فاصلة

مقالات

سحر «الحركة البطيئة» في سينما كارلو أنشيلوتي!

Reading Time: 4 minutes

يقف كارلو أنشيلوتي على بُعد متر من خطّ التماس، مرتديًا بدلة من ثلاث قطع. ليس لديه الكثير ليُثبته في السادسة والستين من عمره، ومع ذلك، تضعه كرة القدم أمام امتحان جديد لإسعاد أكثر من 200 مليون برازيلي، وملايين غيرهم ممّن ارتبطوا بسحر السيقان السمراء الإيقاعية. هو المدرّب الأكثر تتويجًا بالألقاب بين مدرّبي المونديال، ويقود المنتخب الأكثر تتويجًا بكأس العالم… وقد تكون النهاية بطعم الميلودراما.

في ملامحه الهادئة تعبيرات كثيرة، وفي حضوره كاريزما تؤهّله لأداء دور رمادي في سينما سكورسيزي وسيرجيو ليوني، أو رجل العائلة حول مائدة الطعام في إحدى حكايات فليني عن روما.

ثمة لحظة لأنشيلوتي على خطّ التماس تبدو وكأنها مستلّة من سحر السينما. لحظة التقطها بشاعرية مرهفة مخرج مباراة نصف نهائي دوري أبطال أوروبا بين ريال مدريد وبايرن ميونيخ عام 2024، بعد تسجيل ريال مدريد هدفًا في الدقائق الحاسمة. انتشرت تلك اللقطة بعدما استخدمت عين ذكية في عالم الشبكات الاجتماعية تقنية «الحركة البطيئة»، وأضافت إليها موسيقى تصويرية، بينما تلاحق الكاميرا أنشيلوتي وهو يدير ظهره للحدث الرئيسي على أرض الملعب. من حوله جمهور ثائر، ولاعبون يتقافزون في كلّ اتجاه، فيما يطلب هو الهدوء بثقة مَن يمسك بتفاصيل اللحظة، في مشهد ينافس أشهر مَشاهد الحركة البطيئة في تاريخ السينما.

@championsleague Coolest man in the room. #UCL ♬ original sound – cfctheo

تؤدّي تقنية الحركة البطيئة في كرة القدم وظيفة تُشبه تمامًا ما تؤدّيه في السينما؛ فهي تمنح الحدث ثقلًا دراميًا، وتصنع لذاكرته صورة بصرية، وتُبطئ إدراكنا له، فتمنحنا وقتًا لرؤية ما كان خافيًا داخل الحركة، فيبقى أثره طويلًا في النفوس. والمفارقة أنّ تقنية الإعادة البطيئة ظهرت للمرة الأولى في الولايات المتحدة عام 1961، خلال مباريات كرة القدم الأميركية، قبل أن تتطوّر في ستينات القرن الماضي.

صحيح أن تجربة مشاهدة مباراة كرة القدم لا تكتمل إلا في الملعب، لكن التلفزيون نافسها عندما استعار لغة السينما، فأعاد تعريف مُشاهدة اللعبة. فالهدف لم يعد مجرّد كرة تهزّ الشباك، إذ صار مشهدًا يُعاد عرضه مرارًا من زوايا مختلفة. «كل هدف هو لحظة شعرية»، وفق وصف المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة «لها شعراؤها وكتّاب نثرها»، والذي ستجمعه حكاية طريفة بكارلو أنشيلوتي، دوّنها الأخير في مقدمة كتابه «الحلم». 

ففي مارس 1975، كان المخرجان الإيطاليان بيير باولو بازوليني وبرناردو برتولوتشي يُصوّران في موقعَيْن منفصلَيْن بالقرب من منزل كارلو. كانا صديقَيْن، لكنهما تشاجرا، كما عادة الأنداد في ساحات المنافسة والأوهام الكبرى. ولاستعادة صداقتهما، اقترح طرف ثالث إقامة مباراة كرة قدم بين طاقمَي التصوير.

كان فريق برتولوتشي يفتقد لاعبين لإكمال تشكيلته، فوقع الاختيار على كارلو، ابن الخامسة عشرة، الذي لم يكن يعرف اسمَي المخرجَيْن ولا يكترث بهما، مكتفيًا بمطاردة الكرة تحت أي ذريعة. احتالوا على بازوليني وأخبروه بأنّ كارلو أحد فنيّي المعدّات الذين التحقوا حديثًا بموقع التصوير، بينما كان في الحقيقة أحد مهاجمي فريق بارما للشباب. فاز فريق برتولوتشي/أنشيلوتي، وكان تأثير الأخير حاسمًا، الأمر الذي أغضب بازوليني، الذي اعتاد تنظيم مثل هذه المباريات في مواقع تصوير أفلامه.

