بعد عشرة أعوام على رحيل المخرج الإيراني عبّاس كيارستمي، لا نزال نعود إلى أفكاره ورؤيته مثلما نعود إلى أفلامه. فما تركه لم يكن مجموعة أفلام تتجدّد أبعادها مع كلّ مشاهدة فحسب، فقد ورثنا منه رؤية شاملة إلى الحياة بكلّ تعقيداتها، تقوم على الفضول، وعلى مراقبة الوجود، وعلى اعتبار الخطأ فرصة، والشعر لحظة صفاء نادرة، والمُشاهد شريكًا لا مجرد متلقٍّ. في عشرية غيابه المبكر عن 76 عامًا، نستعيد من ماستر كلاس له غير منشور قدّمه في مهرجان مراكش قبل أشهر من رحيله، أبرز الدروس التي لخّص فيها صاحب «طعم الكرز» فلسفته أمام الكاميرا وخلفها، وهي دروس معنيّ بها كلّ مَن يؤمن بأن الفنّ يبدأ من النظر إلى العالم بعين توّاقة إلى الفهم والمعرفة.
1 – في الأصل… الفضول
«لم يكن في نيتي أن أصبح سينمائيًا. طمحتُ إلى الرسم. لذلك، فإن تحوّلي إلى إنجاز الأفلام جاء بالمصادفة، وإن أعتقد أن الحياة، في النهاية، قد لا تعرف المصادفات. حين أحاول أن أفهم لماذا أصبحتُ مخرجًا، لا أجد مرجعًا أعود إليه سوى عائلتي. فقد نشأتُ مع إخوتي في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نفسها، ومع ذلك انتهت بنا الحياة إلى طرق مختلفة تمامًا. والتفسير الوحيد الذي أستطيع أن أقدّمه هو الفضول؛ ذلك الفضول الذي لم يكن يعرف نهاية، والذي ميّزني عنهم. وأعتقد أن الفضول هو إحدى الصفات الجوهرية التي ينبغي أن يتحلّى بها السينمائي. فمن دونه، يصعب على الإنسان أن يراقب، وأن يطرح الأسئلة. أن يصنع فنًّا. عندما كنت في الثانية عشرة أو ربما الرابعة عشرة، كانت السينما لا تزال ظاهرة حديثة نسبيًا في إيران. وجدتني متعطّشًا لمشاهدة أكبر عدد ممكن من الأفلام، ولذلك رحتُ أقصد الصالات باستمرار. لم أكن وحدي في ذلك، بل كان لديّ أصدقاء يشاركونني الحماسة نفسها. ومع ذلك، لم يصبح أيٌّ منهم سينمائيًا. أحدهم صار ضابط شرطة، وآخر رجل أعمال، وثالث طبيبًا، أما أنا، فها أنا ذا أنجز الأفلام».

2 – الحياة سلسلة مصادفات
«إذا حاولتُ أن أفسّر لماذا أصبحتُ أنا سينمائيًا بينما لم يصبح أصدقائي سينمائيين، فسأجد صعوبة في تقديم جواب واضح. يميل الإنسان إلى أن يعزو الأشياء إلى المصادفة. غير أن المصادفات في حالتي تعاقبت بطريقة جعلتها تبدو كأنها حلقات في سلسلة واحدة. وهل كانت مصادفات فعلًا، أم أن مسارها كان مقدّرًا له أن يحدث؟ لا أملك جوابًا.
بدأتُ حياتي المهنية مصمّمًا غرافيكيًا. من خلال هذا العمل دخلتُ مجال تصميم الملصقات السينمائية وشارات الأفلام. ثم انتقلتُ إلى إخراج الإعلانات التجارية، قبل أن أجد نفسي، أنجز أفلامًا للأطفال. كان كلّ حدث يقود بصورة طبيعية إلى الحدث الذي يليه، وهكذا وصلتُ إلى ما أنا عليه اليوم. كان هناك معهد يُعنى بالتنمية الفكرية للأطفال والناشئة. وكانت أولى تجاربي معه بصفتي رسّامًا توضيحيًا. أحيانًا، أمازح نفسي قائلًا إنني كنت رسّامًا متواضع المستوى إلى درجة أنهم لم يشاؤوا أن يجرحوا مشاعري. وربما قالوا في أنفسهم: لوحاته ليست بالمستوى المطلوب، لعلّه يستطيع أن يقدّم لنا شيئًا آخر. وفي حلول ذلك الوقت، كنت قد اكتسبتُ، من خلال عملي في الإعلانات، شيئًا من الخبرة في استخدام الكاميرا. ولهذا طُلب إليّ المساهمة في تأسيس قسم للسينما داخل ذلك المعهد. هكذا، بدأت علاقتي الفعلية بالأفلام كصناعة».

