بعاطفة جارفة نحو ذلك الحمار أكثر مما شعرت نحو معظم الشخصيات البشرية في الأفلام الأخرى. حزنت عليه، لا لأن بريسون أرادني أن أفعل، بل لأنه رفض أن يدفعني نحو مثل هذا الشعور.أعطاني مساحة لكي أشعر. لم يفرض عليّ شيئًا. وثق بي.ووهنا تكمن عظمة الغامض المقدّس؛ أنه يثق بك.
وحين أقول «مقدّس»، فلا أقصد المجاز. بل أعنيها تمامًا. كانت بعض هذه الأفلام بالنسبة إلينا أقرب إلى طقوس تأملية عميقة. ترك صمت الراهب في فيلم كارل دراير، في داخلي أثرًا أكثر صدقًا من كثير من الخطب التي أُلقيت لتُقنع، لا لتلمس القلب. لامس «الضوء الشتوي Winter light» لبيرغمان، بفهمه الحزين للشكّ، ما لم تلامسه كتب الفلسفة. أما الصور الضبابية في أفلام ألكسندر سوكوروف، فقد شعرتُ فيها بروحٍ تتكلم، بلغة غير منطوقة؛ كأنك تقرأ دعاءً لا تُدرِك معانيه كلها. وبالرغم من صمتها وغموضها فإنك تشعر أنها قادمة من مكان صادق وعميق.
لا أحب هذه الأفلام لأنها «كاملة». بل أحبها لأنها تصارع. لأنها متناقضة، ولأنها تتحدث بالصمت، وبالظل.
ونعم، تكون هذه الأفلام أحيانًا مرهقة، ومملة، وبطيئة. لكنها تشبه الحياة. تشبه الحزن، وتشبه الشفاء. وإذا قُيض للسينما أن تكون أكثر من مجرد مهرب، فعليها أن يُسمح لها بأن تكون بطيئة، وأن تكون صعبة أحيانًا. لذلك، لا أشاهد هذه الأفلام للتفاخر. أشاهدها لأنها تطاردني. لأنها تبقى داخلي أطول من أي شيء آخر.لأنها تُذكرني أن الفيلم، حين يكون في أقصى حالاته جمالية، ليس منتجًا نستهلكه. بل سؤال نحمله معنا.

فيلم The Rules of the Game
اعترافات لا تهمّ أحدًا (سوى أمثالنا)
يبدو العشق السينمائي، كما نمارسه نحن السينيفيليون كأنه نوع من الطقوس الغريبة أحيانًا. فنحن الوحيدون الذين نهرع وما أن ينتهي الفيلم الذي نشاهده للبحث عن أول فيلم قصير أخرجه هذا المخرج و لو كان الفيلم قد صوره بكاميرا موبايل على ضوء مطبخ مثلًا. نحن الوحيدون الذين نملك ثلاث نسخ من فيلم «قواعد اللعبة The Rules of the Game» من إصدار Criterion Collection، لا لشيء، بل لأن الغلاف تغيّر فيه الخط بين إصدار وآخر. نقول عن الصورة إنها «منضبطة شكليًا» بدلًا من أن نقول ببساطة «أن التصوير كان رائعًا». نستخدم مصطلحات مثل «انهيار سردي» في أحاديثنا اليومية، ثم نستغرب لماذا لا يهتم الناس بما نقول.
لذلك دعوني أعترف، بلا خجل وأن أحتفي بالمشاكل التي فينا، وأتصالح مع تلك الكليشيهات التي نمشي بها على قدمين، ومنها:
المادة الأولى: إن وُجدت في الفيلم لقطة لشخص يحدّق في الحائط لأكثر من دقيقتين، فهو بلا شك تحفة فنية.
المادة الثانية: إن لم يتكلم البطل حتى الثلث الأخير من الفيلم، فالأرجح أنه فيلم فرنسي.
المادة الثالثة: نحن نثق بحركة الكاميرا البطيئة أكثر مما نثق بخطاب سياسي.
المادة الرابعة: إذا انتهى الفيلم بلقطة لضباب، أو شجرة، أو نافذة مفتوحة، فهذه لحظة روحانية لا تزعجنا.
