فاصلة

مقالات

الناقد والمنقود… هل كل رأي في فيلم يُعد نقدًا؟

Reading Time: 5 minutes

حتى هذه اللحظة، يصعب قياس ما إذا كان طريق المعلومات السريع قد منحنا أكثر مما أخذ. من جهة، أصبح الوصول إلى وجهات نظر وشخصيات ومناطق مختلفة أسهل مما كان يمكن تخيّله. ومن جهة أخرى، يبقى السؤال معلقاً: هل أتاح لنا الإنترنت فعلاً مساحة لحوار محترم ومثمر، أم أنه عمّق اختلافاتنا وشتّت أصواتنا؟

الحرية تسود، أو هكذا يبدو. الجميع يكتب، في الوقت ذاته، عن كل شيء. التعددية حاضرة، لكن الأصوات تتلاشى في بحر من النصوص التي تغمر بعضها بعضاً. نعم، كسبنا الكثير، لكن النقّاد فقدوا تلك الهالة الغامضة التي كانت تمنحهم سلطة الرؤية. أولئك الذين رأوا أولاً، رأوا أكثر، رأوا بشكل أفضل.

في زمن كانت فيه نوافذ الجمهور محدودة، كان للنقّاد سلطة حقيقية. كانوا المصدر الأساسي للرأي، المرشد الوحيد في فضاء معلوماتي شحيح. اليوم، تغيّرت قواعد اللعبة. أصبح النقد أكثر ديمقراطيةً، وتعددت الأصوات، لكن هذا التعدد جاء على حساب التمايز. اختُزل الخطاب النقدي إلى نسب وتقييمات، بينما باتت المنصات الرقمية والمؤثرون يشكّلون المزاج الجماهيري، غالباً عبر محتوى ترويجي.

يحاول النقّاد التأقلم، يتبنون الوسائط المتعددة، ينخرطون في نقاشات آنية، لكنهم يواجهون صعوبة في الحفاظ على نفوذهم وسط طوفان من الآراء السريعة. الحدود بين النقد والترويج تلاشت، وصار من الصعب التمييز بين من يحلل ومن يروّج. النقد لا يزال يُمارس، لكنه لم يعد مهنة بالمعنى التقليدي. قلّة فقط تعتاش منه، مما يجعلها أكثر عرضة للانخراط في شبكات الدعاية. ومع صعود المؤثرين والمدونين، أصبح النقد مزيجاً غير متجانس، وتداخلت الخطوط بين من يكتب ليحلّل، ومن يكتب ليُعجب.

الفرق الجوهري، كما أراه، يكمن في من يقوم بالتقييم، وكيف يتم ذلك. فالنقد عادةً ما يُكتب من قبل شخص لديه خبرة في المجال، ينظر إلى العمل بعدسة نقدية، ويهدف إلى تقديم ملاحظات تستند إلى المعرفة والتجربة. النقد أكثر تحليلاً. أما المراجعة، فعادةً ما يكتبها شخص غير متخصص. المراجعات تميل إلى أن تكون أكثر ذاتية، أكثر عاطفية، وغالباً ما تنتهي بحكم عام: تقييم، درجة، أو إشارة إعجاب أو رفض.

اليوم، نحن محاطون بالمراجعات في كل مكان، من وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات البث إلى أقسام التعليقات. ورغم أن ديمقراطية الرأي لها قيمتها، إلا أننا بحاجة إلى الحذر. علينا أن نُميّز ليس فقط من يكتب، بل كيف يكتب. وفي مجال السينما، تصبح هذه التفرقة أكثر إلحاحاً. بعض المقالات ضعيفة جدًا، وبعضها مليء بالأخطاء المعلوماتية. وهذا لا يحدث فقط على وسائل التواصل، بل أيضاً على منصات سينمائية ومجلات تدّعي المصداقية. وهذا أمر غير جيد للسينما، وغير جيد للقراء.

من حق الجميع أن يعبّروا عن رأيهم في فيلم، على وسائل التواصل، في الحوارات، في أي مكان. لكن عندما يتعلق الأمر بمنصات ومجلات سينمائية، فالمسؤولية أكبر. الناس يثقون بها. يعتمدون عليها لفهم السياق، وللحصول على معلومات دقيقة. وإذا كان الشخص الذي يكتب عن السينما يفتقر إلى المعرفة أو التدريب أو الدقة، فبصراحة، لا يجب أن يُمنح المنصة. لأن فقدان المصداقية يضعف الحوار، ويضعف الثقافة في نهاية المطاف

النقد الحقيقي ليس نصيحة استهلاكية، بل فن واسع النطاق. الإنترنت أتاح فرصاً، لكنه أيضاً مكّن الأصوات الصاخبة من الهيمنة. لذلك، لا بد من العودة إلى جوهر النقد.

The Shawshank Redemption (1994)
The Shawshank Redemption (1994)

النقد فنٌ قديم، ضارب في جذور الحكاية. منذ أن بدأ البشر يروون القصص، كان هناك من يكتبون عنها، يقيّمونها، يمنحون الآخرين أدوات للفهم. تغير شكل السرد منذ أرسطو، وتغير النقد معه. اليوم، يختلط الأمر على كثيرين بين الناقد والمراجع. المراجع يتحدث من موقع شخصي، أما الناقد فيسائل العمل ضمن سياقه الفني والثقافي. كما تحتاج العلوم إلى مدققين، والاقتصاد إلى مراقبين، يحتاج الفن إلى نقّاد. هؤلاء يشكّلون ثقلًا موازناً أمام طغيان التسويق، ويضمنون أن يبقى الفنّ خاضعاً للمساءلة.

