في سنة 1952، لم يكن أحد تقريبًا باستثناء مارتي ماوزر (تيموثيه شالاميه) يأخذ لعبة تنس الطاولة على محمل الجدّ، بل إنّ قلة قليلة كانت تعتبرها رياضة. في نيويورك، يكسب مارتي رزقه من بيع الأحذية، لكن شغفه الكبير هو هذه اللعبة، وطموحه أن يصبح أفضل لاعب تنس طاولة في العالم. رغبته في المجد ستقوده إلى الهلاك، لكنه غير آبه، إذ يثق الفتى بقدرته على النجاح. يؤمن إيمانًا راسخًا بصورته، لديه يقين طفولي بأنه عظيم، يعيش في حالة أداء دائم، وكأنه تحت المراقبة والتقييم. يشغل المساحات بحضور طاغ، وكلمات كثيرة، يسبق جسده أي موقف، ويحاول صوته فرض نفسه حتى قبل أن يستدعيه الموقف. في البداية يُولّد هذا السلوك جاذبية واضحة، وتكون طاقته مُعدية، ويبدو وعد العظمة ممكنًا، لكن مع الوقت، يتسلل التعب، ويُصبح الإصرار مُرهقًا، وتُصبح الشخصية مُثقلة بحركاتها.

طوال ساعتين ونصف الساعة، يرمي بنا المخرج الأميركي جوش صفدي في قلب حياة مارتي، في فيلمه «مارتي العظيم» (2025، «Marty Supreme»)، وهو حكاية رمزية عن الطموح كوسيلة للبقاء، مستوحاة بشكل فضفاض من حياة (لكن دون أي ادعاءات سيرة ذاتية) مارتي ريسمان (1930 – 2012)، نجم تنس الطاولة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأحد أكثر الرياضيين تتويجًا في هذه الرياضة، إذ حاز أكثر من عشرين لقبًا محليًا ودوليًا. رياضي جريء وغير تقليدي، غامض ومتناقض، جعل آخرين يراهنون على خسائره، مخادعاً العديد من مكاتب المراهنات، ومُعرضًا نفسه لعقوبات إيقاف قاسية.
على الرغم من أن عالم تنس الطاولة يحمل بعض التشويق، إلا أنّ محور القصة لا يكمن في الأحداث بقدر ما يكمن في كيفية تعامل مارتي مع العالم. كلّ مكان يتحول إلى مسرح، وكلّ تفاعل محاولة للهيمنة. ثمة توتر دائم بين الصورة التي يرسمها مارتي لنفسه والهشاشة الملموسة التي تحيط به. يرى نفسه استثناء، بينما بدفعه الواقع كي يكون مجرد شخص عادي. رغبته في المجد ستقوده إلى الهلاك، بينما ينقلنا صفدي بسلاسة من الأحياء المتواضعة في الجانب السفلي من نيويورك (الحي اليهودي)، إلى غرفة فاخرة في فندق ريتز في لندن، وصولاً إلى مباراة حاسمة في طوكيو.

خلال هذه الرحلة، يلتقي مارتي شخصيات مثل رايتشل (أوديسا أزيون)، الحامل والمتزوجة، والحبيبة المثالية له، وكاي ستون (غويث بالترو)، الممثلة التي خف بريقها، متخليّةً عن كلّ شيء من أجل حياة أكثر استقراراً (كما تظن) مع زوجها ميلتون روكويل (كيفن أوليري)، قطب صناعة أقلام الحبر. ولا يمكن إغفال إزره ميشكن (المخرج آبل فيرارا) وظهوره الذي يقلب السرد. تدور أحداث الفيلم على مدى تسعة أشهر، ويمكن تحديد ذلك بدقة لأننا نشهد حملًا يتطور بينما يركض مارتي من مكان إلى آخر متجنبًا الكوارث والمتاعب.
بأسلوب سينمائي يُذكّر بهوليوود في ثمانينيات القرن الماضي، وبمونتاج متقطع، يتجنب الفيلم نمط السيرة الذاتية، ليقدّم لمحة فريدة من نوعها، مليئة بالإثارة، عن الحياة اليومية، مُعيدًا إحياء أفلام الاحتيال الأميركية. هناك حيوية شبابية تملأ «مارتي العظيم»، ككرة مطاطية في مكان مغلق، وتعتمد هذه الحيوية على طريقة إخراج صفدي للفيلم وأداء شالاميه.

