فاصلة

مقالات

هل نحن فعلًا نعاني أزمة كتّاب؟

Reading Time: 5 minutes

«أزمة كتّاب». جملة تتردَّد منذ سنوات في صناعة السينما السعودية، حتى كادت تصبح بديهية لا تحتاج إلى برهان. يتعثَّر فيلم، يخرج عمل مرتبكًا، أو تضيع القصة في منتصف الطريق، فيتّجه الاتهام مباشرة إلى الجهة الأسهل: ليس لدينا كتّاب جيدون.

لكن قبل التسليم بهذه الإجابة الجاهزة، علينا أن نحدّد أولًا ما الذي نعنيه بـ«أزمة كتّاب». هل عدد الكتّاب لدينا قليل؟ أم أنّ النصوص تفتقر إلى العمق؟ أم أنّ الأزمة تكمن أساسًا في الطريق الذي يسلكه الكاتب للوصول إلى الصناعة؟

المشهد السينمائي السعودي اليوم لا يُشبه ما كان عليه قبل سنوات. ثمة جيل شاب يدرس الإخراج والإنتاج والتمثيل والكتابة، وساحة باتت أكثر تنوّعًا، فيما أخذ السيناريو مساحة أوسع في النقاش النقدي، وازداد حضور الكاتب إلى جانب المخرج في صناعة الفيلم.

ولم يولد هذا الاهتمام بالسيناريو حديثًا أو مصادفة. ففي عام 2008، خصَّص «مهرجان أفلام السعودية» جائزة مستقلّة لأفضل سيناريو غير منفّذ، في خطوة مبكرة كرّست الاعتراف بالسيناريو على أنه العمود الفقري للعمل السينمائي.

 افتتاح دور السينما في السعودية 2018
افتتاح دور السينما في السعودية 2018

ثم جاءت عودة السينما إلى صالات العرض رسميًا، فتضاعفت الورشات والمعامل والبرامج المخصّصة لتطوير الكتابة السينمائية. ولم تعد المسألة تقتصر على ورشة يتعلّم فيها الشخص كيف يكتب؛ ظهرت برامج تبحث عن المواهب، وتعمل على تطوير النصوص، وترافق الكاتب في مراحل مختلفة من الكتابة.

لنأخذ، على سبيل المثال، برنامج كتابة السيناريو الذي قدّمته «مؤسّسة مسك» بالشراكة مع «هيئة الأفلام». كان البرنامج انتقائيًا؛ يخضع المتقدّمون لعملية تقييم، وتقديمات كتابية، ومقابلات، قبل قبول عدد محدود من الكتّاب لتطوير سيناريوهاتهم خلال البرنامج.

ولا تتوقّف هذه الجهود عند الورشات. فـ«معامل البحر الأحمر»، التي تعمل مع صنّاع الأفلام والكتّاب والخبراء، ترافق تطوير المشاريع منذ الفكرة الأولى وحتى مراحل الإنتاج، وتتيح، في الوقت نفسه، مساحات للتواصل مع المنتجين والممولين والموزعين وأطراف الصناعة. ويأتي ذلك بالتوازي مع ما يقدّمه «مهرجان أفلام السعودية» من معامل تركز على الحبكة والبنية وإعادة الكتابة، ولا تكتفي بالتأسيس النظري.

لا يعني ذلك بالضرورة أنّ كل مَن يدخل هذه البرامج يصبح كاتبًا مكتملًا، أو أنّ كلّ نص يخرج منها سيتحوّل إلى فيلم ناجح. لكنه يؤكد أمرًا مهمًا: لدينا مواهب يجري اكتشافها واختيارها وتطويرها.

لذلك، لا أظن أنّ السؤال اليوم يجب أن يقتصر على: هل لدينا كتّاب جيدون؟ الأجدى أن نسأل: إذا كان لدينا كتّاب جيدون، فأين هم؟ وإذا كانت لدينا شركات إنتاج تبحث عن مشاريع وكتّاب، فكيف يلتقي الطرفان؟

هل توجد قنوات واضحة تصل من خلالها شركات الإنتاج إلى المواهب التي خرجت من هذه البرامج؟ ومَن يقرأ النصوص ويقيّم الكتّاب؟ وهل يُقيَّم الكاتب بناءً على قدرته الكتابية، أم على مدى توافقه مع مشروع إنتاجي موجود في تلك اللحظة؟

بالتأكيد، لدى المنتج حسابات أخرى بطبيعة الحال؛ هناك الميزانية، والجمهور، والمنصة، والنوع السينمائي، وفرص التسويق والعائد. وهذه كلّها حسابات طبيعية في صناعة السينما، ولا يمكن تجاهلها والتركيز على جودة الكاتب وحدها.