3 – السينما تُكتَشَف ولا تُدرَس
«كان أول فيلم أنجزته يستند إلى سيناريو مكتوب يحكي قصّة طفل يخرج ليشتري الخبز، ثم يحاول العودة إلى منزله. لكن عليه، لكي يصل إلى البيت، أن يعبر شارعًا يقف فيه كلب يخشاه بشدّة. عندما قررتُ إنجاز هذا الفيلم، احتجتُ إلى طفل يؤدّي الدور. في ذلك الوقت، لم يكن في إيران ممثّلون أطفال، لأن الأطفال لم يكونوا قد أصبحوا بعد جزءًا مهمًا من السينما الإيرانية. فاضطررتُ إلى العمل مع طفل غير محترف. ثم احتجتُ إلى كلب، ولم يكن هناك كلب محترف أيضًا. حتى أنا نفسي، لم أكن مخرجًا محترفًا بعد. وهكذا وجدنا أنفسنا ثلاثةً: مخرجًا قليل الخبرة، وطفلًا لم يتلقَّ أي تدريب على التمثيل، وكلبًا لا يعرف الانضباط. وجب علينا اجتياز هذه التجربة معًا، وسط الكثير من المحاولات والمشقّة. من قلب تلك المعاناة، وُلد شيء ما في النهاية. وأذكر أن أحد النقّاد، الذي لم يُعجَب بالفيلم كثيرًا، قال إنه بدا وكأنه يعيد اكتشاف السينما. لم يكن يقصد ذلك على سبيل المديح، وأنا أتفق معه. فقد كان بالفعل إعادة اكتشاف، بل اكتشافًا خالصًا، لأنني لم أكن أمتلك أي معرفة أكاديمية أو منهجية. خلاصة القول، أمضيتُ أكثر من عشرين عامًا أعمل مع الأطفال، وأنجز أفلامًا عنهم. وكانت تلك الرحلة، برفقة هذه الكائنات الرائعة، العنيدة، التي يستحيل إخضاعها بالكامل، هي التي صاغت، في النهاية، أسلوبي الخاص».
4 – الخطأ ليس عطبًا
«عندما أنجزتُ «كلوز أب»، كان محسن مخملباف قد أصبح مخرجًا إيرانيًا معروفًا، على نطاق واسع. فاستغل أحد الرجال الشبه اللافت بينه وبين مخملباف، وأخذ ينتحل شخصيته. دخل منزل إحدى العائلات بهذه الهوية الزائفة، مدّعيًا أنه جاء لينجز فيلمًا عنها. وقد جرت هذه الحادثة بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب الإيرانية العراقية، وهي مرحلة كانت تطغى فيها على المجتمع الإيراني حالة من الإحباط. وكانت العائلة التي قصدها هذا الرجل مستعدة، أكثر من غيرها، لتصديق الفكرة والترحيب بها، ذلك أن الأبناء كانوا عاطلين عن العمل، بينما كان الأب ضابطاً عسكريًا متقاعدًا. اجتمعت هذه الظروف كلها لتجعلهم يستقبلون تلك الفرصة غير المتوقّعة بحماسة كبيرة. وعلى مدى عشرة أيام، عاش ذلك الرجل مع أفراد العائلة. وقد قال لاحقاً، أثناء محاكمته، إنه كان رجلاً فقيرًا، فاستمتع بكلّ ما ناله من اهتمام واحترام، فضلًا عن الطعام والمأوى. اعترف أيضًا أنه، في مرحلة ما، أدرك أن العائلة بدأتْ تشكّ في وجود أمر غير طبيعي، لكنه لم يتمكّن من مغادرة المكان، لأن التجربة كانت قد أصبحت بالنسبة له ثمينة أكثر ممّا ينبغي. فقرر أن يبقى، مهما تكن العواقب، ليرى ما الذي سيحدث عندما تُكتشَف الحقيقة. وفي نهاية المطاف، حدث ذلك فعلًا: اكتشفت العائلة أنه ليس بمخملباف، فسلّمته إلى الشرطة. والمشهد الذي شاهدتموه للتو يتطابق مع لحظة الإفراج عنه من السجن. صُوِّر ذلك المشهد على نحو دقيق ومحدد. كنت طلبتُ من مخملباف أن يأتي بشكل مفاجئ للقاء الرجل الذي كان يُفرج عنه، وهو يعلم أن هذا المُنتحل كان يكنّ له إعجاباً ومودّة حقيقيين. كان هذا اللقاء يُفترض أن يكون القلب العاطفي للفيلم، اللحظة التي يتداخل فيها الواقع مع إعادة البناء السينمائي. كما طلبتُ منه أيضًا أن يصل على دراجته النارية، وأن يقلّ الرجل معه عائدًا إلى العائلة التي عاش معها خلال تلك الأيام العشرة قبل اعتقاله. وأعتقد أن إصراري على الدراجة النارية هدفتُ منه إتاحة لحظة من القرب الجسدي بين الرجلين، إيماءة قصيرة من الحميمية.