في جوهر هذه العاصفة السينمائية، يُعد الفيلم في المقام الأول دراسة شخصية معمقة. بطل يعيش في منطقة رمادية باستمرار، جميع علاقاته مبنية على المصالح، حيث الناس ليسوا بشرًا، بل مجرّد ركائز في طريقه نحو العظمة، بغض النظر عن علاقتهم به. مهووس بالعظمة، أناني، ومتغطرس، مع ذلك يقدم الفيلم سمات تجعله محبوبًا أيضًا: مثابرة لا تعرف حدودًا، موهبة في الخطابة، دهاء، موهبة، وقبل أي شيء، طموح لحياة أفضل. على الرغم من لجوء مارتي إلى الخداع لتحقيق أهدافه، إلا أن الفيلم يتجنب تصويره كشخصية شريرة. يُمثل سلوكه آلية تكيف في بيئة تُعامل فيها كل علاقة كصفقة تجارية. هي حكاية تُوضح قدرته على اقتناص الفرص، وفي الوقت نفسه، صعوبته في الحفاظ عليها. يُشكّل تراكم الأحداث خريطةً فوضوية يحاول فيها مارتي الحفاظ على صورة بطولية لا تتوافق أبدًا مع أفعاله.
انفصل الأخوان صفدي، أخرج الأصغر، بيني، فيلم «آلة السحق» (2025، «The Smashing Machine»)، كلا الفيلمين يتناول النزعة الأميركية للنصر التي تتمحور حول البطولات الرياضية، لكنّ الفيلمين يختلفان اختلافًا جذريًا في توجهاتهما. بالنسبة لبيني، فإن السردية الأميركية ترتكز على وهم هشّ، ويندد «آلة السحق» بالإحباط المرير من هذا الحلم، بينما يندفع فيلم جوش نحو الدمار، ليجسّد ببراعة فوضى حياتية يحاول المرء ترويضها.

خلف ظاهر الفيلم الرياضي، يقدّم جوش من خلال شخصية مارتي، تحليلًا دقيقًا وشاملًا لنمط حياة اليهودي الأمريكي بعد الحرب. لا يبني صفدي (اليهودي الأمريكي) القصة كحكاية أخلاقية، بل يهتم بعملية التلاشي التدريجي. يتابع الفيلم هذا التآكل بانتباه، تاركًا الإيقاع نفسه يعكس الصورة النمطية لليهودي الأمريكي كرمز ثقافي، ليكون الفيلم ردة فعل على هذه الصورة. يتقبّل مارتي نبذه الاجتماعي، يستسلم فورًا لنزواته الجنسية، ويسخر من المحرقة، ويتبرّأ من عائلته الجديدة، ويُلحق العار بعائلته القديمة.

يتحدى «مارتي العظيم» التصنيف السهل، ويمزج بسلاسة الحسّية المفرطة، والحدّة، والكوميديا والحركة، ولقطات تُحاكي الأرشيف، ومشاهد رياضية ديناميكية. بفضل موسيقى دانيال لوباتين، تبلغ الأحداث ذروتها في مشهد ختامي مشحون بالتوتر والمنافسة. الموسيقى إلى جانب مقطوعات لبيتر غابريال وتيرز فور فيرز، تُضفي على القصة طابعًا زمنيًا متشعبًا، يُعزز طابعها الشبيه بالحكاية الخرافية.
يُظهر الفيلم الذي صوّره داريوس خونجي نسيجاً يذكرنا بالواقعية الجديدة، والتناقضات الحضرية لسينما ما بعد الحرب، بحوار مشحون بالتحيّز والتوترات العرقية، يستخدمه صفدي كمرآة تعكس حالة الاضطراب التي تُعانيها البلاد في تلك الفترة. يختار صفدي سردًا واسعًا، حتى مع تطوّر البنية في حلقات. وفي هذه الرحلة غير المنتظمة، يبرز مارتي كشخصية تحاول التشبث بوهم العظمة الشخصية التي لا تتبلور أبدًا، عالقةً بين وهم الصعود وحقيقة حاضر يتطلب إعادة ابتكار مستمرة.