فاصلة

حوارات

دانيال عربيد عن «لمن يجرؤ»: لا أعتقد أنّ اللبنانيين فهموني يومًا

Reading Time: 7 minutes

في فيلمها «Only Rebels Win» أو «لمن يجرؤ»، تضع المخرجة اللبنانية الفرنسية دانيال عربيد أرملة فلسطينية في الستينات من عمرها في مواجهة مجتمع يرفض علاقة غير متوقّعة تجمعها بشاب سوداني مهاجر يصغرها بنحو أربعين عامًا. لكن قصة «سوزان» و«عثمان» تتجاوز العلاقة العاطفية لتطرح أسئلة عن العنصرية والعمر والاختلاف، وعن قدرة الفرد على انتزاع مكان لنفسه في مجتمع يضع حدودًا لما يُسمح له بأن يكونه أو يختاره.

ولم يكن الطريق إلى إنجاز الفيلم أقل تعقيدًا من موضوعه. فبينما كانت عربيد تستعدّ للتصوير في بيروت، بدأ القصف الإسرائيلي للبنان، ممّا أجبر فريق العمل على التخلّي عن خطته الأصلية والبحث عن بدائل. وبدلًا من نقل الحكاية إلى شوارع باريس، اختارت المخرجة حلًّا سينمائيًّا غير مألوف: تصوير مواقع حقيقية في العاصمة اللبنانية، ثم عرض صورها خلف الممثلين أثناء التصوير في الاستوديو، باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي (Rear Projection)، التي وصفتها عربيد بأنها «Transparency».

لمن يجرؤ
لمن يجرؤ (2026)

وتشير عربيد، في حوارها مع «فاصلة» بعد عرض الفيلم في الدورة التاسعة لـ«مهرجان الجونة السينمائي الدولي»، إلى أنّ التصوير كان مقرّرًا في نوفمبر وديسمبر 2024، في وقت كانت إسرائيل قد بدأت، منذ أواخر سبتمبر، تكثيف غاراتها على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت. وتستعيد تلك الفترة قائلة: «في البداية، لم يكن تفكيري منصبًّا على الفيلم؛ كنت خائفة على عائلتي وأصدقائي وبلدي، كان الجميع خائفًا، تخيّلنا أن لبنان سيتحوّل إلى غزة جديدة، فكّرت: (راح يروح لبنان)».

درست عربيد في «جامعة السوربون»، وتعيش في باريس منذ أكثر من أربعين عامًا، وقدّمت خلال مسيرتها أفلامًا روائية ووثائقية وأعمال فيديو آرت، إلى جانب أعمال للتلفزيون الفرنسي. ورغم امتداد تجربتها بين فرنسا ولبنان، لم يكن نقل الحكاية إلى مكان آخر حلًّا مقنعًا بالنسبة إليها؛ فالفيلم مكتوب لبيروت، ولا يمكن استبدال شوارعها بمواقع فرنسية تحاول محاكاتها. كما أن تأجيل التصوير لم يكن خيارًا سهلًا، إذ كانت بطلة الفيلم، هيام عباس، مرتبطة بتصوير عمل تلفزيوني في الولايات المتحدة، ممّا قد يمدّد التأجيل لأكثر من عام.

من هنا جاءت فكرة تصوير المواقع الحقيقية في بيروت وتوثيقها قبل أن تتعرّض لمزيد من الدمار، ثم نقلها إلى الاستوديو في فرنسا. تقول عربيد: «أردتُ الحفاظ على الشوارع التي عرفتها وكتبتها في السيناريو، وشعرتُ كأنني أصوّر هذه الأماكن وأوثّقها للمرة الأخيرة قبل أن تُقصَف».

طلبت المخرجة من فريقها في لبنان تصوير الشوارع والجدران والديكورات الداخلية من زوايا عدّة، من دون ممثلين أو أشخاص أو أثاث، مع مراعاة اتجاه الكاميرا وارتفاعها والمنظور الذي ستظهر به الخلفية لاحقًا. وفي فرنسا، عُرضت صور بيروت خلف الممثلين، وأُضيفت العناصر اللازمة للمَشاهد، لتصبح المواقع الحقيقية خلفية لحكاية أُنجز تصويرها داخل استوديو مغلق لا تتعدّى مساحته 25 مترًا مربعًا.