المادة الخامسة: نعم، سنعيد مشاهدة «أتذكر Amarcord» كل عام. لن نشرحه لأن ذلك يُفسد المعنى.

فيلم «Holy Motors»
أما المشكلات التي نواجهها و تزعجنا فيمكن أن نذكر مثلًا:
- أن نوصي بمشاهدة كريستوف كيشلوفسكي ويأتي الجواب: «آه، تحب أفلام التحقيقات البولندية؟»
- أن تذهب في موعد غرامي وتقول: «إن فيلمي المفضل هو الموتورات المقدسة Holy Motors»، فيكون هذا موعدك الغرامي الأخير.
- أن تحاول شرح لماذا فيلم جان ديلمان« Jeanne Dielman» هو فيلم مشوّق، ثم تجد نفسك تتحدث عن البطاطا -مشهد تقشير البطاطا الطويل في المطبخ هو أحد أشهر لقطات الفيلم-.
- أن يدمّرك نفسيًا فيلم مجري من الستينات عن عمّال الفحم، ثم تدرك أنك لا تملك أحدًا لتشاركه هذا الشعور.
- أن تشعر بفرح حقيقي حين يقول لك صديق: نعم لقد شاهدت فيلم «قصة طوكيو Tokyo Story»، وأعتقد أنني فهمته.
نعقّد الأمور أحيانًا أكثر من اللازم، فنعيد نفس مشهد من فيلم لفيكتور إريسه لخمس مرات و ذلك لنشعر بـ«الإيقاع الداخلي»، ونأخذ وقتًا أطول من اللازم لنجيب على سؤال بسيط: «ما هو أكثر فيلم تحبه؟»
لكن، وخلف كل هذا التكلّف والجدّية، هناك حب. حبّ عميق و صادق. حبّ للصورة وللمونتاج وللحظة التي تسبق الكلمة. نحن لا نشاهد الأفلام فقط، وإنما نُنقّب فيها كما ينقب ناسكٌ في مخطوطة عتيقة تحت ضوء شمعة، بدهشة وبهوس. برغبة حقيقية في فهم كيف يمكن لشيء ساكن أن يكون حيًا بهذا الشكل.

فيلم «Tokyo Story»
حين تصبح الصورة وطنًا
لا يشبه الانتماء إلى السينما الانتماء إلى نوع من الفن لأنه ببساطة شكل من أشكال العيش.
العشق السينمائي ليس تفضيلًا جماليًا، بل هو استعداد دائم لرؤية العالم بعيون مختلفة. هو تمرين مستمر على الإصغاء، وعلى منح التفاصيل الصغيرة ما تستحقه من الانتباه. فيصبح مشهد عابر في محطة قطار، أو لقطة صامتة ليد ترتجف، أو نظرة لا تكتمل، كلها لحظات تكتسب معناها حين يُعاد النظر إليها بعين سينمائية.
يتعلّم من يشاهد الأفلام البطيئة أن يعيش ببطء، أولئك الذين يحتملون الصمت في المشهد، يحتملون الصمت في الحياة. يدرك من يتأمّل في اللقطة الثابتة، أن المعنى ليس في الحدث بالضرورة، بل أحيانًا في ما لا يُقال. تدرّب هذه السينما الحواس على ما هو أبعد من المتعة. تدرب على نوعٍ من الحساسية تجاه الزمن، وتجاه الإيماءة، وتجاه الإيقاع الخفي للعالم.
وفي هذا، تصبح السينما أكثر من وسيلة للفرجة؛ تصبح مدرسة شعورية. تعلمك أن تستقبل التناقض، وأن تتصالح مع اللامكتمل، وأن تقف في وجه السرعة والإجابات السهلة، وأن لا تعتبر الصمت فراغًا، بل احتمالًا.
لا يبحث السينيفيليون عن الإجماع، بل عن الصدق. لا ينجذبون إلى الضوء فقط، بل إلى الظل الذي يصنعه. ولا يتبعون الذوق العام، بل يتبعون الإحساس الذي لا يُفسَّر بسهولة.