Cinema Paradiso (1988)
Cinema Paradiso (1988)

الناس يذهبون إلى السينما لأسباب متعددة، للهروب، للتأمل، للضحك، للبكاء. الناقد يذهب ليضمن أن تُحترم كل تلك الأسباب، أن يُصان التعدد، أن يُسائل الفيلم لا فقط على ما يقدمه، بل على كيف ولماذا يقدمه.

إدراكنا للعالم مرتبط بتجاربنا. نحن نرى ما نعرفه، ونفهم ما اختبرناه. كل فيلم نشاهده يضيف تجربة، يوسّع مخططاً معرفياً، يخلق مرجعاً جديداً. السينما تمنحنا تجارب غير مباشرة، لكنها قادرة على إعادة تشكيل وعينا. إنها تطيل إدراكنا، تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.

لا توجد جزيرة سينمائية معزولة. كل فيلم هو ابن لحظته، ظروف إنتاجه، والسوق الذي يُعرض فيه. يعيد النقد الفيلم إلى سياقه، يفككه، يمنع تحوّله إلى سلعة صامتة. يمكننا أن نحكم على فيلم بأنه جيد أو رديء وفق معايير محددة، لكن هذا لا يعني أننا سنحب دائماً الفيلم الجيد أو نرفض الرديء. الذائقة شيء، والمعيار شيء آخر. من شاهد كثيراً، ودرس، وكتب، لديه أدوات أعمق للحديث. لكن هذا لا يلغي صوت الآخرين. كلنا نستطيع أن نكون نقاداً، الفرق أن الناقد يكرّس حياته لهذا الفعل.

في بحر من الأفلام والنصوص، حيث يبدو بناء المعنى مهمة شبه مستحيلة، يصبح النقد مساحة للربط. بين الفيلم والمشاهد، بين الفيلم وأفلام أخرى، بين الفيلم وزمنه. في مناخ سينمائي هش، يُكمل النقد الدائرة، يفتح قنوات اتصال، يمنح السينما صوتاً حين يخفت صوتها.

النقد فنٌ، يعيش بين الصحافة واليوميات، بين الأكاديمية والخيال، بين القوائم التقنية والانطباعات. واليوم، وقد علق في شبكة الإنترنت، يُطارَد من كل الجهات: من حملات دعائية متنكرة، من محتوى سطحي، من أخلاقيات مُعلّبة، من الأكاديمية المتصلبة، من المعجبين الذين يظنون أنفسهم خبراء. لا شيء أفضل، كل شيء يتكرر. ومع ذلك، نكتب.

Cinema Paradiso (1988)
Cinema Paradiso (1988)

النقد يعلمنا، أن نشك، أن نحبّ. قيمته ليست في حججه، بل في لغته. النص الذي يُنشر أقل أهمية من الرحلة التي قادت إليه. النقد أثرٌ لحوار داخلي، صراعٌ مع الكلمات، محاولةٌ لفهم ما يحدث مع هذا الشيء الذي نسميه سينما. لا يهم إن ضاع النص في زحمة الإنترنت. لا نكتب لنكتشف حقائق عظيمة، بل لنفتح حواراً، لحظةً من التلاقي مع السينما، مع الآخرين، مع أنفسنا.

الناقد لا يكتب لأنه يظن ّنفسه أفضل، أو أذكى، أو أحق بالحكم. يكتب لأنه يحب السينما. وربما يكره فيلماً لأنه يشعر أنه لا ينصف ما يمكن أن تكون عليه السينما. النقد شغف. تعبير عن الذات، عن موقف، عن صوت يتحدى المؤسسات من الداخل. بناءٌ للذات، لصوتٍ يُخاطر، يُفسّر، يُعبّر عن أيديولوجيته وتجربته.

النقد سمح بقراءة التحولات الجمالية والتقنية والمفاهيمية في السينما، وجعلها مفهومة ومقروءة. ولهذا، نحن بحاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى. في زمن التحولات السمعية البصرية، في زمن ما بعد السينما، في زمن الحروب، نحتاج إلى من يُسمّي، من يُفسّر، من يمنح المعنى. رولان بارت علّمنا أن النقد ليس تفسيراً، بل خلقٌ للمعنى، بناءٌ لوجهة نظر تُشرعن اجتماعياً وتفتح باب النقاش.

في عالم يزداد تجانساً بفعل الصناعات الثقافية، ويخضع لدكتاتورية الذات، يُحافظ النقد على الرغبة في مخاطبة العالم من مسافة تفسيرية. وهذا ما يجعل النقد ضرورياً في عالم مأزوم، يحتاج إلى مترجمين.

النقد يُجبرنا على إعادة التفكير في السينما، زعزعة اليقينيات، وتخيّل العوالم القادمة. ولعل مهنة النقد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ضرورية لبناء التفسيرات، لفهم العالم، لإثارة النقاش، وللتأكيد في زمن الالتباس.

اقرأ أيضا: التسويق السينمائي… الحلقة المفقودة في الفيلم السعودي

شارك هذا المنشور