لا تستهويني الكتابة عن المسلسلات كثيرًا، فشعوري دائمًا ناحيتها أنها مجرّد منتجات استهلاكية يسهل نسيانها، لكن مع بعضها، أشعر بأنّ تلك ليست الحالة، ومسلسل «عرض وطلب» لعمرو موسى ومن تأليف محمود عزت أحدها. فمنذ حلقته الثانية، وثمة رغبة في الكتابة عنه. أول ما سمعته عن المسلسل هو أنه يقدّم قضية «تجارة الأعضاء» مجددًا على الشاشة، وكنت قد شاهدت بالفعل مسلسلًا مصريًا، «لا ترد ولا تستبدل»، عُرض منذ أشهر عن هذه القضية، ولكن رغم اشتراك المسلسلين في الموضوع، فإنّ كلًا منهما يختلف اختلافًا كبيرًا عن الآخر. فحين يقدّم «لا ترد ولا تستبدل» ذلك العالم من منظور رومانسي، ويتناوله على قاعدة الحبّ والتضحية بشكل أساسي، فإنّ «عرض وطلب» يتناوله من منظور «التجارة»، وكأيّ تجارة غير قانونية تبتغي الربح الكبير، فإنها تؤثّر في المتورّطين بها. إضافة إلى ذلك، فإن «عرض وطلب» مسلسل «نوار حديث» بصري، يُذكِّر بأفلام النوار أو الأفلام السوداء المصرية أو الأميركية، لكنه مصبوغ بصبغة مصرية واضحة، خصوصًا في تركيب الشخصيات ولغة الحوار.

في المسلسل نرى هبة، الأم المطلّقة التي فقدت وليدها، وهي تعيش مع أهلها في البيت ذاته الذي يسكنه طليقها ثابت، طبيب الكلى. في الحلقة الأولى، نراها، وهي خائفة، تحاول إنقاذ أمها بإيجاد متبرّع. نتابع مشهد تفاوض بينها وبين المتبرّع شوقي، سائق التوك توك، الذي يدّعي أمام الحكومة أنه لن يتقاضى أيّ أجر مقابل التبرّع، لكنه يتفاوض مع هبة لزيادة الأجر المتَّفق عليه. تفاوضه، ثم تتعاون مع جيران لها، ليسوا من طبقتها أو ثقافتها، لكنها تلجأ إليهم حمايةً لها من شوقي المفترس، الذي يودّ أن يمارس معها الحميمية شرطًا إضافيًا للتبرّع لوالدتها. تستدرجه هبة إلى فندق مشبوه بدعوى تنفيذ شرطه، لكنه سرعان ما يظهر «كابونجا» في الصورة ليُجهز على شوقي؛ يصيبه، فتدخل خيرية إلى المشهد لتعالجه، لكي يذهب إلى المستشفى للجراحة، بعدما خضع بالعنف لشروط هبة. في تلك الرحلة، نرى الأخيرة بوجهها الملائكي البريء، وهي تسقط من عالمها الذي لم تستطع يومًا أن تفعل فيه شيئًا بإرادتها من دون مساعدة طليقها أو أمها، إلى عالم شرس، لا وجود فيه إلا للقوة والعنف أداتَيْن لفرض السيطرة.
تنجح هبة، وبمزيد من التفاوض مع جميع أفراد العصابة، ومع طليقها الدكتور ثابت، في إجراء الجراحة لوالدتها؛ تفاوض تكتشف فيه موطن قوتها «الإقناع والتفاوض»، الذي لم تعرفه من قبل، فكانت دائمًا خاسرة في عملها، راضية بوظائف أقلّ من إمكاناتها، أو أخرى تعمل فيها ظلًا لمُدرِّسة فاشلة تتسلَّط عليها. هذا الاكتشاف يُحرّك، ربما، أحداث المسلسل بأكمله، إذ تبدأ هبة في رؤية العالم بعين القادر، فتستدرجها العصابة، المكوّنة من بلطجي وممرّضة وموظف حكومي، لتدخل ذلك العالم؛ تكون هي ستارهم المنمَّق أمام البشر، ويكونون هم الفاعلين في تحقيق العمليات.

