في هذه المرحلة من مسيرته، بات سبايك لي يمتلك الحق في فعل ما يشاء، بالطريقة والأسلوب اللذين يراهما مناسبين. إن أراد الاستمتاع، يستمتع. إن قرر التجريب، يجرّب. وإن اختار الجديّة، يفرضها كأمر واقع.
لطالما امتلك أسلوبه الخاص في الاقتباس: يفكّك الأعمال الكلاسيكية بلا تردد، وبقدر واضح من اللامبالاة، ويخرج دائمًا منتصرًا، واثقًا، وراضيًا.
في فيلمه الموسيقي «شي–راك» (2015، «Chi-Raq») اقتبس مسرحية «ليسيستراتا» لأريستوفان، وانغمس في تفسيره الخاص لإضراب النساء عن الجنس. وفي «باس أوفر» (2018، «Pass Over»)، قدّم رؤيته لمسرحية «في انتظار غودو» لصمويل بيكيت، منقولةً إلى شوارع شيكاغو المعاصرة.

إذًا، ليست هذه المرّة الأولى التي يعبث فيها لي بالكلاسيكيات، ولا المرّة الأولى التي يعيد فيها تقديم فيلم آسيوي بطريقته الخاصة. فعلها سنة 2013 مع «أولدبوي» («Oldboy»)، تحفة بارك تشان ووك. وعلى المنوال نفسه، يأخذ «High and Low» (1963) لأكيرا كوروساوا، المقتبس عن رواية «فدية الملك» لإيفان هانتر، ويحوّله إلى أحد أكثر أفلام 2025 إثارةً وغرابة.
في «Highest 2 Lowest» (2025، متوافر على Apple TV)، يقدّم لي مغامرة ممتعة مليئة بعمليات الخطف، وأموال مفقودة، وموسيقى (الكثير من الموسيقى)، وأداء راب رائع لدينزل واشنطن، ومعضلة أخلاقية تعصف بالعقل. يخلط لي رموزه من فنانين ورياضيين، ويستخدم الشاشة ليحتفي بمن يحبهم وينتقد من لا يحبهم، أكثر من مرة. «Highest 2 Lowest» صورة جريئة للفكر المعاصر، يصرّ فيها لي على تذكيرنا بأن الانتباه في عصر التشتيت بات أندر ما نملك.

بعد حوالي عشرين عامًا على «Inside Man» (2006)، يعود سبايك لي ليقود دينزل واشنطن للمرّة الخامسة، ولكن قبل أي شيء يعودان تحت راية الموسيقى. ففي تعاونهما الأول «Mo’ Better Blues» (1990)، جسّد واشنطن عازف بوق وقائد فرقة جاز. أما في «Highest 2 Lowest»، فيتقمّص شخصية ديفيد كينغ، المنتج الموسيقي اللامع وصيّاد المواهب الذي يعرف تماماً كيف يستخدم أذنه. لكن ديفيد، الغارق في استثمار حساس، يتلقى مكالمة تقلب عالمه: ابنه تري (أوبري جوزيف) مختطَف، والخاطف يطالب بفدية قدرها 17.5 مليون دولار. ثم يحدث ما لم يكن في الحسبان: تري يعود إلى المنزل سالمًا. المختطَف الحقيقي، عن طريق الخطأ، هو كايل (إليجاه رايت)، ابن بول (جيفري رايت)، سائق ديفيد. وهنا ينفجر السؤال الأخلاقي في وجهه بلا رحمة: هل يدفع الفدية لإنقاذ ابن ليس ابنه؟

منذ المشهد الافتتاحي، يقدّم الفيلم نفسه كرسالة حبّ صادقة لمدينة نيويورك. يبدع لي لوحة ديناميكية من اللقطات الجوية لمانهاتن، مؤطّرة بشعار برتقالي في إشارة واضحة إلى فريق نيويورك نيكس. من الواضح أنّ لي يرغب في قضاء وقت ممتع، وهذه الاحتفالية الافتتاحية تغمر الفيلم الذي يمتد على أكثر من ساعتين. وسط هذا الكرنفال الموسيقي، يقدّم لي رؤيته النقدية للعالم الحديث. عالم يُدفع فيه الإنسان المعاصر إلى حافة قدراته وحدود شكوكه. ديفيد كينغ، مهما بلغ رصيده المصرفي أو ازدانت جدران منزله بلوحات باسكيا، ليس سوى تجسيد للإنسان اليوم: هش، أناني، خائف، ومثقل بالاحتقار. يضعه لي في قلب فيلم يبدو كأنه عملية محاسبة قاسية للفنّ ومعناه المتحوّل داخل صناعة تركض بلا وعي، وتفقد تدريجًا صلتها بروحها. تلك الروح يبحث عنها الفيلم من بدايته إلى نهايته، والروح نفسها التي يطاردها لي، الغاضبة الساخطة، في واقع مشتّت ومصطنع، بلا قلب ولا جوهر.

