بعد جدل طويل أحاط بمؤتمر تقديم لجان تحكيم الدورة الثالثة والثمانين من «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي»، انعقد المؤتمر، الأربعاء، قبل ساعات من حفل الافتتاح، محمّلًا بأسئلة سياسية وفنية تجاوزت حدود البرنامج السينمائي نفسه، ولامست علاقة المهرجان بالواقع الراهن، ومعايير اختيار الأفلام، وتمثيل النساء في المسابقة الرسمية، ومستقبل الجمهور الشاب.
وتصدَّى لهذه الأسئلة مدير المهرجان ألبرتو باربيرا، إلى جانب رئيسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، الممثلة والمخرجة الأميركية ماغي جيلنهال، ورؤساء لجان التحكيم في المسابقات والأقسام الموازية. واتّسع النقاش ليشمل موقف المهرجان من اختيار الأفلام على أساس مواقفها السياسية، وما إذا كانت السينما مطالَبة باتخاذ موقف من الأزمات التي يعيشها العالم، فضلًا عن الجدل المتكرّر حول غياب المخرجات، وعودة الأجيال الجديدة إلى صالات السينما في عصر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي.

لجنة الشباب والأفلام المرمَّمة
كشف باربيرا خلال المؤتمر تفاصيل لجنة تحكيم الأفلام المرمَّمة، التي يخصص لها المهرجان لجنة مستقلّة، في تقليد يميّز «فينيسيا» عن كثير من المهرجانات الأخرى.
وأوضح أنّ اللجنة تضم 23 طالبًا وطالبة، وربما 24 وفق ما أشار إليه، من خرّيجي جامعات إيطالية مختلفة، يُشرف عليهم المخرج الإيطالي دانييلي فيكاري، لاختيار الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم مُرمَّم.
وتحدث فيكاري عن تجربته المرتَقبة مع أعضاء اللجنة، وهم مجموعة من الشباب سيجدون أنفسهم أمام أعمال لمخرجين كبار، أمثال إرنست لوبيتش وإيتوري سكولا.
وأوضح أنّ عمل اللجنة لم يبدأ بعد، لكنه يدير مدرسة للسينما ويتعامل يوميًا مع طلاب وشباب في أعمار صغيرة، ممّا يجعله قريبًا من الجيل الذي تحدَّث عنه باربيرا.
وأشار فيكاري إلى أنّ الأفلام الكلاسيكية شهدت، خلال جائحة كورونا وما بعدها، حضورًا لافتًا عبر المنصات، قبل أن تبدأ باستعادة موقعها داخل صالات السينما، معتبرًا أنّ هذا التحول يكشف عن علاقة جديدة بين الجمهور الشاب وتاريخ السينما.

وأوضح أنّ جيله نشأ في زمن كانت فيه صالة السينما تحتلّ موقعًا مركزيًا في الحياة الثقافية، في حين نشأ شباب اليوم في بيئة مختلفة تمامًا، أصبحت فيها الشاشة الشخصية والمنصات جزءًا من تجربتهم اليومية.
جيلنهال: كيف نتحدَّث عن الأفلام والعالم في حالة طوارئ؟
حضر السؤال السياسي منذ اللحظات الأولى للنقاش، عندما سُئلت جيلنهال عن تصريحات سابقة قالت فيها إنها أصبحت مخرجة يوم انتخاب دونالد ترمب، وعن مسؤولية السينما في مواجهة التفاوت الاجتماعي والسياسي، خصوصًا مع ابتعاد عدد من العاملين في هوليوود عن التعليق على القضايا الجيوسياسية.
وقالت إنّ السؤال الحقيقي بالنسبة إليها هو: كيف يمكن للسينمائيين أن يجتمعوا للحديث عن الأفلام فيما يعيش العالم حالة طوارئ؟
وربطت إجابتها بفكرة «التعاطف»، معتبرةً أنّ السينما تمنح الإنسان فرصة للعثور عليه في داخله، وأنه لا ينبغي منع أي مخرج من تناول موضوع معيّن، أو اعتبار قصة ما غير جديرة بأن تُروى.
وأوضحت أنّ السينما قادرة حتى على دفع الجمهور إلى الاستماع إلى قصص أشخاص فاسدين أو منحرفين، لا لتبرير أفعالهم، وإنما لفَهْم الطبيعة البشرية والتأمل في احتمال وجود جوانب مظلمة داخل كلّ إنسان.
وأكدت أنها جاءت إلى «فينيسيا» «بعقل منفتح وبدافع الفضول»، مضيفةً أن الأفلام، عندما تكون تعبيرًا صادقًا عن تجارب الآخرين، تصبح سياسية بصورة لا يمكن تفاديها، حتى وإن كانت في الوقت نفسه أشياء كثيرة أخرى.
هل يختار «فينيسيا» الأفلام سياسيًا؟
في المقابل، دافع باربيرا عن آلية اختيار أفلام المسابقة، نافيًا اعتماد المهرجان أيّ معيار سياسي مسبَق في عملية الاختيار.
