يمضي من نحبّ، كما تمضي الأشياء التي ظننا أنّها لنا، وتمضي الأحلام… ما يبقى هو الصدى، الحنين، تلك الكثافة التي تمنح الحياة صدقها. والسينما؟ هي الأخرى تمضي، لكنها تظل يوتوبيا، فضاء للحلم، للندم الجميل، وللتأمل الذي لم يكتمل.
ولكن النهاية ليست موتًا، بل عبور آخر، كأن الطريق يُعيد نفسه، لا ليكتمل، بل ليُقال من جديد. هذه سينما فيم فندرز، وفيها الحياة ليست خطًا يُرسم، بل أثر يمحى ويُعاد. رحلة تتخللها خسارات ناعمة وأخرى جارحة، تُعيد تشكيل معنى الانتماء.
ولد في 1945، عام رمزي، نهاية الحرب العالمية الثانية، واللحظة التي واجهت فيها ألمانيا المدمّرة الأخطاء التي ارتكبتها والحاجة إلى إعادة الإعمار. تلقى تعليمه في أواخر الستينيات، في مناخ سياسي مكّنه من التحدث بلغة قريبة جدًا من ذلك الجيل الذي عاد بعد هزائم عام 1968 (الحركة الطلابية في ألمانيا الغربية)، إلى التأمل الذاتي وتحليل العلاقات الشخصية.
ينتمي فندرز إلى جيل مُضطهد بالذاكرة التاريخية للنازية، يُفضل أن يُعهد بتربيته إلى نماذج أجنبية. وهذا يولّد صراعات وتناقضات تاريخية لا يمكن حلها، وفقًا للمخرج الألماني، إلا من خلال البحث عن الهوية الذاتية والشخصية. وفي هذا الاتجاه، تتحرك جميع شخصيات فندرز. بعدما فقدت القدرة على التماهي مع دور محدد وإدراك الواقع بشكل جامد، تُجبر على الحركة الدائمة، والتجوال الدائم. وهذا يقود إلى ثابت آخر في سينما فندرز: الرحلة، التي تُثبت استحالة التجذر، وبالتالي تُصبح رمزًا لفقدان الهوية، وللوجود، إلا أنها تُستبدل بصيرورة قادرة على سدّ الفجوة بين الذات والعالم، وتقديم تجربة مباشرة للواقع.

لفندرز مصدران ثقافيان: من جهة، التعاليم التي نقلها أساتذة الموجة الألمانية الجديدة، ومن ناحية أخرى، السينما والمجتمع الأميركيان. تحمل أفلامه إشارات إلى مخرجين أمثال فورد، وهيتشكوك، وراي، وسيرك، وأيضًا رموز الحضارة الأميركية النموذجية، مثل آلات البينبول، وأجهزة الموسيقى، وعلب الكوكاكولا، أو حتى مجرد لقطة بسيطة لصحيفة تُعلن وفاة جون فورد في فيلم «أليس في المدن» (1973، «Alice in the Cities»)، بالإضافة إلى أشياء واقتباسات تشهد على اعتماد المجتمع الألماني على المجتمع الخارجي والتناقضات التي يُحدثها ذلك، «لقد استعمر الأميركيون لاوعينا»، يقول أحد أبطال فيلم «الخطوة الخاطئة» (1975، «The Wrong Move»).
من المهم أن نلاحظ أصل «الحركة» في أفلام فندرز، وهي وجود قطيعة وانفصال. في فيلم «صيف في المدينة» (1970، «Summer in the City»)، يبدأ تجوال البطل في المدينة بإطلاق سراحه من السجن. وتبدأ تجوالات حارس المرمى السابق في فيلم «خوف حارس المرمى من ضربة الجزاء» (1971، «The Goalkeeper’s Fear of the Penalty»)، بعد طرده من الملعب. وتبدأ رحلة المرأتين في فيلم «الحرف القرمزي» (1973، «The Scarlet Letter»)، عندما تقرران مغادرة المجتمع المتزمت الذي تُهمّشان فيه. يبدو الأمر كما لو أنّ فهم العالم يتحقق من خلال انفصال عن الماضي. تبدو الأفلام الأولى هذه مساراً متماسكاً نحو تسوية مع الواقع، مع الأشياء، مع الناس.
يحمل بطلا فيلم «ملوك الطريق» (1976، «Kings of the Road»)، اللذان يتجولان على طول الحدود، أملًا خاسرًا ولا يزال مؤلمًا، في إعادة العلاقات الإنسانية والسياسية. ستقودهما رحلتهما معًا إلى انفصال جديد، ولكن أيضًا إلى إدراك أنه من أجل تغيير كل شيء، يجب على المرء أن يتحرك.