لم تكن هذه العملية مجرّد استبدال المواقع الخارجية بصور مسجّلة مسبقًا. فقد فرضت التقنية قيودًا على حركة الكاميرا وأداء الممثلين، وألزمت الفريق بابتكار حلول لمواقف تبدو بسيطة في التصوير التقليدي. فلم يكن ممكنًا، مثلًا، تحريك الكاميرا بحرّية في جميع الاتجاهات، أو مطالبة ممثل بفتح باب والنزول على درج غير موجود في الاستوديو.

Eyes Wide Shut (1999)
Eyes Wide Shut (1999)

وتوضح عربيد أن تقنية الإسقاط الخلفي معروفة، واستُخدمت في عدد من الأفلام، خصوصًا أفلام الأربعينات والخمسينات ومَشاهد السيارات والقطارات التي تتحرّك أمام خلفيات مصوّرة. ومن الأمثلة المعروفة استخدام المخرج ستانلي كوبريك لهذه التقنية في بعض مشاهد فيلمه «عيون واسعة مغلقة» (Eyes Wide Shut)، الذي يظهر فيه الممثل توم كروز وهو يسير ليلًا في شوارع نيويورك، بينما كان التصوير يجري في استوديو بلندن.

لكن عربيد أرادت توسيع استخدام التقنية إلى ما يتجاوز مشهدًا أو مقطعًا منفردًا. وتقول إنها لا تعتقد أن هناك فيلمًا روائيًّا طويلًا نُفّذ بالكامل بهذه الطريقة، على النحو الذي اتّبعته في «لمن يجرؤ». كما لم تحاول إخفاء طبيعة الصورة المصنوعة عن المشاهد، وإنما أرادت تذكيره منذ البداية بأن ما يراه ليس تصويرًا مباشرًا للمكان، ثم إعادته في النهاية إلى الاستوديو، كاشفةً عن الآلية التي صُنِع بها الوهم السينمائي.

Dans les champs de bataille
Dans les champs de bataille (2017)

تظلّ علاقة عربيد بلبنان حاضرة في تجربتها السينمائية، من فيلمها الروائي الطويل «في ساحات المعارك» (Dans les champs de bataille) إلى «رجل ضائع» (Un homme perdu) و«الخوف من لا شيء» (Peur de rien). وفي أعمالها، تنشغل بالشخصيات التي تعيش على تخوم المجتمع، وبالتوتّر بين التجربة الفردية والقيود التي تفرضها البيئة المحيطة، كما هي الحال في «لمن يجرؤ».

لكن علاقتها ببلدها، كما تصفها، متناقضة. تقول: «علاقتي بلبنان غريبة ومتناقضة، ولا أعتقد أن اللبنانيين فهموني يومًا، بل أحيانًا أشعر أن اللبنانيين لا يفهمون أنفسهم من الأساس. وهناك مقولة معروفة عن الحرب الأهلية اللبنانية تقول: إذا فسّر لك أحدهم ما حدث في لبنان أثناء الحرب، وفهمت منه، فهذا يعني على الأغلب أنه شرح لك الأمر بطريقة خاطئة! لأن ما حدث أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في تفسير واضح».

وينعكس هذا التعقيد في نظرتها إلى المجتمع اللبناني، الذي يجمع جماعات دينية وثقافية متعدّدة، بما يحمله ذلك من إمكانات للتنوّع، ومن انقسامات وأحكام مسبقة في الوقت نفسه. وترى عربيد أنّ محدودية الإنتاج السينمائي في لبنان قد تجعل الجمهور يتوقّع من كل فيلم أن يمثّل البلد كلّه، مع أن عملًا واحدًا لا يستطيع اختزال مجتمع بهذه التركيبة.