من النقاشات المتواصلة حول الموسيقى وأيقونات الفنّ عبر التاريخ، إلى استحضار لوحات الفنانين الأميركيين من أصول أفريقية وما تحمله من إرث أدبي وثقافي، يتجاوز «Highest 2 Lowest» حدود كونه فيلمًا نفسيًا مشحونًا بالموسيقى والأداء الآسر والجاذبية البصرية، ليصبح أيضًا احتفاءً صريحًا بالنزاهة الفنية.
بهذا المعنى، يتمرّد سبايك لي على ثقافة الشهرة السريعة، وعلى الكيفية التي يمكن للخوارزميات أن تضلّل بها المبدعين الشباب وتعيد تشكيل ذائقتهم. فالمتاهة الأخلاقية التي يجد ديفيد كينغ نفسه مضطرًا لعبورها لا تنفصل عن سياق أوسع: ثقافة الإلغاء، تقلّبات سوق الموضة، واستمرار التحيّزات الطبقية والعرقية. كلّها عوامل تصغّر المعضلة الفردية وتكشف هشاشة منظومة كاملة. وفي النهاية، يقدّم لي نقدًا لاذعًا للهوس بالنجاح الفوري، ولمنطق صناعة تلتهم نفسها بينما تفقد صلتها بروح الفنّ ومعناه.
صحيح أنّ الفيلم يحتوي على نهايات متعددة مع بعض الخواتيم، لكن في هذه المرحلة من حياته (يبلغ لي 68 عامًا) لا يبدو سيّئًا أن يطلق العنان لرغباته ويقدّم ما يريد، ونستمتع بما يقدمه لنا.

وفي سن السبعين لا يزال واشنطن يقدّم أداءً رائعًا، ويركض ويقفز، ويثور ويلعب لعبة القط والفأر مع الخاطف، فتتحوّل محطة شارع 161 إلى نقطة انطلاق وختام للمطاردة. وفي الوقت نفسه بوابة لرحلة إلى قلب نيويورك، تماماً كما في المشهد المركزي الطويل داخل المترو، من بروكلين إلى برونكس، مرورًا بساحة الاتحاد، و«غراند سنترال»، وهارلم. هناك، يشقّ دينزل واشنطن طريقه مرتدياً قبعة اليانكيز، الفريق المقرّب إلى قلب سبايك لي، وحاملًا حقيبة ظهر محشوة بالدولارات، في رحلة مضطربة داخل مدينة لا تخفي كراهيتها التاريخية لفريق بوسطن سلتكس، الفريق الذي لا يخفي لي ازدرائه له. وعلى إيقاع الأسطورة البورتوريكية إيدي بالميري، يتحوّل هذا المقطع إلى جزء عضوي من أحد أقوى المشاهد التي قدّمها لي في السنوات الأخيرة.
على الشاشة، ينبض كلّ شيء بإيقاع جذاب، ومرح، وفكاهة، ومخالفة للمألوف. ليس سهلًا التعود على أسلوب الفيلم في البداية، ولكن بعد وقت قصير يصبح كلّ شيء سلسًا. هنا تتجلّى رؤية سبايك لي بكامل قوتها: حين يدافع عن الموسيقى السوداء الأصيلة في مقابل الراب التجاري، وحين يكتشف البطل أنّ دوره الحقيقي هو خدمة مجتمعه، وحين تعاد صياغة نيويورك بصريًا بمزيج دقيق من الرقة والقسوة، وحين يسمح للممثلين بالنظر مباشرة إلى الكاميرا من دون سبب واضح، وحين يجعلهم يتعانقون مرتين في المشهد نفسه بمجرد تقديم الحركة نفسها من زاويتين مختلفتين. والنتيجة فيلم يتلذذ بعيوبه لأنه يدركها ويستمد منها قوته.
اقرأ أيضا: سبايك لي عن «Highest 2 Lowest»: قد يكون آخر أفلامي مع دينزل واشنطن