مباراة بازوليني
كارلو أنشيلوتي خلال مباراة طاقم فيلم «سالو» لبازوليني وفيلم «1900» لبرناردو برتولوتشي (1975)

يشترك مدرّب كرة القدم مع المخرج السينمائي في اضطرارهما إلى التعامل مع نظام النجوم، وما يفرضه من مهارات تواصل وحنكة في إدارة الطموحات وهشاشة الأنا. وخلال مسيرته، كان كارلو ذلك الرجل، الذي عرف أيضًا كيف يفجّر طاقات النجم لمصلحة المجموعة، معتمدًا على «حدسه»، تمامًا كما فعل المخرج السويدي إنغمار برغمان، الذي قال: «ثمة شيء واحد يحظى لديّ بكل الأهمية، وهو أن الممثل كائن خلّاق، وما على حدسك إلا أن يكتشف كيف يُطلق الطاقة الخلّاقة فيه. ولا أستطيع أن أشرح كيف يحدث ذلك، فلا علاقة للأمر بالسحر، إنما يرتبط إلى حد كبير بالتجربة». 

وإذا كان الممثل بحاجة إلى عين المخرج التي تضبط أداءه نيابة عن الجمهور، فإنّ لاعب كرة القدم بحاجة إلى مدرّب يخترق عقله بـ«التوجيهات الدقيقة»، ويتعامل معه كما كان برغمان يتعامل مع ممثليه، فلا «يغمر الممثل بالتوجيهات والتعليمات»، بل يجعل كلماته قليلة، لأن «التحليل الفكري لا يساعد كثيرًا الممثل في أدائه. التوجيهات الدقيقة وبعض التصميمات التقنية هي ما يحتاجه في الأداء، من دون زخارف أو استطرادات». 

 كارلو أنشيلوتي
كارلو أنشيلوتي

وهذه هي الفلسفة التي تعلّمها كارلو خلال مسيرته التدريبية الطويلة؛ فلسفة تقوم على إقناع اللاعبين بالطريقة التي ستمكّنهم من تجاوز المباراة. يقول: «تقنع اللاعبين، وتدرّبهم، وتكرّر عليهم فكرتك مرارًا حتى إنهم يسمعونك وهم نائمون. تقول لهم إنّ كلّ خبراتك تؤكد أنّ هذه هي أفضل وسيلة لهزيمة الخصم، ثم في يوم المباراة، تقف على خطّ التماس وتصلّي إلى الله أن تنجح الخطة». 

سيصلّي كارلو طويلًا فيما تبقى من الأدوار النهائية، ساعيًا إلى «نهاية سعيدة»، على مقربة من هوليوود التي ابتكرت فكرة «النهاية السعيدة»، وجعلت منها مطلبًا يستجيب لرغبة المتفرج في الهروب من مرارات الواقع وتعقيداته، كما يرى إدغار موران في كتابه الفريد «نجوم السينما». 

واللافت أن «نظرية التعقيد»، التي طوّرها موران في الفلسفة وعلم الاجتماع، نجحت في التسلّل إلى أساليب التدريب الحديثة في كرة القدم والتأثير فيها، عبر مسار تراكمي وصل إلى مدرّبين مثل جوزيه مورينيو وبيب غوارديولا، وفق الصحافي الرياضي آدم بيت. وبفضل هذه النظرية، لم تعد كرة القدم مجموعة عناصر منفصلة، وإنما نظام حيّ معقّد يؤثّر فيه كلّ عنصر باستمرار في العناصر الأخرى. فهي مزيج مترابط من اللياقة البدنية، والمهارة، والتكتيك، والجانب النفسي، لأنّ «الكلّ يؤثّر في الجزء، والجزء يؤثّر في الكل». فكلّ قرار يتّخذه اللاعب يتأثّر في اللحظة نفسها بمكان الكرة، وحركة زملائه، وحركة المنافس، والوقت، والنتيجة، والضغط النفسي، لذلك لا يمكن تدريب هذه العناصر بصورة منفصلة ثم توقُّع نتائج جيدة.

 كارلو أنشيلوتي
كارلو أنشيلوتي

هضم كارلو أساليب التدريب الحديثة، وأضاف إليها عنصر «العقل البارد». لم يُغيّر سرعة كرة القدم، لكنه غيَّر الطريقة التي تُدار بها لحظاتها الحاسمة. يشعرك بأنه يشاهد المباراة بحركة بطيئة ممتدّة، بينما يعيشها الجميع بسرعتها الحقيقية، فتبدو الفرق التي يدربها وكأنها تمتلك رفاهية الوقت؛ لا لأنها أبطأ على أرض الملعب، وإنما لأنها الأكثر هدوءًا في اتخاذ القرار.

ستقسو عليك كرة القدم يا كارلو، كما فعلت مع غيرك، لكننا سنراك في لقطة بطيئة على خطّ التماس، تصلّي إلى الله بكلّ هدوء أن تنجح الخطة. 

شارك هذا المنشور

أضف تعليق