كان كلّ شيء يسير بسلاسة، تمامًا كما تمنيتُ، إلى أن حدث شيء في لحظة ما، قلب المشهد بالكامل.
فجأةً، بدأ مخملباف يُدلي بتصريحات كانت، في رأيي، غير مناسبة. فبدل أن يسمح لهذا اللقاء الخاص بأن يتطوّر بشكل طبيعي، وبدل أن يتلقّى كلمات المودّة التي كان من المرجّح أن يسمعها، انزلق إلى شيء آخر تمامًا. بدأ يعبّر عن شعوره بالذنب، وعن عدم رضاه، وربما حتى عن نوع من القلق تجاه موقعه ومهنته. في تلك اللحظة، ما عدتُ أعرف ماذا أفعل بالشريط الصوتي. لم يكن هناك سوى حلّ واحد ممكن. كانت لدينا الصور التي نريدها، لكن عندما استمعتُ إلى التسجيل، أدركتُ أنني لا أستطيع استخدام الصوت. كان ذلك هو نهاية الفيلم: لحظة التقاء بين شخصين، بين العاشق ومن يكنّ له الإعجاب؛ لحظة إمكان الحميمية والثقة. وفجأة، بدلًا من ذلك، أصبح لدينا سلسلة من التصريحات، خطاب قد يكون صحيحًا في ذاته، لكنه من خارج السياق. أذكر أنني أصبتُ بالحمى. مرضتُ حرفيًا، ما عدت قادرًا على اتخاذ قرار في شأن ما ينبغي فعله. في النهاية، وجدتُ أن الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله هو أن أحذف الصوت، وأن أقول لمخملباف إن مشكلة تقنية حدثت في الميكروفون. وبطبيعة الحال، لم تكن الفكرة فكرتي. لقد استعرتها من رونوار (ليس المخرج السينمائي، بل والده الرسّام). كنت قد سمعتُ حكاية عنه: وهو ينهي لوحته، فجأةً، وبينما كان يرفع فرشاته، سقطت قطرة من الطلاء على القماشة. بدا الأمر كارثة. تساءل عمّا ينبغي فعله، ثم قرر أن يحوّلها إلى كرسي داخل التكوين.
لاحقًا، قيل إنه أدرك شيئًا مهمًا: لولا ذلك الكرسي في المقدّمة، لكان هناك نقص ما في اللوحة. وهكذا، يمكن الكارثة في البداية أن تتحوّل، أحيانًا، إلى فرصة تخصّ العمل نفسه. بعد ذلك، أخبرني العديد من المخرجين الذين شاهدوا الفيلم أنهم غبطوني على ذلك الحادث، ذلك «الخطأ التقني» غير المتوقّع في ذلك المشهد. وكان من بينهم فرنر هرتزوغ، الذي قال لي مرة: يا له من حظّ سعيد أن يحدث خلل يجبرنا على أن نتخيّل الحوار بين العاشق والمعشوق، بدل أن نسمعه مباشرةً عبر آذاننا المتطفّلة. وضعتُ هذا الأمر في اعتباري كلما صوّرتُ فيلمًا: كيف يمكننا أن نتجنّب إظهار ما لا ينبغي إظهاره، وأن نتجنّب سماع ما لا ينبغي سماعه؟ فمجرد امتلاكنا ميكروفونًا وكاميرا لا يعني أننا ملزمون تسجيل كلّ شيء».

