فاصلة

مقالات

من المتعة إلى السلطة… حين صارت النظرة أيديولوجيا

Reading Time: 4 minutes

لم يكن دخول الأفلام الإباحية إلى الصالات الرئيسية في أواخر الستينات وبداية السبعينات حدثًا هامشيًا، فقد شكَّل زلزالًا ثقافيًا هزّ فكرة الرقابة ذاتها. وفي أعمال مثل «Blue Movie» عام (1969) لأندي وارهول و«Deep Throat» عام  (1972)، صار الجسد والرغبة موضوعَيْن علنيَيْن، مما اضطر المحكمة العليا الأميركية عام 1973 إلى صياغة معيار قانوني يسمح بعرض المواد الصريحة شرط أن تمتلك «قيمة فنية». لم يكن هذا الانفتاح المفاجئ موجةً تجاريةً فقط، وإنما نقطة انعطاف معرفية دفعت المجتمع إلى مواجهة أسئلة جذرية مثل: مَن يملك حق تمثيل الجسد؟ وما حدود المتعة حين تتحول إلى سلعةً؟

Deep Throat (1972)
Deep Throat (1972)

في ظلّ هذا الانفجار البصري – الجنسي، دخلت الحركة النسوية في الثمانينات صراعًا داخليًا حادًا عُرف لاحقًا بـ«حروب الجنس النسوية». رأت بعض الناشطات في الإباحية تكريسًا للهيمنة الذكورية وإلحاقًا للضرر بالنساء، فيما دافع تيار آخر عن حرّية التعبير الجنسي بوصفها شكلًا من أشكال التحرّر. لم يكن الجدل أخلاقيًا فقط، فقد زعزع الأُسس التي يقوم عليها التصوير السينمائي نفسه.

في هذا السياق الاضطرابي، جاءت مساهمة لورا ملفي عام 1975 عبر مقالها الشهير «المتعة البصرية والسينما السردية». لم تتناول ملفي الإباحية مباشرةً، بل ذهبت إلى عمق بنية المتعة ذاتها، وكشفت أنّ السينما السائدة، لا سيما في نظام هوليوود الكلاسيكي، ليست آلة تصوير محايدة، بل جهاز إنتاج لنظرة ذكورية راسخة تخدم اللاوعي الذكوري. الكاميرا، هنا، عين رجلٍ يتلصّص.

ترى ملفي أنّ العملية السينمائية تقوم على بنية صارمة: الرجل في موقع الفاعل وصانع المعنى الذي يحرّك السرد، والمرأة في موقع السلبي، حاملةً المعنى لا مُنتِجته. يُقسَّم جسدها عبر اللقطات القريبة وحركة الكاميرا المتفحصة، فتُجرَّد من كليتها الإنسانية وتتحول إلى «وثنًا» (Fetish) يُستخدم لتهدئة «قلق الإخصاء» العميق لدى المُشاهد الذكر، وفق التحليل النفسي الفرويدي الذي تعتمد عليه ملفي.

بهذا المعنى، تُقسَم المتعة السينمائية ثنائيًا بين فاعل/ذكر وسلبي/أنثى داخل عالم محكوم باختلال توازن جنسي، تُسقط فيه النظرة الذكورية خيالها على الشكل الأنثوي الذي يُعاد تشكيله وفق مقاسها. وهو ما يوضح كيف عملت الرقابة تاريخيًا على هيئة استراتيجية للحفاظ على النظام الاجتماعي الأبوي. فالمَشاهد الجريئة، في هذا السياق، لا تمثّل تحريرًا للمرأة ولا احتفاءً بجمالها، بل تمثّل تكريسًا لشيئيتها ووظيفتها التزيينية.

