فاصلة

مقالات

انتقام الهامش… كيف ابتكر «شباب البومب» بطلًا من الفوضى لابتلاع الشاشة؟

Reading Time: 6 minutes

يرصد المتأمِّل في ملامح التحوّل في الإنتاج الدرامي المحلّي خلال العقد الأخير وقائع فنّية تفرض حضورها بقوة، ويبرز «شباب البومب» حالةً استثنائيةً تكتسب أهميتها عبر مسيرته التي انطلقت من هوامش المشهد التلفزيوني، لتتربَّع بصلابة في عمق المركز، وتتحوَّل بمرور السنوات إلى منتج جماهيري يفرض شروطه على الشاشات وشباك التذاكر السينمائي على السواء. بدأت هذه الرحلة عام 2012 متجرِّدة تمامًا من أدوات الدعم الإنتاجي التقليدية؛ غابت القنوات التلفزيونية الضخمة، وانعدمت الميزانيات العالية، وافتقر العمل إلى أسماء النجوم المكرَّسين جماهيريًا، وامتد هذا الغياب ليشمل بطله الرئيسي فيصل العيسى الذي بدأ يشق طريقه حينها. شهدت تلك الحقبة إنتاج عشرات المسلسلات المشابهة من الناحية الفنية، وتوارت جميعها سريعًا في النسيان من دون فرصة الاستمرار لموسم ثانٍ. تطرح استمرارية «شباب البومب» وصموده على مدار أربعة عشر موسمًا تساؤلًا مُلحًا حول ماهية العناصر التي منحت هذه التجربة فرادتها وصنعت منها ظاهرة شعبية بهذا الاتساع.

يستدعي فهم هذه الظاهرة العودة إلى لحظة الانطلاق الأولى، حيث ظهر العمل للمرّة الأولى عبر القناة السعودية الرياضية، وهي منصة لا يتوقّع المُشاهد العثور فيها على محتوى درامي. تجاهلت القنوات الكبرى في ذلك الوقت هذا النوع من الأعمال الشبابية، واعتبرته استثمارًا غير مجدٍ. وإنما العيسى حمل حلمًا يتمثّل في تقديم كوميديا خفيفة الإيقاع تستهدف فئة عمرية محدَّدة بدقة. غابت هذه الفكرة البديهية عن أذهان صُنّاع الدراما، لتندر المسلسلات التي تمتلك شجاعة التوجه لفئة المراهقين والأطفال. ولّدت هذه البداية المتواضعة شعورًا بالقرابة العاطفية بين العمل والجمهور المُستهدف، وتصاعدت نسب المشاهدات موسمًا تلو آخر، واكتسب هذا الانتشار زخمًا مضاعفًا مع التوجُّه نحو نشر الحلقات عبر منصة يوتيوب، ليمنحه تحرّرًا من قيود الجدولة التلفزيونية، ويمهد الطريق لتحول المسلسل إلى طقس رمضاني مرتقب.

 

حقَّق العمل نجاحات تراكمية معقولة في مواسمه الثلاثة الأولى، لينتقل لاحقًا إلى القناة السعودية الأولى، مقدّمًا موسمًا انتقاليًا واحدًا. وتجلّت النقلة النوعية الأبرز والمفصلية مع انتقاله إلى شاشة روتانا خليجية، وتولي المخرج سمير عارف مهمة الإدارة الفنية. شهد العمل، ابتداءً من موسمه الخامس، تحولًا على مستوى الشكل البصري والمحتوى السردي، إذ تطوَّرت آليات الإنتاج، وتحسَّنت جودة مواقع التصوير، وتنوَّعت المضامين المطروحة، واستقطب وجوهًا تمثيلية شابة ثبتت أقدامها على هيئة أعمدة رئيسية. مثَّل الموسم الخامس حجر الأساس للمشروع بشكله المستدام، واستقر نهائيًا على الهوية البصرية والدرامية التي ألفها الجمهور اليوم.

