عندما فاز فيلم «لا أرض أخرى» بجائزة أفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز الأوسكار مطلع سنة 2025، بدا للحظة أن هناك شيئاً تغيّر. كان الفيلم قد انتشر على نطاق واسع في أوروبا، وحظي بدعم موزّعين بعد عرضه في مهرجان برلين في شباط/فبراير 2024. ولكن بمجرد أن عبر الفيلم المحيط الأطلسي، اتّضحت حدود التقدير الرمزي. لم تُسهم أعلى جائزة في هوليوود، والتي تُعتبر غالباً جواز سفر للانتشار العالمي، في تأمين موزّع أميركي للفيلم.
«لم تتوافق رواية الفيلم، على ما يبدو، مع الرواية التي أرادت منصّات البث الأميركية الكبرى الترويج لها»، قالها باسل عدرا، أحد مخرجي الفيلم. وهي عبارة تكشف عن البنية الخفية للرقابة التي تُحدّد أيّ الحقائق السياسية يُسمح لها بالانتشار وأيّها تُحجب. كشفت رحلة الفيلم عن تناقض جوهري في صميم منظومة السينما العالمية: إذ يمكن الاحتفاء بعمل ما باعتباره «مهماً» أو «عاجلاً» أو «ضرورياً»، ومع ذلك يُحرَم من البنية التحتية الأساسية التي تسمح بعرضه. ومع ذلك، ورغم العقبات والجهد المطلوب لمجرّد التواجد في السوق، فإن الدافع لصنع أفلام من وعن فلسطين لم يستمر فحسب، بل ازداد حدّة. كلّ عمل جديد لا يظهر كفيلم فحسب، بل كفعل إصرار ثقافي.

منذ بداية عام 2025 إلى اليوم، تغيّر المشهد جذرياً. لم يعد حضور السينما الفلسطينية على الساحة الدولية مجرد مشاركة رمزية أو ظهوراً متقطعاً، بل تحوّل إلى اندفاعة قوية كسرت حدود التهميش وجعلت تجاهلها أمراً مستحيلاً. فما كان مهمّشاً في المشهد السينمائي العالمي، احتل فجأة مركز الصدارة، حاصداً الإشادة والجوائز والاهتمام النقدي المتواصل. وقد نقلت الأفلام الفلسطينية، بالتعاون مع مخرجين عالميين، الجماهير إلى عوالم عاطفية وسياسية لطالما تجنّبتها السينما السائدة. يشير هذا أيضاً إلى تحوّل دقيق، لكنه لا يُنكَر، داخل هوليوود وصناعة السينما السائدة عموماً، تغذّيه موجة من الاعتراف العالمي بالرواية العربية، ولا سيما الاهتمام المتجدّد بالسردية الفلسطينية بعد عامين من العدوان الإسرائيلي المدمّر على غزّة. ما كان يُتداول في السابق بشكل أساسي في أوساط الناشطين، وعلى هامش المهرجانات، وفي دور العرض، بات الآن يشقّ طريقه إلى صلب الحوار المؤسسي.
بحلول نهاية سنة 2025، كانت ثلاثة أفلام من وعن فلسطين قد شقّت طريقها إلى القائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولي، في إنجاز كان من المستحيل تخيّله قبل عقد واحد فقط. قد يبدو ظهور ثلاثة أفلام فلسطينية لمخرجات عربيات وكأنه مصادفة، لكنه في الحقيقة يعكس لحظة أعمق من مجرد تزامن سياسي عابر. نعم، المناخ العالمي اليوم يجعل هذه الأعمال أكثر إلحاحاً وأكثر قابلية للظهور، ولا شك أن ما حدث ويحدث في غزّة لعب دوراً في دفع هذه الأفلام إلى الواجهة. وربما، لولا غزّة، لما رأيناها كلها في القائمة القصيرة بهذا الشكل. ومع ذلك، يبقى جوهر المسألة أن هذه الأفلام تستحق مكانها لأنها ببساطة أفلام جيدة، متقنة، وواضحة في رؤيتها الفنية والسياسية. لكن حتى مع الاعتراف بقيمتها الفنية، تبقى الرمزية أكبر من أن تُهمَل: وجود ثلاثة أفلام فلسطينية في هذه اللحظة من التاريخ، وبعد إبادة جماعية، يمنح هذا التزامن جزءاً من معركة الذاكرة والسرد والاعتراف.

من بين الأفلام الثلاثة المرشّحة، يواجه الفيلم التونسي أهوال اللحظة الراهنة بواقعية مُفجعة، بينما يتجه الفيلمان الآخران نحو الماضي لاستكشاف جذور العنف والاحتلال الذي لا يزال يشكّل الحياة الفلسطينية. يُعدّ فيلم «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية أحد أكثر الأفلام التي نوقشت هذا العام، مثالاً حيّاً على هذا التحوّل. فيلم «فلسطين 36» للفلسطينية آن ماري جاسر، بدوره، هو دراما ملحمية تدور أحداثها خلال الثورة العربية الكبرى (1936–1939)، ليكون أحد أهم المشاريع السينمائية الفلسطينية في الذاكرة الحديثة. أما فيلم «اللّي باقي منّك» للفلسطينية الأميركية شيرين دعيبس، فيحكي قصة عائلة حمّاد عبر أربعة مفاصل زمنية: النكبة عام 1948، والأعوام 1978، 1988، و2022، ويستعيد الذاكرة الفلسطينية عبر ملحمة تمتد على ثلاثة أجيال. «اللّي باقي منّك» ليس محاولة لعرض ما فُقد، بل فعل استرجاع لما سُرق، واستعادة لحقّ السرد نفسه. فالسردية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد حكاية تُروى، بل معركة مستمرة لاستعادة ما انتُزع: بالصورة، بالصوت، بالقصيدة، بالهتاف، وبالسينما التي تتحوّل هنا إلى أداة مقاومة معرفية. لا تقدّم دعيبس حكاية خطّية، بل تستدعي ذاكرة متشظّية، معلّقة بين الأزمنة، تتداخل فيها طبقات الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية. صنعت دعيبس فيلماً طموحاً وشجاعاً، خصوصًا الغربي الذي ما زال يتعثّر في فهم تعقيدات فلسطين.

مع ذلك، لم يقتصر عام 2025 على المآسي فقط. قدّم فيلم «كان يا مكان في غزّة» للأخوين عرب وطرازان ناصر أسلوباً مختلفاً جذرياً، مُزجت فيه الفكاهة السوداء وواقع غزّة سنة 2007. في المقابل، تبنّى الفيلم القصير «أنا سعيد لأنك ميت الآن» لتوفيق برهوم أسلوباً بسيطاً، فهو دراما خانقة تدور أحداثها داخل غرفة واحدة فقط، وفاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان لأفضل فيلم قصير. في المهرجان نفسه أيضاً، عُرض فيلم «ضع روحك على يدك وامشِ» للمخرجة الإيرانية سبيدة فارسي. يصوّر الفيلم الحياة اليومية في غزّة أثناء الحرب، من خلال سلسلة مكالمات الفيديو التي أجرتها فارسي مع الشابة الفلسطينية فاطمة حسونة، المصوّرة التي كانت تقيم في شمال غزّة. بعد يومين فقط من إعلان عرض الفيلم في مهرجان كان، صدر إعلان يُخبرنا باستشهاد حسونة، البالغة من العمر 25 عاماً. أما «مع حسن في غزّة» لكمال الجعفري، فقد بدأ مع العثور على ثلاثة شرائط فيديو توثق الحياة في غزّة عام 2001، لتبدأ القصة بالبحث عن زميل سابق في السجن من سنة 1989، ثم تحولت إلى رحلة غير متوقعة من شمال غزّة إلى جنوبها برفقة حسن، مرشد محلّي لا يزال مصيره مجهولاً.

أما في الفيلم القصير «مهدّد بالانقراض» للمخرج الفلسطيني سعيد زاغة، تقود جراحة فلسطينية سيارتها عائدةً إلى منزلها بعد نوبة عمل ليلية طويلة، لكنها لا تعلم أن رحلةً عبر طريقٍ مهجور في الضفة الغربية ستغير حياتها إلى الأبد. تدور أحداث الفيلم في ليلة واحدة، وقصته ولدت كما قال المخرج من قصص حقيقة وسؤال ملحّ، وبينما كان يكافح للتأقلم مع حملة متواصلة من التطهير العرقي والإبادة الجماعية، شعر بضرورة تقديم رد سينمائي على نظام مبني على طبقات من الظلم والمعايير المزدوجة.
لا شك أن الإبادة الجماعية في غزّة قد زادت من إلحاح هذه الأعمال، لكن لا ينبغي الخلط بين بروزها اليوم وبين صحوة مفاجئة. لطالما وثّق صانعو الأفلام الحياة الفلسطينية، والمقاومة، والتهجير لعقود، ودون أي دعم هيكلي يُذكر. ولكن عندما تبدأ المؤسسات الكبرى بالاعتراف بهذه الأعمال، سواء من خلال الجوائز، أو مكانتها في المهرجانات، أو تسليط الضوء عليها نقدياً، تكتسب هذه القصص زخماً ثقافياً من نوع مختلف. فهي تصل إلى جماهير لم يُطلب منها من قبل مواجهة هذه الحقائق، وتكشف عن الانقسامات السياسية التي تُحدّد أيّ صور لفلسطين يُسمح بتداولها وأيّها تُقمع.
قد لا تمحو لحظة الاعتراف هذه تاريخاً طويلاً من التهميش، ولا تضمن تحوّلاً مستداماً. لكن هذا يشير إلى مستوى جديد من الإلحاح السياسي: شعور بأن السينما الفلسطينية لم تعد مجرد توثيق للنضال، بل تتدخل بفعالية في اقتصاد السرد العالمي. وهذا بدوره يثير تساؤلات أوسع حول مسؤوليات المؤسسات الثقافية، وحدود التضامن الرمزي، وكيف تُصبح السينما ساحة معركة للسرد الجيوسياسي.
اقرأ أيضا: حصاد السينما السعودية 2025… قراءة في الأرقام والجمهور ومسار السوق المحلّية