فاصلة

مراجعات

«الرجل الخالد»… امتحان إرث «بيكي بلايندرز»

Reading Time: 5 minutes

لطالما احتفظ «بيكي بلايندرز» (2013–2022) بمكانته في قوائم أهم مسلسلات القرن الحادي والعشرين. لم يكن يومًا مجرد مسلسل عصابات، بل عالم كامل تشكّل حول تومي شيلبي. ومع الوقت، تحوّل العمل إلى رمز ثقافي شعبي، إلى أسلوب حياة أكثر منه حكاية تُروى. ربما لهذا السبب تحديدًا بدا الفيلم الجديد، الذي يعود فيه كيليان مورفي إلى شخصيته الأيقونية ويكتبه ستيفن نايت، واحدًا من أكثر الأعمال انتظارًا لدى جمهور لم يغادر عالم المسلسل يومًا.

«بيكي بلايندرز: الرجل الخالد» (2026، «Peaky Blinders: The Immortal Man») ليس فيلمًا ضخمًا، ولا يحاول أن يكون كذلك. هو أقرب إلى حلقة ختامية طويلة، بضيوف مميزين، وبلا ادّعاء. وهذا بالضبط ما يجعله مناسبًا. لا يطمح الفيلم إلى خاتمة عظيمة لمسلسل بدأ قبل ثلاثة عشر عامًا، بل يقدّم وداعًا مؤثرًا، قويًا، وربما مؤلمًا، بانتظار لقاء آخر. ففي زمن تُستنزف فيه الملكيات الفكرية حتى آخر رمق، لن يفرّط أحد بعنوان مثل «بيكي بلايندرز». وإذا كان المسلسل قد أعاد موضة قبعات التويد المسطّحة إلى الحياة بعد قرن، فبوسعه أن يعود متى شاء.

Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)
Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)

يستعيد تومي شيلبي طريقه إلى بيته الأول. بعد أن امتلك كل شيء تقريباً: الإمبراطورية، والمال، والنفوذ. يعود ابن الأزقة الفقيرة، المثقل بأشباح الحرب العالمية الأولى، إلى سمول هيث، إلى الحامية، إلى الأنفاق. ومثله يعود كيليان مورفي إلى بيته أيضًا، بعد عاصفة الأوسكار والجوائز والأضواء، يجد نفسه مجددًا داخل كتابة ستيفن نايت، داخل دور يبدو وكأنه جزء من جلده. «بيكي بلايندرز: الرجل الخالد» ليست خاتمة ضرورية، ولا تحاول أن تكون خاتمة تليق بمسلسل أنهى موسمه السادس بنهاية غامضة وروحانية لامست جذور تومي الغجرية.

هناك، في ذلك القصر المسكون الذي يختبئ فيه تومي من نفسه، يعود جوهر المسلسل إلى الواجهة: جاذبية مورفي، وندم شيلبي، ومحاولة رجل يعرف أنه محاصر في ماض يحاول التكفير عنه، رغم إدراكه أنه لم ينته بعد. تجري أحداث الفيلم عام 1940. يلجأ رجل العصابات العجوز إلى الكتابة. ففي تلك السنوات، خسر تواصله مع الجميع، وابتعد عن ابنه ديوك (باري كيوغان)، روح تائهة أخرى تستغل ظلال الحرب العالمية الثانية لتواصل السرقة والقتل تحت اسم العصابة القديمة. يزيد الطين بلة استعداده للمشاركة في توزيع الجنيهات المزوّرة، المؤامرة الألمانية التي تهدف إلى قلب موازين الحرب.

Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)
Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)

أما شيلبي، فيعيش محاطًا بأشباحه. يزور قبور أحبّته، يستعيد وجوههم، ويشتاق إلى موتاه أكثر مما يشتاق إلى الأحياء. هو الآن بعيد عن البنادق والقنابل، بعيد عن تلك الحياة التي لم يبق منها سوى آدا (صوفي راندل)، الأخت البرلمانية، الصوت الوحيد الذي لا يزال يطالب بالحقيقة والعدالة. ومع ذلك، ندرك جميعًا أن تقاعد تومي شيلبي ليس إلا استراحة قصيرة. فالرجل الذي حمل الحرب على كتفيه لن ينجو من حربه الخاصة. بأسلحته التي يعيد تعبئتها، وبجسده الذي أثقلته السنين، سيُجبر على مواجهة الحقيقة، وإنقاذ ابنه رغماً عنه، والانتقام ممن حاولوا تفكيك عائلته.

«الرجل الخالد»... امتحان إرث «بيكي بلايندرز»
Peaky Blinders The Immortal Man (2026)

الفكرة المحورية في الفيلم، معاناة الابن تحت ثقل خطايا الأب، لا تخلو من تأثير، وهي تتناسب نظريًا مع مسار تومي شيلبي، لكنها لا تبدو مقنعة تمامًا على الشاشة. فالعلاقة بين ديوك وتومي كانت شبه غائبة قبل الفيلم، ما يجعل هذا الإرث المظلم الذي يُفترض أنه انتقل من الأب إلى الابن أقرب إلى بناء درامي مُستحدث أكثر منه امتدادًا طبيعيًا للسرد. يرتكز الفيلم على فكرة أن الظلام الذي سكن تومي طوال حياته قد وجد طريقه إلى ديوك، وأن عواقب تخلي الأب عنه تركته وحيداً على رأس إمبراطورية لا ينتمي إليها، بلا حضور لعائلة شيلبي الأصلية التي شكّلت دائماً درعاً واقياً. لكن هذا الثقل العاطفي، على أهميته، يفتقر إلى الجذور التي تمنحه شرعية درامية، فيبدو وكأنه محاولة متأخرة لإعادة صياغة علاقة لم تُبن بما يكفي في المسلسل.

