فيلم عن روحين معذبتين، تتألمان. هما بحاجة لرفقة، لتفاهم، لقليل من الحبّ. ولكن هذا غير كاف على ما يبدو.. تدوران في دوامة من الغربة، من الوحدة كأنهما موتى بينما لا تزالان على قيد الحياة.. تتخبطان في الفشل، في اليأس من كل دواعي وجودهما.. تتضاءل قيمة حياتهما. هما اثنان.. رجل وامرأة، يحتاجان استرداد بعضًا من نفسيهما عبر بعضهما.
«سأذهب إلى العمل» تقول
«سوف اقتل نفسي وأنا أشرب» يقول.
كلاهما راض. لا يحاولان تغيير آراء بعضهما. لا يتساءلان لماذا وصلا إلى هنا. يستغنيان عن الحياة ولكنهما يتشبثان ببعضهما، يستسلمان ويسلمان نفسيهما في أحضان بعضهما. هذا عزاؤهما الوحيد، حصادهما الأوحد من دورة الحياة.. هو وهي في مكان واحد، في مخاض واحد، اليد باليد، بانتظار حميم ومحموم لملاك الموت.

يتبع بن (نيكولاس كيدج) خطته للموت بدقة ووعي. يريد أن يموت ببطء في لاس فيغاس، متلذذًا بكلّ قطرة كحول في فمه. يقرّر مواجهة الموت، وربما الحياة الآخرة وزجاجة في يده. يلتقي سيرا (إليزابيث شو)، وبدلًا من بناء علاقة زبون وفتاة ليل، يبتسمان ويتناولان العشاء ويذهبان إلى الكازينو ويشربان ويتنزهان ويتحدثان ويقطعان وعودًا بالاحترام. يشتريان الملابس ويقعان في الحبّ ولا يمارسان الجنس، والموت حاضر. في «مغادرة لاس فيغاس» (1995، «Leaving Las Vegas»، الذي سيُعرض في ضمن كلاسيكيات برلين 2026)، لا نحتاج إلى أي تفسير، فنحن نعرف إلى أين نحن ذاهبون، (هم، نحن) وندع أنفسنا نُجرف نحو تلك الهاوية رغم ثقلها.
لا يُدين «مغادرة لاس فيغاس» إدمان الكحول، بل يتقبله ويستسلم له، ويقدّم رجل يعيش من أجله. لم يقدّم المخرج مايك فيغيز، فيلمًا مميزًا كهذا مرة أخرى، لكنه يفتخر بمكانته بين أفضل أفلام التسعينيات. الفيلم مقتبس عن شبه سيرة ذاتية تحمل العنوان نفسه للكاتب جون أوبراين (1960 – 1994)، الذي عاش حياة قصيرة مأساوية. أوبراين، المدمن على الكحول، كتب روايته كجزء من محاولة علاجية فاشلة للتخفيف عن نفسه. الكاتب، الذي تقاسم مع زوجته ليزا شبابًا مليئًا بالشعر والحبّ والنشوة، عاش حياة مثقلة بالعذاب والذنب والحيرة. ولمّا وضع روايته، قدّمها لها مباشرة، مهديًا إياها «إلى ليزا، الشاهدة المميّزة». لم يترك أوبراين رسالة انتحار، كان الكتاب نفسه هو الرسالة، كانت الرواية رثاءً كتبه لحياته. الكاتب الذي، نظرًا لبطء الموت بسبب الكحول، اختار إطلاق النار على رأسه، انتحر بعد أسبوعين من توقيعه العقد مع شركة «فوكس»، عارضًا حقوق فيلم مايك فيغيز الأسطوري.

ينحرف «مغادرة لاس فيغاس» عن الرؤية الرومانسية المتبذلة التي اعتادت هوليوود الترويج لها، ليغمرنا بكلّ رقة في قصة قاتمة مليئة بالألم والحزن. يُرينا مسار التدمير الذاتي لرجل كان يملك كلّ شيء ثم فقده. إنه فيلم قاس، لا يحاول تجميل الواقع، ويُدرك نيكولاس كيدج (جائزة أوسكار أفضل ممثل) تماماً هذه الفكرة، فيقدّم أداء يتأرجح بين الكآبة والضياع، بعينين شاردتين، وتعبيرات دقيقة، ولغة جسد تحمل قلقًا صامتًا. هنا تتجسّد إحدى تلك الشخصيات التي أتقن الممثل بنائها. أداء استثنائي لا يتقطّع، يبدأ منذ اللحظة الأولى ولا يهدأ. راقبوا لحظات الرصانة النادرة، ونوبات الانسحاب العنيفة، وتلك اللمحات الخفية لشخصيته الحقيقية حين تتسرّب إلى السطح. في هذه الشقوق الصغيرة، نرى الرجل الذي يجلد نفسه ويلجأ إلى الكحول هربًا منها، ونرى في الوقت نفسه المدمن الكامن فيه، ذلك الذي يواصل الكحول تدمير جسده وعقله.

إلى جانبه، تقدّم إليزابيث شو أداءً جريئًا ومتفجّرًا بالحساسية. تجسّد شخصية سيرا، فتاة الليل التي تكسب رزقها بقدر كبير من الواقعية والصدق. هي أيضًا امرأة تبحث عمّن يفهم عملها، ويصل إلى جوهرها الحقيقي خلف المظهر الذي يراه الجميع. سيرا، هي العقلانية المطلقة، تخاطب نفسها ببرودة مَن تعرف أن الحقيقة القاسية أنفع من كذبة بيضاء لا قيمة لها. لكن خلف هذه الصلابة، تظهر امرأة رقيقة، توّاقة للحب، شفافة إلى حدّ الألم.
يُدخلنا مايك فيغيز في هذا «العالم» الذي يعيش فيه بن من خلال تأطير مُشوّه، وكاميرا مُهتزة أحيانًا، وصور تجريدية وملهوسة في أضواء ولوحات لاس فيغاس الإعلانية، مكوّنًا جوًّا كاملًا من التنافر والاضطراب يؤكد على الحالة العامة للفيلم. خلال المشاهدة، نتمنى أن يكتمل شغفهما، وأن تتغيّر حياتهما، وأن يكون فيلم «مغادرة لاس فيغاس» فيلمًا رومانسيًا. لكنه ليس كذلك. يزداد قلقنا مع كلّ زجاجة خمر يرفعها بن، ويزداد حزننا كلّما ذهبت سيرا إلى العمل، مُذكّرة إيانا تدريجًا بأنّه فيلم يحمل كلمة «مغادرة» في عنوانه، وأنّه منذ مشاهده الافتتاحية، يُعلن عن مصير محتوم ونهاية مُدمّرة. لا خلاص، لكنّ هناك بالتأكيد تطهيرًا وتعاطفًا في فعل الحبّ الأخير بين الشخصيتين، في مشهد يُجسّد الشعرية المأساوية للفيلم.
اقرأ أيضا: سبايك لي: عاش الفن… ليسقط المحتوى!