وأوضح أن اختيار الأفلام يستغرق نحو تسعة أشهر كلّ عام، وربما أكثر، وأن القائمين عليه لا ينطلقون من أحكام مسبَقة تتعلّق بموضوع الفيلم أو موقفه السياسي.
وقال إنّ «جودة الفيلم» هي المعيار الأساسي والوحيد، وإنْ كان من الصعب تعريف الجودة بدقّة.
ووفق باربيرا، فإنّ ما يهم لجنة الاختيار هو قدرة المخرج على تحويل رؤيته إلى قصة وصور وفيلم متكامل، وتقديم الموضوع الذي اختاره بصورة مقنعة ومرضية، بصرف النظر عن طبيعته.
وأشار إلى أنّ المهرجان لا يعتبر أيّ موضوع اليوم أقل أهمية أو استحقاقًا للمعالجة، مؤكدًا أن كثرة الأفلام التي تتناول القضايا الراهنة هذا العام لا تأتي نتيجة سياسة اختيار مسبَقة، وإنما تعكس حساسية عدد كبير من المخرجين تجاه ما يحدث حولهم.
ورأى أنّ عددًا من صنّاع الأفلام اختاروا ألّا يحتموا بعوالم خيالية منفصلة عن الواقع، وأن يواجهوا، عوضًا عن ذلك، الأزمات والصراعات التي يعيشها العالم.
ومع ذلك، شدَّد على أن برنامج «فينيسيا» لا يقتصر على أفلام سياسية أو مرتبطة مباشرة بالأحداث الحالية، إذ يضمّ أيضًا أعمالًا عدّة لا تتصل بصورة مباشرة بالواقع الراهن.

جيلنهال: المشكلة بنيوية
انتقل النقاش بعد ذلك إلى إحدى أكثر القضايا إثارةً للجدل في الدورة الحالية: محدودية حضور المخرجات في المسابقة الرسمية.
وسُئلت جيلنهال عن شعورها وهي تترأس لجنة تحكيم مسابقة لا تشارك فيها سوى مخرجتين، وما إذا كان ذلك يعكس تراجعًا في حضور النساء خلف الكاميرا.
استهلّت إجابتها بسخرية، قائلةً إنّ الأمر ربما يعني أن «الرجال يصنعون أفلامًا أفضل من النساء»، قبل أن تنتقل سريعًا إلى الجدّية.
وأكدت أنّ ما يحدث يعكس «مشكلة بنيوية» داخل صناعة السينما، موضحةً أن حصول النساء على تمويل لإنتاج أفلامهن لا يزال أكثر صعوبةً.
ثم وسَّعت النقاش إلى مفهوم القيمة الفنّية، متسائلة: مَن يقرر ما هو جيد؟ ومَن يحدّد ما يستحق أن يُنظر إليه على أنه «فن رفيع»؟
ورأت جيلنهال أنّ اختلاف تجارب النساء في الحياة قد يدفعهنّ إلى تناول موضوعات واعتماد أساليب مختلفة، لكن هذه الموضوعات لا تحظى دائمًا بالجدّية الفنّية نفسها.
وأشارت إلى الحضور الكبير للنساء ضمن لجان المهرجان، وإلى المخرجات اللواتي وصفتهن بالاستثنائيات في لجنة التحكيم التي تترأسها، لكنها أقرَّت في الوقت نفسه بمشروعية السؤال عن أسباب انخفاض عدد المخرجات في المسابقة الرسمية.
«مَن يحدّد ما هو قيِّم؟»
وعاد السؤال إلى باربيرا: هل تُسهم المهرجانات الكبرى، بحكم موقعها في تحديد ما يُعد ذا قيمة فنّية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تهميش موضوعات أو أساليب ترتبط بتجارب النساء؟ فجدَّد مدير المهرجان نفيه وجود أيّ تحيّز من هذا النوع، مؤكدًا أن عملية الاختيار لا تستبعد فيلمًا بسبب الموضوع الذي يتناوله.
وشدّد على أن «فينيسيا» لا يضع قائمة بالموضوعات المقبولة أو المرفوضة، وأنّ الحكم النهائي يتعلق بكيفية صناعة الفيلم ومدى نجاح المخرج في تحقيق رؤيته.
وفي هذا السياق، اعتبر أنّ حضور الأفلام التي تتناول الحروب والأزمات والتحوّلات السياسية والاجتماعية هذا العام يعود أساسًا إلى أن صنّاع الأفلام أنفسهم يعيشون هذه اللحظة التاريخية، لا إلى رغبة المهرجان في فرض اتجاه سياسي على برنامجه.
جيلنهال: لم أرَ امرأة تعمل في الإخراج
عاد النقاش إلى مسيرة جيلنهال نفسها، بعدما سُئلت عن تجربتها في فيلم «Secretary»، والفنانين الذين أثّروا فيها خلال بداياتها، قبل أن ينتقل الحديث إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في شكل الفيلم الطويل.
وقالت إنها كانت في الثانية والعشرين تقريبًا عندما شاركت في «Secretary»، وإنها أمضت سنوات طويلة ممثلةً قبل أن تتّجه إلى الإخراج.