يمكن تسمية هذا بالفيتيشية الملازمة للصورة فور دخولها سوق التداول بوصفها سلعةً، إذ يُعامَل الجسد مادةً مرئيةً قابلةً للاستهلاك، لا ذاتًا إنسانيةً متكاملةً. من هنا، لا يمكن فصل المتعة البصرية عن السياق الأيديولوجي الذي ينتجها ويمنحها شرعيتها أو يسحبها منها.

غير أنّ أطروحة لورا ملفي، رغم أهميتها التأسيسية، تفترض جهازًا سينمائيًا مغلقًا، ونظرةً مستقرةً، ومتفرّجًا مأسورًا داخل منطق العرض التقليدي. وهي افتراضات لم تعد صالحةً بالكامل في زمن المنصات الرقمية، إذ لم تعد المتعة تُنتج داخل الكادر وحده، وإنما ضمن شبكة معقّدة من التفاوض الأخلاقي والاقتصادي والخوارزمي. فالجسد اليوم لا يُشيَّأ فقط بوصفه موضوعًا للنظر، بل يُدار ويُقيَّم ويُعاد تأويله بعد العرض أكثر مما يُقرأ خلاله.

تنتقل السيطرة من عين الكاميرا إلى شروط الإنتاج، ومن المخرج إلى البروتوكول، ومن اللقطة إلى سلسلة ردود الفعل الاجتماعية التي تلاحق الصورة وتعيد تحميلها بمعانٍ عقابيةً أو تبريريةً. لا تختفي السلطة التي وصفتها ملفي، بل تتبدل أشكالها. لم تعد النظرة ذكوريةً خالصةً، وإنما موزَّعة بين السوق والمنصة والجمهور والمؤسّسة، في نظام بصري لا يُنتج المتعة فقط، بل يدير شرعيتها وحدودها. هكذا، لم يعد المشهد الحميمي المعاصر موقعًا للمتعة البصرية وحدها، بل ساحة تفاوض على الوكالة والتمثيل وحق الجسد في أن يكون ذاتًا.

إذا كانت ملفي قد كشفت الآليات البنيوية للنظرة الذكورية، فإن نتائج هذه البنية ظهرت بوضوح في مستوى التمثيل داخل الكادر. لم يقتصر الأمر على المرأة. فقد احتفظت السينما الكلاسيكية أيضًا بشخصية «المخنّث» (Sissy) بوصفها جسدًا منزوع الرغبة، خاليًا من الحميمية، مَهمّته تعزيز رجولة البطل عبر التباين. لم يُسمح لهذه الشخصية أن ترغب أو تُرغَب، بل كانت وجودًا وظيفيًا يرسّخ الهرمية الجندرية.

حتى حين ظهرت المرأة شخصيةً قويةً وخطرةً، كما في نموذج «المرأة المغوية» في أفلام النوار، كانت تحمل كل دلالات كلمة Fatal؛ إذ ينزلق المعنى من الفتك إلى الجنس سلاحًا. وغالبًا ما يكون مصيرها العقاب أو التدجين، وكأنّ السرد يعاقبها رمزًا على امتلاكها رغبةً مستقلةً. هكذا غذَّت السينما خطابات ثقافية محافظة تُشيطن المرأة ذات الرغبة وتضعها خارج «النساء المحترمات».

لم تكن صورة الـVamp بريئةً بدورها؛ فالمرأة القاتلة يجب أن تنتمي إلى نموذج جمالي محدّد، بقوام منحوت وملامح مُستعارة من عالم المفترسات. صاغت السينما جسدًا «مقبولًا» للإغواء والفتك، وأقصت كلّ ما لا ينسجم مع معيارها المُختلق. من هنا، يمكن القول إنّ كثيرًا من «الجرأة» السينمائية لم تكن سوى استغلالًا مقنّعًا تحت غطاء الفنّ، يُعيد إنتاج علاقة قوة غير متكافئة بصريًا وسياسيًا.

