قليلة هي الأفلام التي تفتتح المهرجانات السينمائية العالمية دون أن يُكشف عن قصتها مسبقًا، وهذا ما ميّز فيلم المخرج الإيطالي باولو سورنتينو الجديد «لا غراتسيا» («La Grazia»)، الذي حافظ على غموض حبكته حتى عرضه صباح أمس أمام النقّاد والصحافيين، قبل أن يُفتتح به مساءً مهرجان البندقية السينمائي في دورته الثانية والثمانين.
من المخاطرة وصف فيلم «لا غراتسيا» بأفضل أفلام سورنتينو، لكنه بلا شك عمل ناجح ومتوازن، يعيش على الحوار والصمت والمشاعر والعاطفة والشكّ، وومضات من الجمال المنهكة والمتقلّبة. وهو فيلم سياسي أيضًا، في استكشافه لبطله والتحديات التي يواجهها. الشخصية المحورية في الفيلم هي رئيس جمهورية إيطاليا الخيالي ماريانو دي سانتيس (توني سيرفيلّو)، رجل فقيه، نبيل، ميال للتسوية، يحبّ موسيقى البوب، يلقبه الجميع بـ«الخرسانة المسلّحة»، لكنه يصف نفسه بأنه «أكثر شخص ممل يعرفه»، والذي يُنهي الأشهر الستة الأخيرة من ولايته، ولكن لا يزال هناك مجال لبعض التحديات الدقيقة، الشخصية منها وغير الشخصية. من جهة، مشروع قانون القتل الرحيم للتوقيع، وطلب العفو عن سجينين، قضايا حاسمة تعكس بطبيعة الحال مأزقه الوجودي. ومن جهة أخرى، يخشى مغادرة قصر الكويرنالي (إحدى مقرّات رئاسة الجمهورية الإيطالية) والعودة إلى حياته الطبيعية، لأنه فقد اهتمامه بالحياة قبل ثماني سنوات، بوفاة زوجته الحبيبة أورورا، وأيضًا بسبب شيءٍ ما زال يطارده بعد أربعين عامًا، وهو الخيانة الزوجية التي عاناها، خيانة لم يُحدد لها وجهًا أو اسمًا بعد، وهذا البحث المستمر والمهووس عن الحقيقة يُعمق شكوكه.

«لا غراتسيا»، صادق، لا يغيظ المشاهد، بل يخاطبه بإسهاب، بطريقة تلامس هشاشة الإنسان. بنية الفيلم نفسها جدلية، قائمة على الأطروحة ونقيضها، كل مشهد يحمل سؤالًا، وكلّ إجابة تُفتح على شكّ جديد. لأنه فيلم عن الشجاعة، عن رجل يدير ظهره للموت ثم للحياة، ويُجبر على إعادة اكتشاف نفسه كحبيب وأب، مدركًا أن التحرر لا يأتي بالهروب، بل بالمواجهة. يعمل الفيلم بطريقة الطرح، لا الحسم، كلّ مشهد هو سؤال، وكلّ حوار هو محاولة للفهم. سورنتينو لا يقدّم بطلًا، بل إنسانًا مهزومًا، يواجه ذاته في مرآة الآخرين، دون التخلي عن الفكاهة. تغيب الزخرفة الإخراجية المعهودة لسورنتينو، دون التخلّي عن الرمزية، إذ يصعب تخيل لقطات جمالية كثيرة لبطل يبدو مسجونًا جسديًا داخل جدران الكويرنالي الصارمة، وجامدًا روحيًا، شبه مشلول.

الفيلم مبني على الثنائيات، الحياة والموت، المسؤولية والخفة، الرمادي واللون، التذكر والنسيان. حتى بصريًا، نادرًا ما تظهر أكثر من شخصيتين في المشهد، وكأن الفيلم كله لقاءات ثنائية، محادثات بين الذات والآخر، بين الماضي والاحتمال. فكرة الخفة، تلك الرغبة في البقاء خفيفًا هي جوهر الفيلم. مقاومة ناعمة، موقفٌ وجودي، ولا يعرضها سورنتينو هنا كحالة عابرة، بل كخيار. في نهاية المطاف، لا يصل ماريانو إلى الحقيقة، بل إلى قبول الشك بطريقة ما، وهنا تتجلى «النعمة» كحالة وجودية، لا دينية ولا أخلاقية، بل موقف متجدد تجاه الحياة.
اقرأ أيضا: البندقية 82: وعودٌ كثيرة بالدهشة كم منها سيرى النور؟!