وأضافت أنها عندما تنظر اليوم إلى مسيرتها تشعر بأنها ربما كانت مخرجة في داخلها منذ البداية، لكنها لم ترَ حولها امرأة تعمل في الإخراج.
وأوضحت أنّ المخرجات كنّ موجودات بالفعل، لكنها، في سن السادسة عشرة عندما كانت تعيش في كاليفورنيا، لم تكن تعرف أسماء مخرجات مثل أنييس فاردا.
وعوضًا عن ذلك، تأثّرت بممثلات يمتلكن وجهة نظر فنّية واضحة، ويشاركن في صناعة الفيلم لا مؤديات فقط، وإنما شريكات في صياغة الحكاية. وذكرت من بينهن جينا رولاندز في أفلام زوجها جون كاسافيتس، وإلين بورستين، وإنغريد برغمان.
وقالت إنّ تجربتها ممثلةً جعلتها تدرك تدريجيًا حدود ما تستطيع التعبير عنه بالتمثيل وحده، وهو ما قادها في النهاية إلى الإخراج.
باربيرا: الشباب لم يهجروا السينما
حضر مستقبل السينما في المؤتمر، خصوصًا مع الحديث المتكرّر عن ابتعاد الشباب عن الأفلام الطويلة لمصلحة منصّات البث والمقاطع القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي.
ورفض باربيرا هذه الفكرة بصورة قاطعة، مؤكدًا أنّ الحديث عن فقدان الشباب اهتمامهم بالسينما لم يعد يعكس الواقع.
وقال إنه شهد، خلال 15 عامًا قضاها في «مهرجان فينيسيا»، تغيرًا جذريًا في طبيعة الجمهور. وأوضح أنّ المهرجان كان يجذب في السابق، بصورة أساسية، جمهورًا أكبر سنًا من رواد المهرجانات المعتادين على التنقّل بين الفعاليات السينمائية الكبرى حول العالم. لكن هذا الجمهور بدأ يتراجع تدريجيًا، لتحلّ مكانه أجيال أصغر.
ووفق باربيرا، بات عدد كبير من الحاضرين في عروض المهرجان تتراوح أعمارهم بين 15 أو 16 عامًا و25 أو 30 عامًا.
وأشار إلى أنّ عدد التذاكر المبيعة ارتفع، خلال سنوات قليلة، من نحو 35 ألف تذكرة إلى أكثر من 110 آلاف، معتبرًا هذا الرقم دليلًا عمليًا على تجدُّد جمهور السينما.
«نولان» و«سبايدرمان»… الشباب حاضر
ولم يرَ باربيرا مشكلة في أن يبدأ الشباب علاقتهم بالسينما عبر الأفلام التجارية والجماهيرية. وأشار إلى أفلام مثل أعمال كريستوفر نولان، و«Spider-Man»، و«Moana»، معتبرًا أنّ مشاهدتها داخل الصالات قد تكون البوابة التي تُعيد الشباب إلى التجربة السينمائية الجماعية.
ومن وجهة نظره، لا تكمن القضية في الفيلم الذي يختاره الشاب أولًا، وإنما في عودته إلى الصالة واكتشافه تدريجيًا إمكانات السينما خارج شاشة الهاتف أو الكمبيوتر.
وقال إنّ هذه الظاهرة تستحق التوقف عندها، داعيًا إلى التخلّي عن السردية القائلة إن الشباب لم يعودوا مهتمّين بالسينما.

السينما والسياسة… والمستقبل
في ختام النقاش، بدا أنّ الأسئلة المطروحة على منصة «فينيسيا» هذا العام تتجاوز البرنامج الحالي إلى ما هو أوسع، وتطال وظيفة المهرجان نفسه: هل ينبغي أن يكون مساحة لاختيار الأفلام وعرضها، أم أنّ عليه التفاعل بصورة مباشرة مع الأزمات السياسية والاجتماعية التي يعيشها العالم؟
وفيما أكدت جيلنهال أنّ السينما، بحُكم قدرتها على نقل تجارب الآخرين، تحمل بعدًا سياسيًا وإنسانيًا لا يمكن فصله عنها، تمسّك باربيرا بأنّ المهرجان لا يختار أفلامه وفق مواقف سياسية مسبقة، وإنما وفق قيمتها الفنّية وقدرتها على تحويل رؤى صنّاعها إلى أعمال سينمائية مُقنِعة.
وفي الوقت نفسه، كشف النقاش حول النساء والشباب عن معركة أخرى داخل الصناعة: الأولى تتعلّق بمَن يمتلك فرصة صناعة الفيلم ومَن يملك سلطة تعريف قيمته، والثانية بما إذا كانت الأجيال الجديدة قد أدارت ظهرها للسينما، أم أنها تُعيد اكتشافها بطريقة مختلفة.
وفيما رأى باربيرا أنّ عودة الشباب إلى الصالات حقيقة يمكن قياسها بالأرقام، اعتبر فيكاري أنّ المشكلة لا تكمن في الشباب بقدر ما تكمن في الصورة التي تقدمها الأجيال الأكبر عن علاقتهم بالسينما.
اقرأ أيضا: جورج كلوني في «فينيسيا»… هوليوود تُقلقه والتمثيل يُعيده إلى المتعة