5 – الشعر ليس أسلوبًا: هو لحظة غير قابلة للتكرار
«وصف «شعري» قد يكون أعلى إطراء يمكن أن يُوجَّه إلى عمل فنّي. فعندما نصادف لوحة تبدو استثنائية، نصفها بأنها شعرية. ونفعل الشيء نفسه مع الموسيقى. وحتى في الحديث اليومي، عندما نسمع شيئًا يبدو جديدًا أو غير متوقّع أو صادقًا، نقول إنه شعري. لديّ صديق في إيران يخرج أفلامًا عنيفة. وقد سألني ذات مرة إن كنت أستطيع أن أرى نوعًا من الشعر في مشاهد الدماء التي يعرضها. شخصيًا، لم أرَ ذلك، لكنني أعتقد أنه كان صادقًا في طرح السؤال. قد يعود ذلك إلى أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، يريدون أن ينجزوا أفلامًا شعرية. لكن الشعر ليس شيئًا يمكن استدعاؤه متى شئنا. أنتَ ببساطة تتبع فكرة الفيلم كما هي: تكتبها، تصوّرها، تنفذها بأقصى ما يمكنك من الصدق. ثم، في لحظة ما، قد يحدث شيء لا يتكرر، وتكون محظوظًا اذا استطعتَ التقاطه. الأمر شبيه بكرة القدم. يمكنك أن تشاهد مباراة لمدة تسعين دقيقة، ومع ذلك قد لا يظهر سوى ثانية واحدة يصل فيها لاعب ما إلى مستوى يمكن وصفه حقًا بأنه شعري. لحظة من الصفاء، أو الإلهام، أو الكمال الذي يؤدّي إلى هدف. وصناعة السينما تشبه ذلك إلى حد كبير. أنتَ تعمل لفترة طويلة على أمل الوصول إلى تلك اللحظة، وإذا حالفك الحظ، فقد تتمكّن من التقاطها. لهذا أرى الشعر شيئًا نسعى إليه، لكنه يظلّ، في معظمه، بعيد من متناولنا».
6 – الفيلم يكتمل عند المُشاهد
«كثيرًا ما أكتشفُ، خلال جلسات الأسئلة والأجوبة بعد العروض، أن المشاهدين لاحظوا في أفلامي أشياء لم أكن أنا نفسي واعيًا لها. أحيانًا يرون بشكل مختلف عمّا أراه أنا. كما قلتُ في البداية، أصبحتُ مخرجًا بالمصادفة. وأنا لا أقول ذلك تواضعًا زائفًا، انها الحقيقة. وإذا كنتُ أقبل أن دخولي إلى عالم السينما كان محض مصادفة، فكيف يمكنني أن أتجاهل احتمال أن يكون في صفوف أي جمهور أشخاص قد يصبحون في المستقبل سينمائيين؛ أشخاص كان يمكنهم، في ظروف مختلفة، أن ينجزوا أفلامًا ثم كيف لي، بعد أن أقدّم فيلمًا، أن أقف أمام الجمهور وأقول له ما الذي يعنيه المشهد الفلاني، وكيف ينبغي فهمه، أو ما الذي يجب أن يستخلصوه منه؟
أحاول أن أنجز الأفلام على نحو يسمح للمُشاهد بالمشاركة فيها. أريد للجمهور أن يكتشف أبعادًا ومعاني قد لا أكون أنا، بصفتي صاحب الرؤية، واعيًا بها أصلًا. ينبغي للفيلم ألا يكون كيانًا مغلقًا، يُحسَم معناه بشكل نهائي من طرف صانعه. كلّ متفرج يصل إلى السينما محمّلاً خلفية مختلفة، وحساسية مختلفة، وتجربة حياة مختلفة، وحالة ذهنية مختلفة. فكيف يمكن أن يخرج الجميع من القاعة وهم يحملون الفيلم نفسه بالضبط في داخلهم؟ هذا غير ممكن، بل إنه غير مرغوب فيه أصلًا هذه بالتأكيد ليست السينما التي تهمّني. أفضّل أن يخرج كلّ متفرّج من القاعة بفيلم شارك هو نفسه في صنعه. فيلم تشكّل عبر إدراكاته الفردية، مشاعره، ذكرياته، خياله.