ولا تحصر المخرجة العنصرية في لبنان؛ فهي تراها حاضرة في المجتمعات الأوروبية والأميركية أيضًا، وقد ازدادت وضوحًا مع تصاعد خطابات وأحزاب اليمين المتطرّف في السنوات الأخيرة. وبالنسبة إليها، فإن اختلاف السياقات لا يلغي تشابه الآليات التي تدفع المجتمع إلى رفض شخص بسبب لون بشرته أو عرقه أو دينه أو أصوله.

وتقول إنها تحبّ أن تتضمّن أفلامها تحدّيًا، سواء في الموضوع أو في طريقة الصناعة، مضيفة: «أعتبر أنني أصنع أفلامًا لجمهور ذكي». وهي لا تريد سينما تُستهلك على أنها وسيلة للترفيه ثم تُنسى بمغادرة القاعة، وإنما تسعى إلى أعمال تفتح مساحة للنقاش، وتدفع المُشاهد إلى إعادة النظر في أفكاره ومواقفه، من دون أن تدّعي أن أفلامها تحقّق ذلك مع الجميع. وتضيف: «لا أرى أنني أصنع أفلامًا استفزازية؛ بل أريد أن أخلق مساحة للنقاش، أحبّ السينما التي تُغيّر شيئًا في الحياة، أو تجعلني أرى العالم بطريقة مختلفة، ولا أدّعي أن أفلامي تفعل ذلك مع الجميع، لكنني أصنعها بهذه الرغبة: أن نتحدّى أفكارنا ونناقش مواقفنا بدلًا من أن نكتفي بالمُشاهدة».

لمن يجرؤ
لمن يجرؤ (2026)

في «لمن يجرؤ»، يتجسّد هذا الصراع من خلال «سوزان» و«عثمان». «سوزان» أرملة فلسطينية في الستينات من عمرها، بينما «عثمان» شاب مهاجر من جنوب السودان يعيش في لبنان من دون أوراق إقامة رسمية. تتدخّل «سوزان» لإنقاذه من اعتداء عنصري، ثم تنشأ بينهما علاقة تضعهما في مواجهة مجتمع لا يتقبّل اجتماعهما لأسباب عدّة.

لكن عربيد تصرّ على أن الفيلم لا يتعلّق بقصة حب تقليدية، وإنما بشخصين يجمعهما الإقصاء قبل أن تجمعهما العاطفة. وتقول: «الفيلم بالأساس عن شخصين منبوذين، بغضّ النظر عن قصة الحبّ، فالقضية لا تتعلّق فقط بامرأة تحبّ رجلًا أصغر منها سنًّا، بل بأشخاص يحاولون إيجاد مكان لهم في مجتمع يرفضهم».

لمن يجرؤ (2026)
لمن يجرؤ (2026)

وفي اختيار الممثل الذي يؤدّي دور «عثمان»، لم تبحث عربيد عن وجه يناسب الشخصية فحسب، وإنما عن حضور يحدّد الطريقة التي سيراه بها الجمهور. أمين بن رشيد، وهو ممثل من جنوب السودان عاش جزءًا من حياته في تشاد ووصل إلى فرنسا بعد رحلة هجرة عبر ليبيا، عمل لسنوات مع «الصليب الأحمر» قبل دخوله عالم عرض الأزياء والتمثيل. تعرّفت إليه المخرجة خلال عملية اختيار الممثلين، ورأت فيه ما يناسب الدور.

تقول: «لاحظتُ لديه جانبًا طفوليًّا وبريئًا، يجعل المشاهد لا يختزله فورًا في صورة الرجل الذي تربطه علاقة جنسية بامرأة تكبره كثيرًا». كان مهمًّا بالنسبة إليها أن يثير التعاطف، لكن من دون أن يتحوّل إلى مجرّد رمز للاضطهاد، وأن يحتفظ بحضور إنساني يجعل العلاقة ممكنة داخل عالم الفيلم، حتى حين يصطدم هذا الاحتمال بأحكام المجتمع.

أما هيام عباس، التي تؤدّي دور «سوزان»، فهي صديقة قديمة لعربيد. تعرّفت إليها في بداياتها السينمائية وأسندت إليها دورًا في فيلمها القصير الأول «ردم» (Raddem). وتقول: «عندما بدأت كتابة (لمن يجرؤ)، فكّرت فيها رغم أنها أصغر قليلًا من العمر الذي تتطلّبه الشخصية. وحين عرضت عليها السيناريو، أبدت اهتمامها، وأرى أنها منحت الدور المزيج المطلوب من الخبرة والجرأة».