يتقاطع هذا التحليل مع رؤية ميشيل فوكو، الذي يرى أنّ عرض الأفعال الخاصة على الملأ هو في ذاته شكل من أشكال الصراع على السلطة. فكلّ مُحرَّم يُكشَف يعيد تشكيل خطاب المجتمع حول الجنس. وعليه، فإنّ الإثارة الجنسية في السينما تهدم بقدر ما تبني، لأنّ ادعاء تمثيل «الجنس الحقيقي» هو تمثيل أيديولوجي محكوم بثنائية المباح والممنوع. الرؤية ليست حياديةً أبدًا؛ إظهار الجسد فعل أيديولوجي، والعلاقات البصرية داخل الكادر ترتبط دائمًا بالبنى الخطابية التي تنظّم فهم المجتمع للجنس.

من هنا، كان على السينما النسوية أن تبدأ بتفكيك هذه النظرة الاستحواذية، وخلق رؤية تجعل المرأة ذاتًا فاعلةً تمتلك رغباتها، وتدفع المشاهد إلى مُساءلة موقعه بوصفه متلصّصًا مريحًا. في المقابل، ظهرت «نظرات مضادّة» تسعى إلى تقديم الحميمية بوصفها علاقة تكافؤ وتبادلية، لا هيمنةً وتشييئًا.

Salò o le 120 giornate di Sodoma (1975)
Salò o le 120 giornate di Sodoma (1975)

اللافت أنّ أكثر تمثيلات الجنس إثارةً للجدل هي تلك التي تزعزع البنى الجندرية الهرمية الراسخة. ومع انفتاح السينما العالمية على تيارات الحداثة والثورة الجنسية، تحوَّل المشهد الحميمي من «تابو» أخلاقي إلى «سلاح» أيديولوجي. استخدم مخرجون راديكاليون في أوروبا، مثل بازوليني، الجسد والجنس أدواتٍ حادةً لنقد الفاشية والسلطة والرأسمالية الاستهلاكية.

لم يكن فيلمه المثير للجدل Salò, or the 120 Days of Sodom (1975) عملًا إباحيًا بالمعنى التقليدي، بل استعارة سادية ضخمة تهدف إلى صدم المشاهد لا إمتاعه، وإجباره على إدراك الوحشية الكامنة في السلطة المُطلقة التي تحول البشر أشياءً. وفي آسيا، قدَّم ناكاجيما أوشيما فيلم In the Realm of the Senses (1976) تجربةً في «الإيروتيكية السياسية»، لا الإثارة المجرّدة.

في هذه الأعمال، لم تعد الجرأة تهدف إلى الإمتاع التجاري، وإنما إلى خلق مسافة نقدية مع الجمهور. فحين تنزلق الجرأة إلى معادلة العرض التجاري دون مراهنة فكرية، تخبو فاعليتها. وهو ما لاحظه بازوليني حين قال إن «الجنس لم يعد يفرح»، بل تحوَّل «التزامًا اجتماعيًا» مملًا.

استخدمت الموجة الجديدة الفرنسية وأفلام أنطونيوني الجسد لتصوير الفراغ الوجودي والجمود العاطفي للبرجوازية الحديثة، لا للاحتفاء بالحبّ الرومانسي. صار الجسد العاري وسيلةً لقول ما تعجز الكلمات عن قوله. وإنما هذا الاستخدام المكثَّف للجسد كان يخفي تاريخًا مظلمًا من الاستغلال، حيث دُفع ثمن «الحقيقة الفنية» غالبًا من السلامة النفسية والجسدية للمؤدّين، خصوصًا النساء.

وهنا، لم يعد السؤال نظريًا فقط، إذ انتقل من مستوى التحليل إلى مستوى الجسد الحقيقي، مُمهّدًا للانتقال إلى فصل آخر أكثر قسوةً وواقعيةً.

اقرأ أيضا: سياسات الجسد… من «استغلال» برتولوتشي إلى «السينما النظيفة» العربية

شارك هذا المنشور