تكمن الإجابة عن تساؤل الاستمرارية والنجاح الطاغي في ركيزتين أساسيتين شكّلتا العمود الفقري والمحرّك الفعلي لهذا العمل. تتجلّى الأولى في قدرة المسلسل الدائمة على محاكاة الواقع في كلّ موسم، والتجدُّد المستمر مع أفكار الشارع وهمومه اليومية. التقط «شباب البومب» هذه الحاجة الاجتماعية بذكاء عبر الاشتباك المباشر مع القضايا والأحداث التي تمسّ يومياته الحاضرة والآنية، وأدار ظهره للقضايا المستقبلية أو الحنين الرومانسي إلى الماضي، وركَّز عدسته على اللحظة الراهنة، ليتولد لدى الجمهور يقين تام بأنه بمجرّد بروز ظاهرة اجتماعية جديدة مثل حدث رياضي مثير، ستوجد حلقة تتناول هذا الحدث بأسلوب ساخر ضمن الموسم المقبل. جعله هذا الارتباط الوثيق والمباشر مع تفاصيل الواقع اليومي كائنًا حيًا يتنفَّس هواء الشارع ويقف على مسافة قريبة جدًا من مشاهديه. أسهم هذا الالتصاق في تحوُّل المسلسل عبر سنوات عرضه المتواصلة إلى مُكوِّن أساسي من الذاكرة الرمضانية، ليمتلك جمهورًا شديد الولاء، يتكفَّل بنقل تجاربه وشغفه بالمسلسل شفهيًا، ويتفاعل معه بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي، وشكَّل درعًا تمنحه حصانة استثنائية أفقدت الآراء القاسية تأثيرها المباشر في نسب المشاهدة وتحوَّلت إلى أداة ترويج عكسية.

ولا يتبدى هذا الوعي الحاد بضرورة الالتصاق بنبض الشارع من فراغ، لتعود جذوره إلى التكوين الفني المبكر لفيصل العيسى عبر مشاركاته في «طاش ما طاش». فقد مثّل «طاش» طوال مسيرته المنصة الدرامية الأهم في ملامسة المجتمع السعودي وطرح همومه وتفكيك تحولاته، وشكلت تلك التجربة مختبرًا تشرّب العيسى من خلاله سر الديمومة الدرامية؛ وهي ذات القاعدة التي منحت العملين استمراريتهما الممتدة. استوعب العيسى هذا جيدًا وتجاوز به فخ الاستنساخ، ليخلق مسارًا موازيًا؛ إذ يعمد في كثير من الأحيان إلى الاشتباك مع ذات المضامين والقضايا الكبرى التي طالما تصدّى لها «طاش»، ولكنه يُخضعها لمعالجة مختلفة جذريًا تقوم على الاستهداف الدقيق. فبينما كان «طاش» يطرح قضاياه ببناء درامي يستهدف العائلة بجميع أطيافها، يميل «شباب البومب» إلى التبسيط المفرط والاكتفاء بملامسة قشور القضايا، مقدمًا حلولًا سريعة ومباشرة تتسق مع الإيقاع الذهني واللغوي لشريحته المستهدفة. ليصنع بذلك امتدادًا غير مرئي لتلك المدرسة محتفظًا بهويته المستقلة ومحققًا معادلته الخاصة في البقاء.

فيصل العيسى
فيصل العيسى

تبرز الركيزة الثانية للنجاح متمثِّلة في شخصية البطل فيصل العيسى، والتماهي المُطلق بين الممثل والشخصية الخيالية «عامر». احتفظ العيسى بصورته الذهنية نابضةً في وجدان الجمهور، ورفض الركون إلى عزلة النجوم، وسجَّل حضورًا دائمًا ومألوفًا في البرامج التلفزيونية الحوارية، وظهر باستمرار في مدرّجات الملاعب متفاعلًا مع الجماهير، وواظب على الردّ المباشر والعفوي على معجبيه في منصات التواصل الاجتماعي المختلفة. حافظ العيسى على حسّه الكوميدي وأسلوب حديثه، ودمج شخصية «عامر» بشخصيته الواقعية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من هويته العامة التي تلازمه مثل ظلّه. تحوَّلت هذه الشخصية إلى ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها، تُقتطع لقطاتها لتُستخدم أدواتٍ تعبيريةً، وتتغلغل مفرداتها وجملها في الأحاديث اليومية.

والمفارقة أنّ شخصية «عامر» تتجرَّد من المقومات التقليدية التي تصنع البطل الكلاسيكي. يفتقر «عامر» إلى الوسامة التي تجذب الكاميرا، ويعدم الذكاء الاستثنائي القادر على حياكة المواقف المعقَّدة، ولا يمتلك صفة الغباء الفطري المضحك الذي يُعدّ كاركترًا مفضّلًا في الكوميديا المحلّية، وإنما يكمن عنصر الجذب في حزمة التناقضات الصارخة التي تسكنه. يطلّ «عامر» شخصيةً فوضويةً تفتقر إلى التهذيب، وتكثر الجدال وتقع في الأخطاء الساذجة باستمرار، ويتبنى شخصية «الدرباوي» المتعجرفة؛ يظهر هذا الانتماء في لغة جسده، ونبرة صوته، والأمثال الشعبية التي يلقيها، لكنه يكسر صورته النمطية السلبية فجأة، ويتصدَّر المشهد ويقوم بأدوار إيجابية حاسمة ومفصلية. يتصدَّى لقضايا شائكة مثل الفساد الإداري، ومخاطر المخدرات، والابتزاز الإلكتروني، ويطرح لها حلولًا درامية مبسطة ومباشرة تلامس حدود السذاجة المفرطة أحيانًا. كرَّس هذا التناقض بين الشكل الفوضوي والمضمون الأخلاقي حضوره بطلًا شعبيًا أصيلًا قادرًا على إحداث تأثير إيجابي يتجاوز عيوبه الظاهرة وسلوكياته المتمرّدة.

