فاصلة

مراجعات

«العميل السرّي»… كارنفال برازيلي سينمائي

Reading Time: 4 minutes

تشويق، وحركة، وكوميديا ودراما تجتمع في عمل واحد جامح، يتخطى «العميل السرّي» (2025، The Secret Agent) حدود الشاشة ليخفي خلف غلافه الملوّن تأمّلاً عميقاً في حقبة الديكتاتورية العسكرية البرازيلية. إنه مشروع ضخم أبدع فيه المخرج البرازيلي كليبير مندونسا فيلو بثقة لافتة، راسماً صورة نابضة بالحياة للبرازيل في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

يُعدّ فيلو أحد أبرز المخرجين البرازيليين المعاصرين؛ أفلامه مثل «باكوراو» (2019، Bacurau)، و«أكواريوس» (2016، Aquarius)، وبالطبع «أصوات مجاورة» (2013، Neighbouring Sounds)، تحمل مزيجاً من الدراما والروح والدعابة والسخرية، حيث يناقش من خلالها علاقة البرازيل المعقدة بحاضرها وتاريخها الحديث.

The Secret Agent (2025) العميل السرّي
The Secret Agent (2025)

يبدأ فيلم «العميل السرّي» بعودة مارسيلو أو أرماندو أو فيرناندو (فاغنر مورا) إلى مسقط رأسه في سبعينيات القرن الماضي. تُفتتح الأحداث بسلسلة من الصور التي تكشف ثراء ثقافة شمال شرق البرازيل، مانحةً المشاهد لمحة أولى عمّا سيقدمه العمل. بعدها يظهر مارسيلو في سيارته فولكس فاغن بيتل الصفراء، يحاول تزويدها بالوقود في محطة على جانب الطريق قرب ريسيفي، هارباً من شيء أو شخص لم يتضح بعد.

إنّه عام 1977، والنظام الاستبدادي في البرازيل ما زال يعتقل ويعذّب من يشاء. في هذه الافتتاحية، ينجح كليبير مندونسا فيلو في تكثيف الزمان والمكان ورسم ملامح ما سيكون عليه الفيلم. مارسيلو، الرجل الهادئ الذي نراه أول مرة خلف مقود سيارته، لا يكشف الفيلم عن هويته وماضيه إلا تدريجياً، إذ يتعمّد السرد البطء والتأجيل. شيئاً فشيئاً، نكتشف أنه أستاذ جامعي أرمل، يحاول أن ينبش معلومات عائلية دُفنت منذ زمن طويل عن والدته وزوجته، بينما يسعى لإعادة التواصل مع ابنه الذي ينتظره في ريسيفي.

العميل السرّي
The Secret Agent (2025)

لكن مارسيلو ليس الوحيد الذي يعيش حياة مزدوجة؛ فعدد من الشخصيات، كثير منهم جزء من شبكة تُنظَّم وتُدار بهدوء من قبل نساء، يتنقلون عبر متاهة من الاتصالات والاختفاءات والهروب السري. كل ذلك يجري على أمل العثور على شخص مفقود، أو معرفة مصير آخرين، أو، إن أمكن، الفرار من البلاد نحو أوروبا أو أي مكان آخر يوفّر ملجأ.

بعد بداية مبهرة، ربما من بين الأفضل في السنوات الأخيرة، ينطلق الفيلم التي تدور أحداثه في مدينة ريسيفي خلال أسبوع الكرنفال الصاخب، حيث يمتلئ المشهد بالجنس وإطلاق النار والقتلة المأجورين والسيارات الكلاسيكية، وصولاً إلى مشهد صادم يُظهر ساقاً بشرية مقطوعة عُثر عليها في معدة سمكة قرش ترفس الرجال. ورغم هذه الصور المبالغ فيها والألوان النابضة بالحياة والجماليات السينمائية، يبقى الفيلم متجذراً في المخاوف والمآسي الحقيقية للمواطنين العاديين. ورغم تصنيفه ضمن «أفلام الإثارة السياسية»، فإن «العميل السرّي» لا يقتصر على ذلك؛ ففيه التشويق والكوميديا، ولمحات من الخيال والغرب الأمريكي، إضافة إلى عناصر من ثقافة شمال شرق البرازيل، موظّفة بطريقة مبتكرة تجعله مادةً للبحث بين محبّي السينما والمؤرخين لسنوات قادمة.

العميل السرّي
The Secret Agent (2025)

بدلًا من الركون إلى الإطار الدرامي السياسي الكلاسيكي (الحاضر وإن لم يكن مهيمنًا)، يروي كليبير مندونسا فيلو هذه القصة عبر لغة الأنواع السينمائية الشائعة: شاشات منقسمة، مشاهد دموية، فواصل موسيقية، وحتى «ساق قاتلة». وكما في فيلمه السابق «صور الأشباح» (2023، «Pictures of Ghosts»)، يشكّل العمل أيضاً رسالة حب إلى السينما التي نشأ فيها وإلى دور العرض الكبرى في ريسيفي. يتجلّى حب كليبير هذه المدينة، الذي عبّر عنه في معظم أفلامه. فقد جعل من ريسيفي شخصيةً أساسية في الفيلم، عبر أساطيرها الحضرية، وسينماها الكرنفالية والشارعية، وقصصها القصيرة.

بروح واسعة ونطاق متشعّب، يُجسّد فيلم «العميل السرّي» لوحةً جداريةً تاريخية تتداخل فيها الشخصيات والدوافع والمنعطفات اليومية، لتتصادم وتتشابك أحياناً إلى حدّ الإفراط. على امتداد الفصل الأول من ثلاثة فصول، يطرح مخرج «باكوراو» أكثر من اثنتي عشرة شخصية وموقفًا في سياق واحد، يصعب ربط الكثير منها للوهلة الأولى. لكن سرعان ما يستقر كل شيء في مكانه؛ ما كان غامضاً في البداية يتضح تدريجياً، وتجد الشخصيات المبعثرة طريقها، فيما يبدأ المشاهد بربط الأحداث، خاصةً عندما يتداخل الحاضر مع الماضي. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن التحوّل يحدث فجأةً إلى حد يعزّز الوهم بأن مدة الفيلم لا يمكن أن تتجاوز الساعتين، على الرغم من أن مدة الفيلم ساعتين وأربعين دقيقة.

The Secret Agent (2025)
The Secret Agent (2025)

يبرع كليبير مندونسا فيلو وطاقمه في تقديم شخصيات تتأرجح بين الشرف المطلق والقسوة الفادحة. أما مارسيلو، فيبدو وكأنه نسي شيئاً ما، لكنه لم يتخذ أي خطوة حياله. أحد المواضيع الرئيسية للعمل هو جدلية ما يُذكر وما يُنسى، ويبدو أن مندونسا فيلو، ابن ريسيفي، عازم على تسجيل هذه التفاصيل الغريبة على الشاشة قبل أن تُمحى إلى الأبد. ومع ذلك، حين يبدو أن «العميل السري» قد ابتعد كثيرًا عن حبكته الأساسية، فإنه يعيد تركيزه بمهارة، ليحافظ على تماسك السرد ويشدّ المشاهد مجدداً إلى قلب القصة.

«العميل السرّي» رحلة شيّقة عبر الأنواع السينمائية والتوقعات والإشارات. ينتقل من معالجة فكرة جوهرية بخفة إلى تأمل إنساني محتمل في عبثية الحياة الطبيعية خلال زمن غير اعتيادي. يُطوَّر العمل بصبر، ويُقدَّم من منظور مقلق، يمكن أن يُقرأ كانعكاس لغياب الصلة بين البرازيل وماضيها القريب، ومحاولة شبه واعية لعدم تجاهل ذكريات تُشكّل جزءاً من جوهر ما هي عليه البلاد اليوم.

اقرأ أيضا: «العميل السري».. سردية الخوف المؤجل وفتنة الصورة التي تتذكر

شارك هذا المنشور