تتوازى هذه الرحلة العاطفية مع حبكة تهريب الجنيه الإسترليني المزوّر والنازيين. القصة الحقيقية (التي حصلت خلال الحرب ولكن سنة 1942) التي تربط الشخصيات ببيكيت (تيم روث)، الشرير المبالغ فيه الذي يصرخ فجأة: «يحيا هتلر!»، على نحو لا ينسجم تماماً مع النبرة الجادة التي يحاول الفيلم الحفاظ عليها. على النقيض، يُظهر باري كيوغان قدرًا من ضبط النفس أكثر مما اعتدناه منه، بينما تحضر ريبيكا فيرغسون، رغم قلة مشاهدها، بثقل محوري في السرد. هي أشبه بليدي ماكبث غامضة، تلعب على الحبلين بين تومي وديوك، تسعى إلى مكاسب شخصية… أو ربما لا. ربما كل ما تريده هو أن يسود السلام في العائلة. الفيلم يترك هذا الباب مواربًا، كما لو أنه يستمتع بتغذية الشك.

Peaky Blinders The Immortal Man (2026)
Peaky Blinders The Immortal Man (2026)

أما تومي شيلبي، فيعود مرة أخرى بنظرته التي لا تلين، وبرودته القارسة، وهشاشته التي لا يراها إلا من يقترب بما يكفي. يجد كيليان مورفي طبقة جديدة من اليأس والحزن في شخصية لا يتوقف عن استخراج المزيد منها. ذلك الضبط الغامض الذي يحيط تومي به نفسه دائمًا يظل ساحرًا، يتجاوز جوّ العزلة والهروب الذي يخيّم عليه.

الفيلم بعيد كل البعد عن أن يكون كارثياً. بل إنه، ضمن هذا النوع الفرعي من الأفلام الروائية التي تأتي كتكملة لمسلسل ناجح، وهو نوع غالباً ما يُستقبل بقدر كبير من الشك، يُعد من أفضل ما أُنجز في هذا السياق. ورغم أن مشاهدة المسلسل تمنح المشاهد بلا شك طبقة إضافية من الفهم والمتعة، فإن «الرجل الخالد» صُمّم ليكون مفهوماً حتى لمن يدخل عالم «بيكي بلايندرز» للمرة الأولى. يعود ذلك جزئيًا إلى الفاصل الزمني الطويل بين الفيلم والمسلسل (سبع سنوات)، وإلى طبيعة الشخصيات التي تحمل حضوراً واضحاً بذاتها. ويعود أيضًا إلى حرص ستيفن نايت في كتابة السيناريو على تزويد المشاهد بالمعلومات الضرورية لربط الأحداث. صحيح أن هذه العملية لا تتم دائمًا بأكثر الطرق ابتكارًا (تعليق تومي الصوتي، والأحلام، والذكريات الخاطفة، والهلوسات)، لكنها على الأقل تتجنب إرباك المشاهد أو دفعه إلى الشعور بأنه بحاجة إلى موسوعة كاملة من أحداث المواسم الستة السابقة كي يفهم ما يجري. الفيلم يختار الوضوح على التعقيد، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب الخيال.

Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)
Peaky Blinders: The Immortal Man (2026)

بجوّه القاتم وإيقاعه البطيء المكثّف، يواصل الفيلم الحفاظ على ألوان المسلسل ونبرته وإيقاعه، مستمرًا في تقليد استخدام الأغاني المعاد توزيعها لفرق تحمل الروح نفسها. نجد هنا نسخة جديدة من أغنية «Red Right Hand» لنيك كيف، إلى جانب أغان أخرى أُعيد تشكيلها لتناسب المزاج العام. الإنتاج بدوره لا يقل جودة عن السلسلة الأصلية. هناك لحظات تمتلك قوة حركية هائلة: عودة شيلبي بقبعته الشهيرة في لقطة بطيئة تتوسط الإطار، اللقطة الجوية للبواخر المتجه إلى ليفربول، وطبعًا مشهد تومي على الحصان الأسود في شوارع مدينته كأنه إمبراطورها.

يبقى «بيكي بلايندرز: الرجل الخالد» ممتعًا ومسليًا. لكن دعونا لا نخدع أنفسنا، هو أيضًا تذكير بأن عالم «بيكي بلايندرز» ربما بدأ يفقد شيئًا من بريقه. يمكن لتومي شيلبي أن يستريح أخيرًا، فقد منحه كيليان مورفي نهاية ملحمية حنينيه على طريقة برمنغهام.

اقرأ أيضا: «إذا تحوّل الحمام إلى ذهب»… حين تحرّرنا السينما من وهم الإنقاذ

شارك هذا المنشور