مسلسل "شباب البومب 14"
مسلسل «شباب البومب 14»

تبرز قوة شخصية «عامر» الحقيقية في هذه المساحة الواسعة التي خلقها لنفسه بمرور السنوات، لتتيح له مساحة مطاطية للتلون ولعب أدوار شديدة التباين، ويتقبّلها الجمهور برحابة من دون تشكيك؛ لأنه يمارس الخير بسجيته واندفاعه العاطفي النبيل، ويمارس الشرّ والأذى انطلاقًا من عيوب شخصيته المتسرعة وتركيبته الفوضوية غير المنضبطة. يتجاوز «عامر» فخّ التحوّلات الصادمة والمُفتعلة، لامتلاكه رصيدًا ضخمًا من الحلقات والتراكمات التي تمنح شخصيته مرونة عالية، وتخلق لدى جمهوره شعورًا بالاستقرار، مثل مَن يزورونه سنويًا في طقس رمضاني مألوف، ليطمئنوا على بقائه كما عهدوه، بطلًا محبوبًا يُشبههم ويُشبه تناقضاتهم، ورفيقًا لرحلة نضوجهم.

فيلم شباب البومب
فيلم شباب البومب (2024)

يكمن العمق السوسيولوجي والاقتصادي المثير للاهتمام هنا، حين انتقل إلى صالات السينما وحصد الفيلم إيرادات ضخمة، في الآلية المعقَّدة التي جرت بها المشاهدة السينمائية ذاتها؛ إذ إنّ الأطفال والمراهقين يشكلون الكتلة الجماهيرية الرئيسية لهذا العمل، وتفتقر هذه الفئة العمرية إلى الاستقلال المادي والقدرة على اتخاذ قرار الذهاب إلى السينما بشكل فردي ومستقل. يرتبط الذهاب إلى الصالات بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين بمنظومة العائلة، ويخضع لموافقات مسبقة وترتيبات، تحول رغبة الطفل في مشاهدة الفيلم إلى قرار عائلي جماعي يُفرض على بقية الأفراد، ويستوجب التوافق مع أوقات الفراغ المشتركة للأسرة، واقتطاع ميزانية عائلية، وتفريغ يوم كامل أو جزء كبير منه لخوض هذه التجربة الجماعية المفروضة من القاعدة إلى القمة. شكّلت هذه الديناميكية العائلية الفريدة في مشهدنا السينمائي حجر الزاوية في تحويل اسم العمل إلى علامة تجارية وسلعة ترفيهية عالية قابلة للتسويق المتعدِّد، ومنصة مُغرية لنسج شراكات إنتاجية وتسويقية تدرُّ أرباحًا طائلة.

شباب البومب
مسلسل شباب البومب (2026)

يتجرَّد تقييم «شباب البومب» في نهاية المطاف من أحكام القيمة الفنية المُطلقة، لكونه يفتقر إلى الفنية ومعايير الجودة في البناء الدرامي والعمق البصري، ويُعدُّ هذا الخلل أمرًا مفهومًا ومتوقَّعًا في سياق ظروف إنتاجه وتوجّهاته الجماهيرية المباشرة. لكنه يكتنز في المقابل بثراء سوسيولوجي وثقافي هائل، ويحمل في طياته إمكانات بحثية لفهم التحوّلات المجتمعية وتتبُّع حركة التغيير السريعة بين الأجيال المتلاحقة. يكشف المسلسل عن اختلاف جذري في أنماط التلقّي واستهلاك المحتوى، ويوثّق بوضوح فصول الصراع الكلاسيكي بين الذائقة النخبوية المتعالية والروح الشعبية الجارفة، وينتمي إلى فصيلة الظواهر المركَّبة التي سيُعاد اكتشافها ودراسة تأثيراتها بمرور الوقت وابتعاد المسافة الزمنية. يضعنا هذا الطرح أمام ضرورة، داخل المشهد الثقافي، لإعادة النظر في هذا المنتج بعين فاحصة تُفكّك وتُحلّل، وتستند إلى أدوات تنتمي لحقل الدراسات الثقافية والاجتماعية، فيرافق النقد الموضوعي والنقاشات الفكرية الجادّة مسيرة كلّ عمل فنّي ناجح ومؤثّر ويغدو جزءًا أصيلًا من رحلته وتطوّره.

اقرأ أيضا: هل نجاح «شباب البومب» يستحق الإحتفاء؟

شارك هذا المنشور