على سبيل المثل، أثناء مشاهدتي مقطعًا من «عشرة» رأيناه للتو، تذكّرتُ أنني لم أشاهد الفيلم منذ فترة طويلة. وبينما كنت أستمع إلى الطفل وهو يتحدّث، وجدتُ نفسي متشوّقًا لرؤية الأم، لاكتشف مَن تكون هذه المرأة التي نستمع إليه. كنت حقًا أنتظر ظهورها. وبالنظر إلى الخلف، أعتقد أن هذا بالضبط ما وددته حين أنجزتُ الفيلم. أردتُ للنساء اللواتي يعشن ظروفًا مشابهة لظروفها أن يستطعن التماهي معها، أو أن يجدن في علاقتهن بأبنائهن شيئًا من تجربتهن الخاصة. هذا هو نوع السينما الذي أؤمن به: سينما غير مكتملة. يجب ألا يُكمل الفيلم صاحبه وحده، وإنما ينبغي أن يتكوّن في أرض مشتركة، عبر لقاء بين المخرج والمُشاهد. عندها فقط يكتمل».
7 – لا تكرر نفسك…
«بعض الأسئلة من النوع الذي يمكن المرء أن يأمل في الإجابة عنه على أريكة محلّل نفسي. فهو يتعلّق بمدى وعينا بما نقوم به، وإلى أي حد يكون ذلك تحت سيطرتنا فعلًا. أشعر أن كلّ فيلم ينبغي أن يُنجَز بشكل مستقل، لا فقط عن بقية أعمالنا، وإنما أيضًا عن السينما ككلّ. فعندما تكون في صدد عمل جديد، تجد نفسك أمام عدد لا يُحصى من المشاكل العملية التي تتطلّب حلولًا فورية. وتستهلك معظم طاقتك في التعامل مع هذه التحديات اليومية. ونتيجة لذلك، لا تفكّر بوعي في أوجه التشابه بين الفيلم الذي تعمل عليه والأفلام التي أنجزتها سابقًا. ومع ذلك، فإن هذه التشابهات موجودة بالفعل. أشبّه هذا إلى حد ما بامرأة تنتظر مولودها الثاني. خلال فترة الحمل، إلى أي مدى تفكّر في الشبه الذي قد يكون بين هذا الطفل وطفلها الأول؟ تركيزها يكون في مكان آخر. فهي تحاول أن تمرّ بحملها بأفضل حال ممكن، وأن تعتني بنفسها وبالطفل، وأن تلتزم نصائح الطبيب. ولا تظهر بعض أوجه الشبه إلا بعد ولادة الطفل. الأمر نفسه يحدث في الأفلام. تأتي لحظة، غالباً خلال الأخذ والرد مع المشاهدين، يشير فيها أحدهم إلى عنصر متكرر في أعمالك ويسألك إن كنتَ قد لاحظته. لا تكون فقط غير واعٍ به أثناء التصوير، بل قد لا تكون قد انتبهت إليه حتى بعد انتهائه. ومع ذلك، ما إن يُشار إليه حتى تجد نفسك مضطراً للاعتراف بأنه موجود بالفعل. لقد ذكرتُ سابقًا أن أول أفلامي كان عن طفل يخاف من كلب. وقبل فترة ليست بعيدة، أشار لي أحدهم إلى أن أحد أحدث أفلامي يتضمّن أيضًا طفلًا وخوفًا من الكلاب. لم أكن قد ربطتُ بين الأمرين بشكل واعٍ. قد يعني ذلك أن بعض الذكريات، وبعض المخاوف، أو بعض تجارب الطفولة، تبقى معنا طوال حياتنا. وربما تكون ذاكرتي الخاصة عن طفل يخاف من كلب من تلك الأشياء التي ظلت ترافقني وستظل حتى النهاية.
الرغبة في التنوع هي الدافع الأول خلف أي عمل جديد. نحن ننجز أفلامًا جديدة لأننا لا نريد أن نكرر أنفسنا. لكن دعنا نترك السينما جانبًا للحظة وننظر إلى الحياة نفسها. عندما تنتهي علاقة، غالبًا ما نبحث عن شخص يبدو عكس الشخص الذي تركناه للتو. في البداية، نُسَرّ بالاختلافات ونقتنع أننا اخترنا شخصًا لا يشبه شريكنا السابق. ثم، بعد فترة من الزمن، نكتشف أننا لو حاولنا عمدًا أن نجد نسخة طبق الأصل عن الشخص السابق، لما كنّا لننجح في ذلك بشكل أفضل. ففي النهاية، تعود بعض أوجه التشابه لتظهر من جديد بشكل حتمي. هذه هي ببساطة قصّة حياتنا. لذلك فإن التنوع مسألة اختيار، بينما التشابه مسألة واقع. أما بالنسبة لي، فإذا لم يتضمّن مشروع فيلم جديد شيئاً من التجريب، أو احتمالات اكتشاف، فلا أرى سببًا كافيًا لخوضه، خصوصًا في السنّ التي أنا فيها».