قد لا يجدون أنفسهم في الأحاديث عن أفلام الـ Box Office ، لكنهم يحملون في داخلهم مكتبة من المشاهد التي صنعت وعيهم ورافقتهم بصمتٍ عبر مراحل الحياة. نسجت السينما، بين مشهدٍ وآخر، علاقتهم بالعالم بخيوطٍ من التأمّل؛ فأصبح الزمن يمشي على مهل، والرؤية تنفذ بشكل أعمق، وأصبحت النظرة إلى الوجود أكثر رأفة واحتواء.لا يُختزل السينيفيلي في تفضيل أسماء مخرجين أو مدارس فنية، بل هو شخص قد قرر بوعي انحيازاً وجودياً لنمط معين من الرؤية ومن الإصغاء، ومن التفاعل مع الزمن.هو إذاً أسلوب حياة وليس مجرّد ذائقة.
بيان من الذين لا يزالون يؤمنون
لأكون واضحّا.
هذا ليس اعتذارًا عن كوني سينيفيليًا، وليس محاولة لتبرير ذوقي، أو لتقديم الأفلام التي أحبها في قالب أكثر «قابلية للهضم». لا أحاول أن أقول إن الأفلام البطيئة «مسلّية بطريقتها»، ولا أن مشاهدة تروفو يمكن أن تُقارب، بأي منطق أو تأويل، تجربة مشاهدة فيلم تجاري. الأمر ببساطة ليس كذلك.
هذا مانفيستو السينيفيلي. إعلان هادئ، بلا ادعاء، من شخص جعل من السينما جزءًا من طريقته في فهم العالم. ليس حبًّا في النخبوية، ولا انسحابًا من الواقع، بل إيمانًا بأن هناك فنًا لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يفتح أسئلة حقيقية. فنٌ لا يُلهي، بل يُصغي.لا يسرّع، بل يُبطئ.لا يجمّل، بل يُعرّي.
نحن، السينيفيليون لسنا حُرّاس ذائقة سينمائية ما، ولسنا جماعة منعزلة تتحدث بلغة لا يفهمها الآخرون. نحن فقط نملك حساسية مختلفة تجاه الصورة، وتجاه الزمن، وتجاه الإنسان في لحظاته الأضعف والأكثر صدقّا.
نحن لا نشاهد الأفلام لنصاب بالدهشة فقط، بل لنفكر.لا لننسى، بل لنتذكّر.لا لنُصفّق، بل لننصت. وغالبًا ما يُساء فَهمنا ، فيُقال إننا معقّدون، ونستخدم لغة صعبة، ونحب أفلامًا «لا تُشاهد». لكن خلف ذلك التعقيد الظاهري، هناك بساطة. هناك رغبة عميقة في الفهم، وفي الاتصال والتواصل،وفي الصدق.
«السينيفيلية» ليست حالة مزاجية، ولا مجرد تفضيل ثقافي. إنه التزام بنوع مختلف من الرؤية ومن الحس، ومن الإيقاع. إنه نوع من الحضور.من الإقامة الطويلة في المشهد.
«السينيفيلية» ليست حنينًا، بل إيمانًا، إيمان بأن صورة واحدة، إن صمدت بما يكفي، قد تنجو من ذوق السوق. بأن الصمت قد ينطق. بأن مشهدًا واحدّا قد يوقظ ما عجزت الكلمات عن لمسه. نعم، نتألم. نعيد المشاهدة. نصمد. ونسمي ذلك فرحًا. لأن الفرح الحقيقي لا يدللك، بل ينحتك.
لذا، في كل مرة يُقال فيها: «من يشاهد هذه الأفلام، الطويلة أو الصامتة أو المُعقّدة؟» سيكون هناك إجابة بسيطة هي «المانيفستو السينيفيلي»:
نحن من نُحبها.
نحن الذين نجد أنفسنا فيها.
ما زلنا هنا.
نراها، ونشعر بها.
ولن نغادر، لأن هذا العشق يسكننا.
لأن السينما لا تزال وهي في أقصى درجاتها صدقًا وعنادًا، لا تزال الفن الأكثر حميمية، والأكثر قدرة على لمس ما لا يُقال.
وبعضنا ما زال يؤمن بها. كما آمن بها أول مرة.
اقرأ أيضا: «المخطط الفينيقي».. ويس أندرسون في مفترق طرق