فاصلة

مراجعات

«عند البحر»… يغرق في ابتذاله

Reading Time: 3 minutes

يشتهر المخرج المجري كورنيل موندروتشو، بأنه صانع أفلام يهوى الألم ويُشيّده بعناية. بإخراج مُنمّق، يرفع الحميمي إلى مرتبة المأساوي، ويُضخّم الاضطراب العاطفي حتى يصبح مادة بصرية بحدّ ذاتها. ولكن، حين يصل المرء إلى فيلمه الأخير «عند البحر» («At The Sea») المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين، يكتشف أن موندروتشو قد تخلّى طوعًا عن هذا البذخ الشكلي والعاطفي، وأن الفيلم يكاد يخلو من أي براعة تستحق الوقوف عندها. وهكذا، بدل أن يقدّم فيلمًا مترفعًا عن الزخرفة، ينتهي إلى عمل يُفرط في تبسيط دوافع شخصياته، ويستبدل العنف البصري بعنف درامي لا يقلّ اصطناعًا.

عند البحر
At the Sea (2026)

تبدأ الحكاية بلقطة مقرّبة طويلة لأيمي آدامز. نظرتها وحدها تُعلن أن لورا الراقصة التي كانت يومًا تدير فرقة والدها الأسطورية قبل أن تصبح هي نفسها نجمة الرقص المعاصر، تعود إلينا مُنهكة،مُتصدّعة، كأنها تحاول استعادة ملامحها بعد أشهر من إعادة التأهيل بسبب إدمان الكحول. العودة إلى منزل الطفولة والعائلة على شاطئ كيب كود لا تمنحها أي دفء. على العكس، تفتح الباب على لقاءات مُرتبكة. زوجها مارتن (موراي بارتليت) يتأرجح بين الرغبة في الاقتراب والخوف من تكرار الماضي، وابنتها جوزي (كلوي إيست) تُشيح بوجهها عنها ولا تزال غير واثقة منها، أما فيليكس الصغير فيلوذ بصمته. لا يمنحها الفيلم ترف الانهيار الكامل، بل يدفعها إلى مواجهة أكثر تعقيداً. طريق لورا ليس طريق تعاف بقدر ما هو صراع مع ذات تُعاقب نفسها بلا رحمة. وكل خطوة نحو عائلتها تبدو كأنها محاولة لإعادة بناء لغة مشتركة فقدوها منذ زمن.

يحاول «عند البحر» أن يقدّم نفسه كدراسة نفسية دقيقة، لكنه كثيرًا ما ينزلق إلى منطقة الرواية الرخيصة، حيث يصبح الاضطراب العاطفي مجرد أداة حبكة جاهزة، لا أكثر. يستعير الفيلم أكثر الصور ابتذالاً لتجسيد العالم الداخلي للبطلة، كأن الفيلم يخشى الصمت ويحتاج دائمًا إلى ترجمة لمشاعر لا يثق بقدرتها على الظهور وحدها.

عندر البحر
At the Sea (2026)

شذرات الذكريات التي يبعثرها الفيلم هنا وهناك تمنح لمحة عن صدمات لورا: لعبة دوّارة تتعطل، حذاء باليه ملطخ بالدماء يدور في الهواء كاستعارة جاهزة. كل شيء مُصاغ ليقول إن المرأة تحمل عبئاً ثقيلاً، وإن هذا العبء تراكم حتى دفعها إلى السلوك التدميري والإفراط في الشرب. لكن المشكلة ليست في وجود الكليشيهات، بل في أن الفيلم لا يمتلك الشجاعة لاحتضانها بالكامل. يبدو الفيلم كجلسة علاجية مطوّلة، تُنقّب في الجراح، دون أن تمنحها أي عمق فعلي.

عند البحر
At the Sea (2026)

مع تقدّم السرد، يتبدد ما تبقى من توتر. الألغاز القليلة التي يلوّح بها الفيلم تتلاشى أمام إجابات متوقعة، عادية، كأن السيناريو يخشى الانحراف عن المسار المرسوم مسبقاً. تكمن المعضلة، في جوهرها، في البنية نفسها. فالقضايا التي يتعامل معها الفيلم: الإدمان، التعافي، إرث العائلة. هي قضايا ثقيلة بطبيعتها، لكن الطريقة التي يعالجها بها العمل تبدو تافهة. هناك شعور دائم بأن الفيلم يرفع منسوب الدراما ليُخفي هشاشة حكايته، فيخلق تناقضاً صارخاً بين موضوعات كبرى وسرد تافه في أساسه، كأن البناء الدرامي مُصمّم ليمنح القصة وزنًا لا تمتلكه أصلًا.

«عند البحر» عمل يعتمد بالكامل تقريبًا على حضور آدامز، لكنه يخذلها في كل منعطف. يبدو أن موندروتشو صمّم الفيلم كمنصة لعرض موهبتها، غير أن هذا النوع من المنصات، حين يكون فارغّا من الرؤية، لا يخدم أحدّا، لا الممثلة ولا الفيلم ولا المتفرج.

اقرا أيضا: «الجميع يُحبّ بيل إيفانز»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق