وُلِدت السينما لحظة انبعاث الهيكل المعدني الخامد للكاميرا للمرة الأولى في نهاية القرن التاسع عشر، ومنذ تلك اللحظة، ولدت معها علاقةٌ فريدة بينها وبين المدينة.
كانت المُدُن مهد الصورة الأولى، وكانت السينما مرآتها الناشئة. بدا المشهد بسيطًا في البداية، كاميرا ترصد الشارع، وشارع يعيد إنتاج ذاته على الشاشة. لكنّ ما تكوّن خلف ذلك الوميض كان أكثر عُمقًا، وعيٌ جديد بالزمن والمكان، وإدراكٌ بأن المدينة دخلت طورًا من التمثيل المستمر؛ تُرَى كما تُصوَّر، وتُحفَظ في الذاكرة كما تُعرض على الشاشة.
مع رحلة الكاميرا من باريس الأخوين لوميير إلى برلين التعبيرية ونيويورك الصناعية، راحت تتعلّم كيف تمشي في الشوارع، وكيف ترى البشر جزءًا من هندسة المكان. لم يكن مشهد القطار الشهير في فيلم «وصول القطار إلى محطة لاسيوتا» مجرّد طرفةٍ تاريخية، بل إعلانًا عن دخول العالم زمن السرعة والمشهدية والدّهشة. لم تَعُد المدينة منذ تلك اللحظة خلفية للفيلم، بل شريكة في صُنعه ولاحقًا؛ احد أبطاله الرئيسين.
تنوّعت بعد ذلك الرؤى والتجارب. صنع دزيغا فيرتوف الذي صنع من فيلمه «في رجل مع كاميرا السينما Man with a Movie Camera» احتفالاً بصريًا بالمدينة وما تعمر به من حركة، فيما حوّلها فريتز لانغ في «متروبوليس Metropolis» إلى كابوسٍ هندسيّ يبتلع الإنسان، قبل أن تُعيد الواقعية الإيطالية الكاميرا إلى الشارع، tتلتقط الحياة اليومية بصفائها وعفويتها. لكن وعلى الرغم من اختلاف هذه الاتجاهات بين الخيالي والواقعي، فإنها التقت على فكرة واحدة: المدينة كائنٌ حيّ يتنفّس ويتغيّر، يُصاب بالوَهَن كما يزدهر.
بلغت هذه العلاقة ذروتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع موجة باريس الجديدة. جعلت أنييس فاردا في «كليو من الخامسة إلى السابعة Cléo from 5 to 7» من التجوال في المدينة فعلًا لاكتشاف الذات، وقدّم غودار في «النَّفَس الأخير À bout de souffle» باريس كجَسَدٍ متوتّر بين الحلم الأميركي والفوضى الأوروبية. لم تَعُد الكاميرا تراقب من بعيد، بل دخلت في حوار بصريّ مع المكان، تتناغم مع ضوئه وضجيجه، كما لو أن المدينة نفسها تُوجّه العدسة وتُعيد تشكيل نظرتها.
المدن التي تصنع خيالاتها: بين الظلال والذاكرة والهوامش
إذا كانت باريس قد صاغت صورة المدينة الحالمة، فإن لوس أنجلوس قدّمت نقيضها الحاد، حيث تتحول شوارعها المُبَلَّلة بالمطر في أفلام النوار إلى مسرحٍ للخطايا والرغبات والعنف أحيانًا.
لم تكن الجريمة في تلك الأفلام فعلًا معزولًا، بل انعكاسًا لبنية المدينة نفسها التي تُخفي تحت أضوائها البرّاقة شبكة من التفاوت والعُزلة والخوف. تتكثف العتمة واليأس في بانكرهيل في فيلم «قبلة قاتلة Kiss Me Deadly»، بينما كانت باسادينا الثرية ترمز في «تعويض مزدوج «Double Indemnity إلى واجهة الحلم الأميركي اللامعة. تمتد لوس أنجلوس بينهما كائنًا مزدوجًا، نصفه من الضوء ونصفه من الظلال. كان هذا هو الحلم الأميركي وقد أَظلم.

تغيّر المشهد في برلين ما بعد الحرب. لم تَعُد الأنقاض ديكورًا، بل ذاكرةً حيّة. في فيلم «السنة صفر Germania anno zero» لروسيلليني، يتجوّل الطفل بين الرُّكام كما لو أنه يسير في ضمير المدينة ذاته. تلك الذاكرة ستتحول بعد عقود، في بعض أفلام ما بعد الحداثة، إلى سطحٍ بصريّ مُفرَغ من الألم. وتُصبح الأنقاض في «السماء فوق برلين «Der Himmel über Berlin لفيم فندرز فضاءً للتأمُّل، وتتحول الأطلال في «بطن المعماري «The Belly of an Architect لبيتر غرينواي إلى استعارة لجسد الحضارة المُنحَلّ، إذ تَتَجَمَّل الأنقاض حتى تفقد معناها الأخلاقي، وتتحوّل الصورة التي كانت شاهدة على الألم إلى لوحةٍ أنيقة تُخدِّر الذاكرة وتمنح المتفرّج مُتعة النظر بَدَلًا من مسؤولية التذكُّر.

تتنفّس الكاميرا في مُدُن الجنوب العالمي بإيقاعٍ مختلف. تتحول الفافيلا (الأحياء العشوائية المتشابكة على أطراف ريو دي جانيرو) في فيلم «مدينة الرب «Cidade de Deus لفيرناندو ميريلّيش إلى بطلةٍ تفرض قوانينها الخاصة، تركض الكاميرا خَلْفَها لا أمامها، تحاول اللحاق بإيقاعها الفوضوي كمن يطارد الحياة نفسها.
على الضفة الأخرى، في لاغوس – نيجيريا، تُصوِّر نوليوود (هوليوود النيجيرية) المدينة كما هي: صاخبة، ومُتعَبة، وحقيقية. لا يُعاد بناء لاغوس داخل الاستوديو، بل تُنتَزَع من فوضاها اليومية بكاميرات صغيرة وطاقات محلية. تولد هذه السينما من «الاستعجال». لا بسبب ضيق الإمكانيات فحسب؛ بل كطريقةٍ للبقاء، ومقاومةٍ حيّة للصورة الغربية اللامعة عن «المدينة الحديثة». هكذا تُظهر الفافيلا البرازيلية ولاغوس النيجيرية مُدُنًا لا يخلقها المخرج بل تَصْنَع صورتها بنفسها، تَغدو الكاميرا هنا وسيلة للحفاظ على المدينة أكثر من كونها أداة للتسجيل أو المراقبة. تصبح العلاقة بين السينما والمدينة في الشرق الآسيوي وجودية أكثر منها عمرانية.

تتحول طوكيو عند ياسوجيرو أوزو في «قصة من طوكيو Tokyo Story» إلى كائنٍ صامت يراقب تفكُّك العائلة الحديثة، يُرَى صَخَبُها في المسافة التي تفصل الأجيال داخل الإطار الواحد، ويُقدّم كيروساوا العاصمة اليابانية في «العيش Ikiro» كمتاهة رمادية تبتلع الإنسان في بيروقراطيتها القاسية.
يأخذ بونغ جون هو هذه العلاقة إلى أقصاها في «طُفيلي Parasite»، حيث تنقسم العاصمة سيول رأسيًا بين الأعلى والأدنى. فيلا تطل على مدينةٍ غارقة بالمطر وقبو رَطْب تحتها يحمل رائحة الحياة المنسية. المدينة هنا ليست خلفية للصراع الطبقي، بل هي الصراع ذاته.
أما هونغ كونغ في أفلام وونغ كار واي من «تشنكينج إكسبريس ،« Chungking Express إلى «ملائكة ساقطة Duoluo Tianshi»، فتبدو كأنها موسيقى من أضواء النيون، إيقاع بصريّ نابض يرسم الوحدة والرغبة والوقت الضائع، حيث تتحول الأزِقَّة والممرات إلى رموزٍ للاغتراب، وتَغدو المدينة لغةً عاطفية يتردد فيها الحنين كضوءٍ يَخبو.

تأخذ المدينة في نيويورك نَفَسًا آخر، خاصة في سينما مارتن سكورسيزي. لا يكتفي المخرج من «سائق التاكسي «Taxi Driver إلى «عصابات نيويورك «Gangs of New York بتصوير المدينة؛ بل يعرّيها ككابوس أخلاقي، حيث تتحول الأضواء إلى مرايا تعكس ذنب الفرد في الفيلم الأول، وغضب الجماعة في الثاني. نيويورك في هذه الأفلام ليست مدينة الفُرَص؛ بل المتاهة التي تبتلع أبناءها. مدينة تشبه العقل الأميركي في لحظة اضطرابه. ومع موجة السينما المستقلة في التسعينيات، استعاد المخرجون هذه المدينة المهاجِرة كفضاءٍ للتعدد، كما في «أوديسا الصغيرة «Little Odessa لجيمس غراي، لتتحول إلى خريطة ثقافية للهوية أكثر منها جغرافيا عمرانية. كأن كل شارعٍ فيها يروي سيرة مهاجر يبحث عن مكانه في الحلم ذاته الذي فقد بريقه.
سيتغيّر معنى التجوال في المدينة حين تدخل الهويات الجِندرية قلب الصورة. لم يَعُد المشي فعلًا جسديًا فحسب، بل إعلانًا للوجود والحق في الظهور في فضاءٍ طالما كان حِكْرًا على الذكور. تتخذ نيويورك في «راعي بقر منتصف الليل «Midnight Cowboy لجون شليزنجر شَكْل مدينةٍ قاسية ومُغْرية في آن، تبتلع الغرباء وتمنحهم لحظات حميمية عابرة.
وفي برلين، تحوّلت المدينة منذ الثمانينيات إلى خريطةٍ للحياة الكْوِيرية المُتحوّلة، من «شرق الجدار «Westler لفيلاند سبيك إلى «روسميز «Raus aus der Haut لسابينه بيرنباخ، حيث تُصبح المقاهي والأنفاق فضاءاتٍ عابرة للنوع واللغة والانتماء. المدينة هنا خطرٌ وملاذ في آن، جَسَدٌ مفتوحٌ للتأويل، يُعاد تشكيله مع كل نظرةٍ وكل رغبة.

مدن الذاكرة والمقاومة: السينما العربية بين النضال والذات الفردية
اتخذت العلاقة بين السينما والمدينة في العالم العربي مَنْحًى أكثر التباسًا واشتباكًا مع السياسة والذاكرة. لم تكن المُدُن مجرد مسارح للأحداث، بل جبهات للنضال ودفاتر للتاريخ. استخدمت الكاميرا، من قاهرة الثلاثينيات إلى جزائر الستينيات، كأداة تحرُّر بقدر ما كانت وسيلة فنية. ففي مصر، أنزَل صلاح أبو سيف الكاميرا إلى أحياء القاهرة الفقيرة في أفلام مثل «الفتوة» ليكشف المدينة ككائن اجتماعي يعيش تناقضاته. ومع يوسف شاهين في «باب الحديد»، تحولت محطة قطار القاهرة المركزية إلى مرآة للجنون الجَمْعي والطَبَقِيَّة، بينما جَعَل من الإسكندرية في «اسكندرية ليه» فضاءً للذاكرة الشخصية والتاريخ الوطني في آنٍ واحد.