ينتقل بطل فيلم «الصديق الأميركي» (1977، «The American Friend»)، من حالة من الأمان، تتعلق بصحته، إلى حالة من الخوف الذي يُخيم عليه الموت الوشيك، ويمنحه القوة للقيام بأفعال لم يكن ليتخيل نفسه قادراً عليها من قبل.
في «باريس، تكساس» (1984، «Paris, Texas»)، تبحث الشخصية الرئيسية عن أشخاص كانوا يومًا ما تعبيرًا عن السعادة. ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك في هذا الفيلم. للمرة الأولى، يركّز البحث عن امرأة، ترمز إلى إمكانية الهروب من حالة من عدم القدرة على التواصل من خلال التطلع إلى الحبّ، وهو شعور غير مسبوق في شخصيات فندرز.

هذا الفيلم سبق عرض فيلم «أجنحة الرغبة» (1987، «Wings of Desire») حيث الأبطال ملائكة يتخلون عن مكانتهم كأرواح روحية نقية للوصول إلى الواقع المادي وإلى جسد بشري مهدد بالتاريخ والموت وحدود المعرفة البشرية. هذه «القفزة إلى الأرض» هو لاكتشاف الحبّ، شعور قادر على منح الأشياء وجودًا حقيقيًا ويشير إليه فندرز باعتباره الإمكانية الوحيدة للخلاص من الماضي المؤلم.
في فيلمه الوثائقي «بريق فوق الماء» (1980، «Lightning Over Water»)، وثّق معاناة راي وموته. وفي «حالة الأشياء» (1982، «The State of Things»)، رصد السينما وصانعيها وأعداءها الذين يهددونها، والموت الذي يخيّم على كلّ شيء. وفي فيلم «حتى نهاية العالم» (1991، «Until The End of the World»)، يبني فندرز سيناريو مستقبلياً، حيث تتحكم الصورة الالكترونية في كلّ تعبير بشري، بما في ذلك الأحلام. إنها السينما نفسها، إذن، في قفص الاتهام، ربما سينما فندرز بكل خصائصها.
يرى فندرز العالم أرضاً ساحرة، يخافها. يتحرك، غير متأكد، لأنه لا يعرف ما سيجده. فيلم «بعيداً، قريباً جداً» (1993، «Faraway, So Close»)، يخيم عليه شبح الماضي وتراكم المخاطر التي يبددها حب السينما.

في منتصف وثائقي «دفتر ملاحظات عن المدن والملابس» (1989، «Notebook on Cities and Clothes»)، يكشف فندرز عن الفلسفة التي تدعم فنه، وبقول: «يجب أن تكون صناعة الأفلام أسلوب حياة، لا يحمله شيء سوى فضوله».
بعد خمسة عقود تقريبًا، والكثير الكثير من الأفلام الروائية والوثائقية والكتابات والمعارض، لا يزال فندرز مخرجًا خفيف الظلّ، منفتحًا على اللحظة.
في العام ما قبل الماضي، عرض المخرج البالغ ثمانين عامًا، فيلمين في مهرجان كان، وهو دخول مزدوج نادر في هذا المهرجان المرموق. «أنسيلم» («Anslem»)، وهو وثائقي يتناول مسيرة الفنان الألماني أنسيلم كيفر صوّر بتقنية ثلاثية الأبعاد. أما فيلم «أيام مثالية» («perfect Days»)، فهو دراسة شخصية لرجل عصري مسنّ اختار حياة بسيطة. إنه أول فيلم روائي طويل لفندرز منذ ست سنوات، ويمثل عودة إلى مبادئه الأولى في صناعة الأفلام: مشاهد قيادة ممتعة على أنغام موسيقى تصويرية مسجلة، وشخصيات جانبية مرسومة بوضوح تفسد هدوء البطل، وحوارات تُضفي على القصة ثقلًا وجوديًا حقيقيًا.
إذًا، الرحلة لا تزال حاضرة، ولكن السفر في يومنا هذا لا يتعلق بالعثور على هوية مفقودة، بل ببلوغ نقطة لا عودة منشودة. نهاية ستجعل من السينما والإنسان والكاتب ودفتر الملاحظات وعامل النظافة والملائكة والصديق الأميركي وحارس المرمى وآلة كاتبة قديمة ناجين محتملين.
اقرأ أيضا: ريثي بان لـ«فاصلة»: الحرب مزّقتني كثيرًا… لكن رهافتي صمدت