لا تنفصل حكاية «سوزان» و«عثمان» عن تقليد سينمائي استخدم العلاقات العاطفية للكشف عن التحيّزات والحدود الاجتماعية. ومن أبرز الأفلام التي تُستحضر في هذا السياق «علي: الخوف يأكل الروح» (Ali: Fear Eats the Soul)، للمخرج الألماني راينر فيرنر فاسبندر، الذي عُرض عام 1974، ويتناول علاقة بين امرأة ألمانية مسنّة وعامل مهاجر مغربي، في مجتمع تتحوّل فيه الأحكام المسبقة إلى قوة تضغط على الشخصيات وتعيد تشكيل علاقتها بنفسها وبالآخر.

ويرتبط فيلم فاسبندر بدوره بفيلم المخرج دوغلاس سيرك «كل ما تسمح به السماء» (All That Heaven Allows)، من إنتاج عام 1955، فيما أعاد المخرج تود هاينز تناول بعض هذه التوتّرات في «بعيدًا عن الجنة» (Far from Heaven) عام 2002. وعلى اختلاف سياقات هذه الأفلام، تُستخدم العلاقات الشخصية للكشف عن القيود التي تفرضها الأعراف الاجتماعية والطبقة والعمر والعرق.

لمن يجرؤ (2026)
لمن يجرؤ (2026)

وفي فيلم عربيد، لا يظلّ الرفض الاجتماعي محيطًا بالعلاقة من الخارج، وإنما يتسلّل إليها تدريجيًّا، ويدفع الشخصيتين إلى الشكّ في اختياراتهما. فالعنف لا يقتصر على الاعتداء المباشر أو التصريح العنصري؛ إذ يمكن أن يتحوّل إلى ضغط يومي يجعل الفرد يتساءل عمّا إذا كان يستحقّ ما اختاره، أو ما إذا كان التراجع أسهل من الاستمرار في المواجهة.

بعد العرض الأول للفيلم في «برلين»، رأى بعض المشاهدين أنّ الكيمياء بين هيام عباس وأمين بن رشيد ليست قوية بما يكفي وفق معايير الحكايات العاطفية المعتادة. وعربيد لا ترفض هذه الملاحظة تمامًا، وإنما تعترف بأنها ربما كانت ستضيف لحظات أكثر تجمع الشخصيتين وتجعل حبّهما لبعضهما أوضح.

لكنها تعود إلى الفكرة التي انطلقت منها وتقول: «لم أكتب قصة حب تقليدية، فهي مجرّد رمز؛ بينما ما يهمّني هو مواجهة المجتمع والتمرّد على أحكامه». وتوضح أنها رفضت اقتراحًا من المنتج بعنوان يوحي بأن الفيلم عن قصة حب، لأنه كان سيضع التركيز، في رأيها، في المكان الخطأ. فالأهم ليس كيف يقع الشخصان في الحب، وإنما ما يحدث لهما بعدما يقرّران أن يكونا معًا.

ولا تتوقّع عربيد أن يحوّل الفيلم كلّ من يشاهده إلى شخص متمرّد، كما لا تدّعي أن السينما تستطيع تغيير المواقف بمجرّد عرضها على الشاشة. ما تريده هو أن تتيح للمشاهد فرصة للتفكير في طريقة تعامله مع المختلف، وفي الأحكام التي قد يتبنّاها من دون أن يختبرها. فالسؤال الذي يتركه الفيلم ليس فقط ما إذا كانت «سوزان» و«عثمان» قادرَين على الاستمرار معًا، وإنما أيضًا لماذا يبدو اختيارهما، في نظر المجتمع، أمرًا يستدعي الرفض.

اقرأ أيضا: «لمن يجرؤ»… دانيال عربيد تُفكّك الحبّ خارج القواعد

شارك هذا المنشور

أضف تعليق