في الجزائر، أفلام مدعومة من جبهة التحرير الوطني مثل «شعب زاحف» إنتاج 1963، أو «معركة الجزائر The Battle of Algiers» إنتاج 1966، وثقت جميعها لحظات الثورة والدَّمار، حيث صارت المدينة ميدانًا للحرية والكاميرا سلاحًا ضد الاستعمار.
أما في فلسطين، فكانت العدسة تسجّل المُدُن المفقودة لتستعيدها رَمْزِيًّا، كما في «القدس في يوم آخر» و«خارج الإطار.. ثورة حتى النصر» لمهنَّد اليعقوبي، لتتحول الصورة إلى أرشيفٍ للمكان الضائع. وفي بيروت، منذ الحرب الأهلية، ظهرت أفلام مثل «بيروت الغربية» و«بيروت مدينتي»، حيث تتقاطع الحكاية الشخصية مع انقسام المدينة، ويتحوّل الشارع إلى ذاكرةٍ مَرئية للجراح. وفي سوريا، أعاد محمد ملص وعمر أميرالاي التفكير في المدينة كفضاءٍ للحنين وتعرية الواقع السياسي في أفلام مثل «الليل» و«طوفان في بلاد البعث».
لا تبحث الكاميرا في هذه السينما عن الجمال؛ بل عن أثر الحياة وسط الرُّكام. كأن المُدُن العربية لا تزال تُصوَّر وهي تحاول النجاة من ذاكرتها.

تغيّر المشهد في التسعينيات وما بعدها من الفضاء العام إلى الفضاء الشخصي، فظهرت أفلام الشَخْصِ الأول حيث يُوظِّف المخرج تجربته الذاتية لِيَحْكِي عن المدينة كمرآةٍ للذات. يُصبح العلاج النفسي في «أصلحني «Fix Me لرائد أنضوني مدخلًا لفهم الذاكرة الفلسطينية، وتندمج التجربة الشخصية في «كما أريد» لسماهر القاضي مع الغضب الاجتماعي، لتُعيد للشارع المصري صوته الغائب. وتَغدو الكاميرا في «العودة إلى حمص» و«الكهف» لفراس فياض، شاهدًا على الألم، تخاطر لتوثِّق ما لا يُروى.

المدينة العالمية.. سقوط الخصوصية البصرية وتوطين الاغتراب
تغيّر شكل السؤال في زمن العَوْلَمة. غَدَتْ مُدُن العالم الكبرى: نيويورك، لندن، طوكيو، متشابهة كما لو أنها انعكاسات على سطح واحد. وصف المِعماري ريم كولهاس هذا النمط بـ «المدينة الجنيسة». تبدو جميعها مُدُنًا بلا ذاكرة ولا خصوصية.
التقطت السينما هذا التحوّل بدقة، تبدو لوس أنجلوس في فيلم «Her» لسبايك جونز، كمدينةٍ مُترابطة بامتدادها العالمي، فتُصوَّر بعض مشاهدها في شانغهاي، وكأن العالم الحَضَري صار مدينة واحدة بلا حدود. أما «جدران صماء Medianeras» للمخرج الأرجنتيني غوستافو تاريتو، فيُحوِّل جُدران العمارات وأسلاك الإنترنت إلى استعارةٍ عن العزلة الرقمية.
المدينة هنا ليست مادية بقدر ما هي شبكة، أو شاشة، أو وَهْم من الضوء. تظهر المُدُن اليوم في زمن البث الرقمي والواقع الافتراضي أقرب إلى المرايا. نراها لنفهم أنفسنا. ونصنعها كي نصدّق أننا ما زلنا نعيش في عالم حقيقي.
السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو نفسه الذي بدأ مع القطار القادم من بعيد: هل ما نراه على الشاشة هو صورة أصلية عن المدينة، بمعنى أن المدينة الحقيقية لم تَعُد موجودة إلا في الشاشة؟ صورة يُعاد إنتاجها في السينما، وفي الإعلانات، وفي الواقع الافتراضي، وفي خرائط غوغل. ما وصفه بوديار مرة بـ «انتصار المحاكاة على الأصل».
اقرأ أيضا: سينما المكان… الجغرافيا ذاكرةٌ سينمائية