حكاية «عرض وطلب» هي حكاية التحوّل الذي يحدث لهبة ولكلّ مَن حولها؛ في عالم مثل هذا، تتكشَّف الأقنعة الحقيقية للبشر. نرى مواقف طيبة من أكثر أفراد العصابة شراسة «كابونجا»، ومواقف شرسة من أكثرهم طيبة ظاهرية؛ هبة. وهكذا نرى في المسلسل تحوّلات الشخصيات التي تتفاعل مع المواقف المعقَّدة التي يتورّطون فيها شيئًا فشيئًا. إضافة إلى ذلك، فإنّ جميع الشخصيات الجانبية ليست منوطةً فقط بدور شكلاني في الحكاية، وإنما نرى دائمًا ردود أفعالهم وأفعال الآخرين فيهم، ممّا يجعل السيناريو مُحكمًا؛ فلا وجود لشخصية لا تتصرَّف جراء تصرفات الآخرين، أو كما تُعرف قوانين الفيزياء أو الحياة على السواء: «لكلّ فعل رد فعل».
بالنظر أيضًا إلى الشخصيات، فإن أغلب تصرفاتهم إشكالية، بشكل يجعلنا نتعاطف حينًا معهم أو نكرههم، نأخذهم كما هم، على هيئة بشر لا نستطيع فصل مكوّنات الخير والشر منهم. هكذا فإن «عرض وطلب» هو، بشكل ما، دراما إيرانية تُذكِّر بأعمال أصغر فرهادي، حيث لكلّ شخصية منطقها الذي نستطيع تفهّمه، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه. الدوافع المُتقنة هي عنوان من عناوين هذا العمل؛ فهبة، على سبيل المثال، نراها تنخرط في عالم تجارة الأعضاء، فهل هذا خيار لتحريك الحكاية؟ لا، على الإطلاق. هذا خيار نابع من تلك الشخصية المسحوقة التي شعرت، وللمرّة الأولى في حياتها، أنها تستطيع أن تغيّر مجرى الأمور. تجارة قذرة؟ ربما، لكنها، بشكل ما، ما أجادت فعله بعد فشل في مسارات اجتماعية وعملية أخرى. على الجانب الآخر، نجد دوافع مادية لخيرية وعم نعيم؛ فالأولى تنفق على زوجها وورشته، وتحاول الخروج من حيّها للعيش في مكان أفضل، ونعيم يحاول تعليم ابنته في كلية الطبّ لتحظى بمستقبل أفضل. وأخيرًا «كابونجا»، الذي، بشكل ما، يستمتع برفقة العصابة؛ فهو مُسجَّل بقضايا سابقة، ومنبوذ من الوظائف الأخرى، لكنه أيضًا يبدو أنه يستمتع برفقة هؤلاء المتبرّعين ورعايتهم، وتُحرّكه وحدته، حتى وإن بدت عليه قسوة ظاهرية. أضف إلى ذلك أنه، في أحلك المواقف، يترك موسى متنفسًا للضحك أو لمواقف تُحبس فيها الأنفاس ثم تنتهي بشيء مضحك، ليخلق نوعًا من التعاطف مع شخصيات العصابة بينهم وبين بعض، وبيننا وبينهم أيضًا.

يخلق المخرج عمرو موسى هذا العالم من خلال عناصر بصرية تنتمي إلى عالم النوار كما ذكرنا: نيون أزرق وأخضر وأحمر، وعلامات المستشفى الحمراء المكتوب عليها «طوارئ»، ومدينة الملاهي التي تُذكِّر بالملاهي الشعبية في أحياء القاهرة الأقل حظًا، وبيت هبة المصري الخالص بأثاثه وإضاءته البيضاء، وبيت شوقي في المقابر أو «التُرب»، والفندق الليلي بديكوره ولوحاته التي تُذكِّر بتلك اللوحات التي وُجدت في عدد من البيوت المصرية، المصوِّرة لشلال أو منظر طبيعي، لكنها في غاية «الصناعية». إلى جانب ذلك، فإنه يدير مَشاهد عدّة تحدث في مواقع تصوير واحدة، مثل غرفة الفندق أو صالة بيت هبة، بذكاء شديد، مستغلًا إحساس المكان الواحد وما يسببه من اختناق وتوتّر، لكن حركة الكاميرا والمونتاج يعملان بشكل ممتاز في تلك المواقع لينقلا ذلك التوتر الحاصل بشكل بصري، بل وأحيانًا ينقلان إحساس الشخصية بشكل بليغ.

لا نستطيع الختام من دون الحديث عن العنصر الذي ربما هو أحد أكثر العناصر الخالقة لتكامل المسلسل: اختيار الممثلين وإدارتهم؛ ابتداءً من الاختيار عكس المتوقَّع لسلمى أبو ضيف أو رحمة أحمد في أدوارهما، وهما اللتان ربما دائمًا ما تلعبان أدوارًا مختلفة أكثر براءة أو أقل إجرامًا من تلك الأدوار هنا، أو في اختيار علاء مرسي ومصطفى أبو سريع وعلي صبحي في أدوار درامية، على عكس معظم أدوارهم المتّسمة بصبغة كوميدية، مع التوظيف الرائع لباقي الممثلين، ولا سيما محمد حاتم في دور ثابت، الشخصية التي تخفي أكثر مما تُظهر أيضًا، وسماح أنور في دور والدة هبة، الشخصية التي ذكّرتني بجدّتي لأمي في مدى حكمة تصرّفها، ورزانة عقلها، وميلها إلى الصواب مهما كلَّف الأمر.
إجمالًا، فإن «عرض وطلب» يقدّم لنا مواهب عرفناها من قبل في أعمال سينمائية ودرامية أخرى، وعلى رأسهم المؤلّف محمود عزت، وسلمى أبو ضيف، ومحمد حاتم، وعلي صبحي، وباقي الممثلين؛ لكنه، بالتأكيد، يقدّم لنا صوتًا دراميًا -ونتمنى أن نشاهد أعمالًا سينمائية له قريبًا- شديد الذكاء والإبداع، هو عمرو موسى، الذي يُشكِّل مفاجأة هذا الموسم الدرامي.
اقرأ أيضا: «حكاية نرجس»… هل أحببنا شيطانًا؟