لكن إذا كان المنتج محاطًا بكلّ هذه الالتزامات والمسؤوليات، فمن يركّز على اختيار الكاتب؟

يقودنا هذا السؤال إلى أهمية إدارة المواهب داخل شركات الإنتاج، وتحديدًا دور مستقطب المواهب. ولا يكفي أن نعرف أين توجد المواهب؛ نحتاج إلى مَن يعرف كيف يبحث عنها، وكيف يقرأ ما تكتبه، وكيف يقيّمها، وكيف يتعامل معها.

وقد بدأت بعض الجهات السعودية فعلًا في بناء هذا النوع من العلاقة، فهناك شركات ومبادرات أنشأت مساحات أو أقسامًا لاستقطاب المواهب وتطويرها وربطها بالإنتاج. لكننا على الأرجح بحاجة إلى النظر إلى إدارة المواهب باعتبارها أكثر من مجرّد عملية توظيف.

فكاتب السيناريو ليس بالضرورة موظفًا يبحث عن وظيفة، يؤدي فيها مهمة محدّدة ثم يغادر. هو صاحب حرفة وصوت، وقد يحتاج إلى طرف يفهم أولًا ما يستطيع تقديمه، قبل أن يقرّر ما الذي سيطلبه منه.

فنحن قد نعرف كيف نستقطب الموهبة، لكن هل نعرف كيف نديرها؟

الطريقة التي نخاطب بها الموهوب تؤثّر في ما سيقدّمه لنا. حين نخاطب الكاتب وكأنه موظف ينتظر قائمة مَهمّات، قد نحصل منه على تنفيذ المهمة لا أكثر. أما حين نتعامل معه على أنه شريك في الصنعة، ونفهم صوته وقدراته، فقد نكتشف معه ما هو أبعد مما كنا نبحث عنه أصلًا.

وحتى لو عثرنا على الكاتب المناسب، لا أعتقد أن العثور عليه ينهي المشكلة. فهناك سؤال مهم: ماذا يحدث بعد أن يلتقي الطرفان؟

يحتاج الكاتب إلى وقت للكتابة وتطوير النصّ، وتحتاج الشركة في المقابل إلى معرفة ما الذي سيقدّمه لها، وما الذي يحقّ لها طلبه منه، ومتى ينتهي العمل المتّفق عليه.

صناعة السيناريو أوسع من تسليم ملفّ في موعد محدّد؛ إنها رحلة يعيشها الكاتب، ويقضي وقتًا طويلًا بين الفكرة والنصّ؛ يبحث، ويجرّب، ويناقش، ويُعيد الكتابة، وأحيانًا يعود إلى نقطة الصفر بعدما يكتشف أن الطريق الذي سلكه لا يخدم قصته.

بعض المشاريع يتطلّب أشهرًا، وبعضها الآخر يمتدّ سنوات حتى تكتمل ملامحه. وطول المدّة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في قدرة الكاتب أو في رحلته؛ فبعض النصوص تحتاج فعلًا إلى الوقت حتى تنضج.

فهل تمنحنا الصناعة هذه المرونة، وتسمح للنص بأن يأخذ الوقت الذي يحتاج إليه؟ وهل تتعامل مع هذا الوقت على أنه عمل له قيمة؟

وهنا نصل إلى منتصف الأزمة: كيف تنظر شركات الإنتاج إلى كاتب السيناريو؟

في إحدى تجاربي، جرى التواصل معي لكتابة فيلم، وتزويدي بكافة التفاصيل التي سأبني عليها القصة. وافقتُ، لأنني رأيت في الأمر تحدّيًا حقيقيًا لقدرتي على الكتابة ومواءمة الفكرة بالشكل الذي يريده المشروع.

لكن كلّ شيء تغيّر حين وصلني العقد. وجدتُ فيه طلباتهم، والمبلغ المالي، وذكر اسمي في الشارة، وموعد التسليم.

حسنًا، أين بقية التفاصيل التي تحدّد علاقتي بالمشروع؟

ماذا يحدث إذا طلبت الشركة تعديلات إضافية؟ كم جولة من التعديلات تدخل ضمن الاتفاق؟ مَن يملك حق طلب التعديل؟ ماذا يحدث إذا تغيّرت رؤية المشروع في منتصف الطريق؟ ماذا لو احتاج الكاتب إلى وقت إضافي؟ وإذا قرّرت الشركة فجأة تجميد المشروع أو إلغاءه، فما مصير النصّ؟ هذه الأسئلة، في رأيي، ليست ترفًا قانونيًا، بل جزء من طبيعة العمل نفسه.