8 – السينما لا تعترف بالجغرافيا
«صحيح أنني عشتُ حياتي كلها في إيران، وهي بلد يُنظر إليه غالبًا باعتباره جزءًا من الشرق، لكنني في بعض الأحيان اتُّهمتُ بأنني متأثّر بالغرب أكثر ممّا يجب. لذلك، بعد أن أنجزتُ فيلمًا في الغرب، شعرتُ أن عليّ أن أذهب أبعد، أن أتوجّه إلى الشرق وأن أصوّر فيلمًا في اليابان. كان ذلك نوعًا من إعادة التوازن، أو إظهار أن قدميّ لا تزالان راسختين في أرض إيران، بينما يمتدّ نظري في الاتجاهين معًا، الغرب والشرق. لكنني في النهاية، لا أعتقد أن صناعة السينما تُعرّف بهذه الاعتبارات الجغرافية. هناك جغرافيا واحدة حقيقية في السينما: عالم الفيلم نفسه. وهناك هوية واحدة حقيقية: هي الحالة الإنسانية. أينما كنّا، وأينما عملنا، فإننا ننجز الأفلام كبشر، أولًا وقبل كلّ شيء. أينما كنت في هذا العالم، يمكنك دائماً أن تجد شيئًا يستحق انتباهك، شيئًا يمكنك أن تكرّس له عملك. لهذا، لا أعطي أهمية كبيرة للاختلافات الثقافية. كمُشاهد، يصعب عليّ أن أتخيّل شكلاً من أشكال السينما الغربية أكثر من أفلام «الوسترن» الأمريكية. ومع ذلك، حتى عندما كنت طفلًا، تماهيتُ مع شخصياتها وتأثّرتُ عاطفيًا بقصصها. هذا ينسحب أيضًا على السينما اليابانية. فعندما أشاهد أفلام أوزو، لا أشعر أنني في حاجة إلى أن أنتمي إلى الشرق الأقصى كي أفهمها. إنها تخاطبني مباشرةً. لذلك، لا أرى في الاختلافات الثقافية عائقًا أمام التواصل أو الفهم. بل على العكس، أعتقد أن السينما تتيح لنا أن نتعرّف إلى ما يجمعنا. ولهذا أيضًا تُعد المهرجانات مهمة. فهي تجمعنا وتذكّرنا بإنسانيتنا المشتركة. عندما يكون الفيلم جيدًا، فإننا نتواصل معه. نتواصل مع لقطاته، شخصياته، مشاعره، والقصّة التي يرويها، بغض النظر عن المكان الذي صُوِّر فيه. ولهذا السبب، لا أؤمن بأي جغرافيا سوى جغرافيا العالم. ولا أؤمن بأي هوية أكبر من هويتنا الإنسانية المشتركة. غالبًا ما تركّز وسائل الإعلام على ما يفرّق بيننا. أما الفنّ، والسينما بشكل خاص، فهو، في نظري، موجود ليعيدنا بعضنا إلى بعض».
9 – (مراقبة) الحياة ولا شيء آخر…
«لا أستطيع أن أقدّم نصائح فعلية لأحد. لا أعتقد أن النصائح مفيدة بشكل خاص. لا يتعلّم الناس الكثير من خلال أن يُقال لهم ما ينبغي لهم فعله. هناك طرق أخرى للنموّ وتطوير الذات. كلّ ما يمكنني أن أفعله هو أن أصف طريقتي الخاصة في العمل. أساسًا، لا أستمد إلهامي من السينما أو الأدب أو الروايات أو غيرها من الأعمال الفنية. أنظر إلى ما حولي. أراقب الحياة بأعلى قدر ممكن من الدقّة. ما أحاول فعله في أفلامي هو أن أشارك هذه التجربة مع الآخرين. أسعى إلى أن أنقل شيئاً ممّا رأيته أو شعرتُ به أو فهمته من خلال العيش. لذلك، بدلًا من تقديم نصائح، لا أستطيع إلا أن أروي ما أفعله أنا».
10 – درس أخير؟
«لو توقّفنا للحظة عن مناكفة الحياة، ونظرنا مِن حولنا!».
اقرأ أيضا: العصاميون الكبار: 10 مخرجين اخترعوا السينما خارج الجامعات