فاصلة

مراجعات

«رينوار»… الوحدة كقدر جماعي

Reading Time: 4 minutes

في جوهره، لا يقوم «رينوار» (2025، «Renoir») على الحبكة بقدر ما يقوم على الإحساس. إنّه فيلم عن اللحظات الصغيرة، تلك التي تمر نصف مذكورة، لكنها تحمل ثقل الانتقال من البراءة إلى الوعي. الوحدة هي مركزه، ليست عزلة فوكي (يوي سوزوكي) الهادئة فحسب، بل أيضًا الفراغ الذي يحيط بها، وكيفية تعامل الآخرين معه. تُروى الأحداث من منظور فوكي، الطفلة ذات الأحد عشر عامًا، التي تعيش شعور العجز والوحدة وسط واقع قاس: أب يحتضر في مراحله الأخيرة مع السرطان، وأم منهكة بين الألم وضغوط العمل في ظل أزمة اقتصادية خانقة. في مواجهة النهاية الوشيكة، تحاول فوكي أن تفهم ما يحدث لها، أحيانًا عبر السؤال، وأحياناً عبر الشعور، وأحيانًا عبر الأشياء التي تتحول إلى طقوس وداع.

رينوار
Renoir (2025)

الموت والحزن هما محور الفيلم، وبأسلوب رقيق وأنيق وفي سرد شبه سيري يستعيد ملامح طفولة صعبة، تصوغ المخرجة اليابانية تشي هاياكاوا يوميات هذه العائلة التي تتعلم كيف تتعايش مع الموت، بينما تستمر الحياة في المضي قدمًا. تؤكد المخرجة أن الفيلم يستند إلى جزء كبير من حياتها وتجربة طفولتها، وألهمتها زياراتها للمستشفى مع والدها لكتابة هذا الفيلم، حتى أنها ما تزال، إلى اليوم، لا تكتفي باسترجاع الذكريات، بل تستحضر بوضوح روائح طفولتها، طعام الأطفال ورائحة المطهّر في أروقة المستشفيات التي شكّلت عالمها الأول.

كنا قد تعرفنا إلى أول أعمال هاياكاوا، الذي حقق نجاحًا غير متوقع في مرحلة ما بعد الوباء. فيلمها «الخطة 75» (2022، «Plan 75»، جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان، جائزة تُعطى لأفضل أول فيلم)، يقترح مجتمعًا شبه ديستوبي تُمارس فيه سياسة القتل الرحيم بمرسوم رسمي، حيث يُعرّي عالم الشيخوخة الذي نتجه نحوه ويشرحه. أما «رينوار»، فينتقل الآن إلى منظور مختلف تماماً: عين طفلة، والدها يحتضر، وأمها غارقة في انشغال دائم يكاد يكون مألوفًا. النتيجة أن هذه الطفلة تواجه العالم وحيدة، محاطة بغياب الأهل ووطأة الفقد.

رينوار
Renoir (2025)

تجري الأحداث في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وهي مرحلة انتقالية شهد فيها المجتمع الياباني تحوّلًا من إرث ما بعد الحرب إلى عصر رأسمالي متسارع. في هذا السياق، يتجلى ضغط الأم التي تعمل بلا هوادة، كما يتجلى إصرارها على تعليم ابنتها اللغة الإنجليزية، في صورة رغبة جماعية آنذاك للانفتاح على الغرب والتواصل معه. لكن خلف هذه المظاهر، يبرز التوتر الأعمق: الحب الذي لا يكون نقيضه دوماً الكراهية، بل الوحدة. والوحدة هنا ليست عارضًا عابرًا، بل حضورًا دائمًا، يفرض نفسه على المجتمع كقدر لا مفر منه. اختيار وضع القصة في حقبة فقاعة الاقتصاد خلال الثمانينيات يتيح للفيلم أن يعكس تناقضات تلك المرحلة: التفاؤل الاقتصادي المفرط وقد ظلّلته فراغات عاطفية عميقة. إنها اليابان المأسورة بسحر الرفاهية الغربية وبريق الفن الانطباعي. حتى عنوان الفيلم نفسه يستمد معناه من نسخة مكررة للوحة رينوار «إيرين كاهين دانفير»، وهي اللوحة التي أهداها والد هاياكاوا لابنته، لتتحول إلى خيط رمزي منسوج داخل السرد، يربط بين الذاكرة الشخصية والخيال السينمائي.

رينوار
Renoir (2025)

تغامر هاياكاوا باستخدام اللقطات الطويلة ولحظات السكون المديدة، حيث تمتزج الواقعية بالخيال لتكشف عن العالم الداخلي لفوكي. أحلامها، قصصها القصيرة وتجاربها ذات الطابع السحري تتداخل مع التنويم المغناطيسي والتخاطر، لتصوغ تجربة معاشة تتجاوز حدود الإدراك التقليدي. ومع ذلك، فإن الفيلم يظل وفيًا بالكامل لمنظور بطلته الذاتي، فيما يضفي التصوير السينمائي لهيديهو أوراتا نبرة انطباعية خاصة، يغمر المشاهد بضوء طبيعي ناعم وألوان دافئة تستدعي الحنين. في لحظات بعينها، مثل ركوب فوكي دراجتها في شوارع مظلمة أو رقصها منفردة تحت أضواء ملونة، تتحول الصورة إلى ما يشبه اللوحات الفنية.

يقدَّم الفيلم بأسلوب مجزأ، عبر قفزات زمنية ومشاهد يومية مقتضبة. يتنقل «رينوار» بين لحظات مكثفة ومؤثرة فعلًا وأخرى تنزلق نحو حدود التلاعب أو العاطفية المبتذلة، كما في المشهد الذي تلتقي فيه فوكي بشاب متحرش بالأطفال مستعد لإساءة معاملتها وتقبل الذهاب معه في موعد. هذا التفاوت في النبرة والأسلوب يترك لدى المشاهد إحساساً متناقضاً، ويجعل تجربة الفيلم مزيجًا من القوة والارتباك في مقاربته لموضوع التربية المسيئة، وما يرافقها من شعور بالذنب والألم.

Renoir (2025)
Renoir (2025)

قدمت يوي سوزوكي، التي يُقال إنها أول ممثلة اختارتها هاياكاوا عبر اختبار أداء لهذا الدور، أداءً متوهجًا ومشحونًا بالعاطفة. فوكي، الطفلة الفضولية والمنعزلة، وحيدة ولكنها ليست ضعيفة، مبدعة ولكنها واعية بحدة مؤلمة. نظرتها الثابتة تُرسّخ واقعية مجزأة تتخللها انحرافات سوريالية، فيما تتحرك عبر الشاشة بعينين مفتوحتين على اتساعهما، كأنهما نافذة يقظة دائمة. في بعض اللحظات، يبدو أن القوة التفسيرية الكاملة للممثلة الشابة تكمن في هذا التحديق وحده، في إبقاء حدقتيها متقدتين كمنارة داخل العتمة.

رينوار
Renoir (2025)

في «رينوار» نجد أنفسنا أمام مخرجة تتحلى بحساسية وأناقة، وتنجرف نحو القسوة وتستسلم لقيمة الصدمة القسرية، وهو مسار بات شائعاً في السينما المعاصرة. هذا التعايش بين الرهافة والعنف، بين البحث عن الجمال والانغماس في القسوة، يعكس التوتر الجمالي الذي يطبع كثيرًا من التجارب السينمائية الراهنة. القصة نفسها تنساب بلا وجهة محددة، تفكك وتعيد تنظيم حياة تتكشف أمام البطلة. «رينوار» يتنفس من خلال المعاناة الصامتة لشخصياته، ومن خلال ذلك الإحساس الطاغي بالتخلي العميق. النتيجة تجربة سينمائية آسرة، حزينة وغنية، عميقة ومؤثرة. تجربة لا بد أن تُحب.

اقرأ أيضا: «شكوى رقم 713317»… ثلاجة وزوجان ونظام لا يسمع

شارك هذا المنشور