وحين شاركتُ ملاحظاتي على العقد أكثر من مرة، جرى إقصائي واستبدالي بكاتب آخر. لم تكن مشكلتي الحقيقية في بنود العقد وحدها، وإنما في النظرة إلى الكاتب؛ كأنه آلة إنتاج تُعطى أمرًا فتُخرج سيناريو.

حتى وإن لم يكن صاحب الفكرة، فهو لا يحوّلها إلى كلمات مكتوبة على الورق فحسب؛ بل يشارك في بناء العالم، وخلق الشخصيات، وصناعة السرد الذي يمنح الفكرة حياة.

لذا، يجدر بنا أن نسأل: هل البيئة التي تستقبل الكاتب مهيأة حقًا لاحتوائه؟ وهل تكفيه الوعود الشفهية ومسمّى وظيفي مبهم، نظير أشهر أو سنوات من الجهد الإبداعي؟

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة «فرصة». متى تكون بابًا يدخل منه الكاتب إلى الصناعة، ومتى تتحوّل إلى وسيلة للحصول على موهبته ووقته وجهده من دون مقابل حقيقي وواضح؟

هذا لا يعني أنّ كلّ مشروع يستطيع أن يقدّم الشروط ذاتها، أو أن كل كاتب يجب أن يحصل على نسبة ثابتة من أرباح الفيلم. فلكلّ مشروع ظروفه وعلاقته التعاقدية المختلفة؛ المهم أن تكون طبيعة العلاقة واضحة بين الطرفين.

وحين نتأمّل تجارب سينمائية عريقة نظّمت هذه العلاقة، مثل نقابة الكتّاب في أميركا، نجد أن الكتابة لم تُترك بالكامل للعلاقات الشخصية أو التفاهمات الشفهية، بل رُسم لها إطار مهني وتعاقدي واضح ينظّم جوانب متعدّدة من هذه العلاقة، بدءًا من الأجور ومراحل الكتابة، وصولًا إلى الاعتمادات وبعض الحقوق وشكل العمل والتعاون بين الكاتب والمنتج.

الغاية ليست نسخ نموذج غربي كما هو، فلكلّ صناعة سياقها وظروفها، وإنما إدراك قيمة إرساء إطار مهني وتعاقدي يضبط مراحل العمل ويحفظ حقوق الطرفين.

والمعضلة أعمق من مجرّد البحث عن موهبة. فهذه التجربة تضعنا أمام سؤال أساسي: ماذا يحدث عندما نتعامل مع كتابة السيناريو على أنها مهنة لها مراحل وأجر وحقوق، لا مجرّد موهبة يمكن استدعاؤها عند الحاجة؟

في رأيي، لا يبدأ الأمر بالكاتب ولا ينتهي عنده. يبدأ بمعرفة أين توجد المواهب، وكيف نصل إليها ونختارها بذكاء، ثم نوفر لها إدارة تعرف كيف تتعامل معها، وبيئة مهنية تساعدها على تطوير مشاريعها.

عندها تتّسع المساحة أمام مزيد من الكتّاب والقصص، ويتّسع معها تنوّع الأنواع السينمائية التي تصل إلى شاشاتنا. وهذا بدوره يخلق منافسة أكبر بين الأعمال وشركات الإنتاج، لا على عدد التذاكر المباعة فحسب، وإنما على قدرة كلّ عمل على جذب الجمهور بقصته وشخصياته وصوته.

والجمهور السعودي بطبيعته مطّلع ومحبّ للسينما، يتابع ما يحدث حول العالم، وتتطوّر ذائقته مع اتّساع ما يشاهده. ومع اتّساع المنافسة محلّيًا، قد تصبح لدينا أعمال أكثر قدرة على الوصول إلى المحافل الدولية، وتمثيل السينما السعودية بأصوات وقصص مختلفة.

لذلك، لم يعد السؤال الجوهري ما إذا كان لدينا كتّاب جيدون أم لا. السؤال الأهم هو: إذا كان هؤلاء الكتّاب موجودين، فهل صناعتنا السينمائية مستعدّة حقًا للعثور عليهم، واختيارهم، وإدارة مواهبهم، ومنحهم البيئة التي تتيح لأصواتهم أن تصل إلى الشاشة؟

اقرأ أيضا: 2026… لماذا تعطَّل إنتاج الأفلام السعودية؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق