رغم الحراك الملحوظ الذي تشهده السينما السعودية اليوم، لا يزال سؤال يؤرقني: لماذا لا يعرف الجمهور العام، وهم الفئة المستهدفة الأولى، أفلامنا المحلية؟ كيف تمر عشرات التجارب دون أن تترك صدى يُذكر؟
الأرقام تكشف حجم الفجوة: نحو 40 فيلمًا سعوديًا لم تتجاوز حاجز الـ100 ألف تذكرة، وغالبيتها لم تصل حتى إلى 10 آلاف تذكرة، في بلدي الذي يتجاوز عدد سكانه 30 مليون نسمة، يشكّل الشباب النسبة الأكبر منهم.
من هذا المنطلق، أكتب بدافع المحبة والحرص على مستقبل هذا القطاع الذي أنتمي إليه، آملاً أن تسهم كلماتي في تقديم توجيه ودعم – ولو بسيط – لأفلامنا القادمة. فضعف الإقبال لا يعود بالضرورة إلى المحتوى، بل إلى خلل في الترويج، وفي بناء العلاقة مع الجمهور، وجذب انتباهه إلى إنتاج يُفترض أنه يُشبهه ويعبّر عنه.
وبينما تُبذل الجهود وتُصرف الميزانيات، يبقى السؤال مطروحًا:
لمن نصنع هذه الأفلام، إذا لم يكن جمهورنا يعلم بوجودها؟
قبل أن نبدأ:
1- التسويق لا يقتصر على إصدار ملصق الفيلم (Poster) والإعلان الترويجي (Trailer) فقط.
2- مهم جداً الأخذ بأسباب ترويج فيلمك – أيها المنتج وصانع الفيلم – واجبٌ عليك.
أما ترك فيلمك في دور السينما دون تسويق، والانتظار ثم الاستغراب من قلة الإقبال – أو كما نقول بالعامية «محد درى عنه» – واتهام السوق بأنه ظلم إنتاجك، فهو أمرٌ أقرب إلى الجنون.
الأفلام السينمائية أحقُّ بالصيت، لكن في الحقيقة: لمن؟
في نهاية العام الماضي، وعندما كنتُ أجول شوارع عاصمتنا المزدهرة الرياض، وجدتُ نفسي محاصرًا من كل حدبٍ وصوب بالحملة الترويجية «احذف التطبيق» التابعة لبنك الرياض، والتي دفعتني إلى الحديث مع بعض زملاء المهنة عن جُرأتها وقوّتها رغم بساطتها.
هنا توقفتُ قليلًا وتساءلت: ماذا عن حملات الترويجية لأفلامنا في شباك التذاكر؟ ثم شعرت بالغيرة. لماذا لا تُسوّق أفلامنا السعودية بهذه الجرأة والكثافة والقوة التي تدفع كل من يمر أمام لوحاتها الإعلانية إلى فتح نقاش طويل مع زملائه في العمل، وأصدقائه، وأفراد عائلته؟ ألسنا أولى كـ «أفلام» من غيرنا؟
وقد تكرّر الموقف نفسه هذا العام مع العلامة التجارية «ديمة» وحملتها الترويجية لمنتجها الجديد «ديمة عندها شيبس». والمضحك أنني لم أكن أعلم أن لدى «ديمة» منتج شيبس من الأساس! لأتفاجأ بأن إعلان الفيديو يتحدث عن نفس تساؤلي…
وهنا تساءلتُ من جديد: لماذا لا تُقدَّم الحملات الترويجية لأفلامنا السعودية بطرق إبداعية تثير فضولنا؟ ولماذا نعتمد في أغلب الأعمال فقط على ملصق الفيلم (Poster) – الذي في أغلب الأحيان لا يثير الفضول – والإعلان الترويجي (Trailer)؟
لماذا لا نبدأ بـ Teaser، الذي يكون بمثابة الطُّعم الذي يصطاد المارّ بسيارته أو المتصفّح في مواقع التواصل، ويحرّك الفضول في داخله؟
ثم ننتقل إلى Reveal، الذي يُدخلنا في عالم الفيلم الجديد ويجعلنا نتحدث عنه؟
ثم إلى Call to Action، الذي يدفعنا إلى شراء التذاكر وحضور الفيلم في صالات السينما؟
والأهم من ذلك كله: أن تكون الحملة الترويجية مستمدّة من قصة الفيلم، وتُقدَّم بروح وعالم الفيلم نفسه. بمعنى: إن كان الفيلم يتحدث عن طباخ ماهر، فلتجعلنا الحملة الترويجية نؤمن أن هذا الطباخ يملك مطعمًا حقيقيًا سيتم افتتاحه قريبًا، وتظهر شخصية الطباخ إعلاميًا في برامج الطبخ المختلفة. (وهذا بحر بحد ذاته يمكن التعمق فيه حسب نوع وقصة الفيلم).
هذا يدفعني إلى تساؤل آخر:
س. هل نتعمّد نحن – كصُنّاع أفلام ومنتجين – قتل أفلامنا في أهم مرحلة؟ (مرحلة التسويق)
س. هل نفقد الشغف بعد رحلة إنتاجية مُنهكة؟
س. هل لم نصل بعد إلى مرحلة من النضج والإدراك الكافي لفهم أن تسويق أفلامنا جزء لا يتجزأ من حياة الفيلم، وركنٌ أساسي في دعم نجاحه في شباك التذاكر؟
متى يبدأ التسويق؟
بعد الإشراف على عدة أفلام سعودية ومصرية، وإدخالها إلى شباك التذاكر السعودي، أيقنتُ ما يلي:
أولًا: أن التوفيق والقبول من عند الله عز وجل.
ثانيًا: أن الترويج لأي فيلم قبل عرضه بأيام قليلة في صالات السينما لا يحقق نتيجة فعالة.
ثالثًا: أن التسويق رحلة طويلة كرحلة إنتاج الفيلم، تمر بمراحل: تطوير، ثم إنتاج، ثم إطلاق.
إليك التوجّه العام الذي آمل أن أراه في أفلامنا المحلية، والذي لا ينبغي تقديم الفيلم كمشروع للمستثمرين من دونه. وهو على النحو التالي:
أولًا: دراسة وتحليل الفئة المستهدفة للفيلم.
س. من هم الجمهور؟
س. لماذا سيشاهد الجمهور هذا الفيلم أو يُعجب به؟
– هل هي القصة؟ أم الشخصيات؟ أم لوجود ممثلين محبوبين؟
– هل الفيلم مبني على أحداث واقعية مرّ بها الجمهور المستهدف ويتذكرونها جيدًا؟
– هل الفيلم مستوحى من تراثنا وثقافتنا؟ من مدارسنا أو أحيائنا أو تعاملاتنا في الماضي أو الحاضر؟
س. كيف ستجذب انتباه فئتك المستهدفة في كل مرحلة من مراحل حملتك التسويقية؟
– هل ستعرض الفيلم في أحيائهم؟ أم ستقوم بجولة في مناطق تجمّعهم (مدن أو قرى معيّنة / مدارس / إلخ)؟
– هل ستجذبهم من خلال الملصق الدعائي بلغتهم؟ أو ربما بطرح سؤال يثير فضولهم؟
ففيلمك – عزيزي المنتج وصانع الفيلم – هو الجواب لفضولهم.
ثانيًا: بناء خطة الرحلة التسويقية للفيلم.
س. متى تكون نقطة البداية ومتى انطلاق الحملة التسويقية؟
نقطة البداية تختلف من فيلم لآخر؛ فقد تكون من إعلان فوز فيلمك بدعم للتطوير، أو من إعلان توقيعك مع مستثمر أو راعٍ، أو من إعلان حصولك على تمويل من صندوق استثماري أو جهة معيّنة، أو من إعلان اكتمال تعيين طاقم الممثلين. كلها أفكار يمكن أن تكون نقطة انطلاق للحديث عن فيلمك.
أما نقطة انطلاق الحملة التسويقية نفسها، فغالبًا ما تبدأ بإطلاق أول ملصق تشويقي للفيلم (Teaser Poster) أو فيديو تشويقي (Teaser Trailer) ، والذي يمكن إطلاقه بعد الانتهاء مباشرة من مرحلة الإنتاج.
لكن، من وجهة نظري، أرى أن يكون هناك مدخل غير اعتيادي للحملة التسويقية للفيلم السعودي، يُعرف بـ «Misleading Teaser»، أي إعلان خادع يكون تمهيدًا للـ Teaser الرئيسي.
مثال على ذلك: لنفترض أن الفيلم يتناول أحداثًا تجري في مدرسة. يمكن أن نعلن عن «بدء القبول والتسجيل» في هذه المدرسة – الوهمية – بتاريخ يتزامن مع موسم عودة الطلاب والطالبات إلى المدارس (ليتماهى مع الواقع). وعند دخول المتلقي إلى رابط التسجيل، يُفاجأ بعرض الفيديو التشويقي للفيلم أو لمحة عن المدرسة داخل الفيلم، مع إمكانية حجز مقعد مبكرًا لمشاهدة الفيلم (Film Advance Booking) ، ومشاركة هذه التجربة مع أصدقائه، مما يساهم في بناء «الكلمة المنقولة» (Word of Mouth).
النتيجة: مشاركة واسعة لاعلان التشويقي الذي يصب في دراية العامة عنه مع زيادة عدد المشاهدات للفيديو التشويقي.
هذا فقط مثال. بإمكانك بناء أفكار إبداعية أخرى حسب نوع وقصة فيلمك: كأن يكون فريقًا رياضيًا يبحث عن مدرب، أو فيلم رعب يدور حول شخص مفقود، وغير ذلك. أترك الخيال والإبداع لكم.
ثالثًا: رسم خطة حياة التسويق للفيلم
– نقطة البداية (كما ذُكرت سابقًا)
– نقطة الانطلاق (كما ذُكرت سابقًا)
– مرحلة تطوير الخطة التسويقية للفيلم، وفيها نُحدّد ما يلي:
- تحديد الميزانية المتاحة للتسويق، لبناء توجّه مناسب ضمن نطاق الصرف المتاحة.
- تحديد المدة اللازمة لتطوير الأفكار وتنفيذها، بالإضافة إلى تحديد الأصول التسويقية اللازمة للحملة.
- تحديد روح ونبرة التوجّه العام لتسويق الفيلم سواء كان مباشرًا، غامضًا، فكاهيًا، أو حتى «Misleading» /خادعاً.
- كيف نجعل الأصول التسويقية ممتدة من روح الفيلم، وقصته، وأجوائه؟
- كيف سنسوق هذه الأصول للفئة المستهدفة؟
- تطوير جدول زمني يتضمن مواعيد إطلاق كل أصل ومنشور تسويقي.
- تحديد الرعاة المناسبين، وتطوير عرض تقديمي Presentation خاص لهم، يتضمّن مقترحات التعاون من تبادل منافع إلى دعم مالي.
- هل سنقوم بحملة تسويقية شاملة 360 Marketingتشمل:
- مواقع التواصل الاجتماعي.
- برامج تلفزيونية و يوتيوبية.
- لوحات إعلانية خارجية.
- منتجات مشتركة مع الرعاة.
- أطلاق تجربة تفاعلية حية أو غيرها؟
أم أن الميزانية لا تسمح إلا بتسويق رقمي بسيط Digital Only؟
– عند أي دور سينما سيكون العرض الخاص (Film Premiere)؟ ومن هم المدعوون
- احرص على تنويع المدعوين بين أصحاب التأثير الجماهيري، والقنوات الإعلامية، والجمهور العام أيضًا. فمصداقية بعض الأشخاص العاديين قد تكون أقوى من غيرهم.
- تذكّر أن هذه أول تجربة للحضور لدخول عالم فيلمك، فاحرص على تقديم هدية تذكارية، مأكولات ومشروبات مستوحاة من أجواء الفيلم وتفاصيله أو حتى بطاقات الدعوات تكون من روح الفيلم و قبل دخول الصالات تكون تجربة أيضا.
أين نسوّق لأفلامنا؟
القائمة تطول، ومع كل فيلم تُفتح أمامنا آفاق وطرق جديدة.
فيما يلي بعض المقترحات:
1- التسويق الممتد من عالم الفيلم:
– استخدام عناصر الفيلم في التسويق، مثل فيلم «فخر السويدي»
– سيارة الآيسكريم التي ظهرت في الفيلم استُخدمت في الترويج، حيث وزّعت آيسكريم مجانيًا على طلاب عدة مدارس في مدينة الرياض، وكان مدوّنًا على السيارة تاريخ إطلاق الفيلم في السينما.
– لغة التواصل في الحملة كانت مستوحاة من الخطابات المدرسية مثل: «إلى من يهمه الأمر»، واستخدمت أيضاً العامية الشائعة بين طلاب المدارس لإضفاء طابع قريب من الفئة المستهدفة.
– فيديو «آداب السينما» بالتعاون مع ڤوكس سينما، يُمثّله طاقم الفيلم بشخصياتهم، ويُعرض خلال فترة الإعلانات التي تسبق بداية أي فيلم.
2- إعلانات الطرق (Billboards):
– التعاقد مع شركات اللوحات الإعلانية مثل: العربية، روتانا ساينز، فادن ميديا وغيرها، لعرض حملتك الترويجية قبل وأثناء عرض الفيلم في الصالات.
3- تسريب مقطع من الفيلم:
– من خلال حساب الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، تُسهم في إثارة فضول المشاهد.
– احرص على اختيار مشهد يحتوي على مادة تدفع الجمهور إلى التفاعل والنشر وخلق حديث حوله.
4- عرض الافتتاح (Film Premiere)و العروض الخاصة:
– اجعل عرض الافتتاح امتدادًا لعالم الفيلم، من خلال الأطعمة والتوزيعات المستوحاة منه.
فعلى سبيل المثال، في فيلم فخر السويدي، تم إنشاء مقصف مدرسي داخل صالة السينما، وُزّعت فيه وجبات مقدَّمة من «كاكو» و«شيبس مرامي».
– كما قُدّمت هدية تذكارية عبارة عن حقيبة مدرسية تقليدية، احتوت على سجادة صلاة مطوية، دفتر، قلم، وملصقات تحمل عبارات شهيرة من الفيلم.
– إقامة عرض خاص فقط للفئة المستهدفة التي تسهم في بناء حديث الجمهور (Word of Mouth)، كما فعل فيلم هوبال بمبادرة جميلة من خلال عرض خاص لعيون الأمهات.
5- الظهور الإعلامي:
الظهور الإعلامي مهم لأي فيلم و بحرٌ واسع بحد ذاته، وهو متنوّع في الخيارات كذلك. إليك بعض الأمثلة:
– بودكاست: ثمانية، فلم رنت، مايكس و غيرهم.
– قنوات يوتيوبية: كلماشي، فدونة.
– قنوات تلفيزيونية: صباح الخير يا عرب – سيدتي –مساء الثقافية و غيرهم.
6- التعاونات مع المطاعم و كافيهات:
احرص على أن يشارك المطعم أو المقهى في الحديث عن التعاون بينكما، من خلال النشر والترويج عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي.
– تعاون فيلم مسامير مع مطعم «هرفي» – وجبة خاصة مرفقة بهدية عبارة عن ميدالية لإحدى شخصيات عالم مسامير.
– تعاون فيلم شباب البومب مع مطعم «كودو» – وجبة «بوكس شباب البومب».
– تعاون فيلم فخر السويدي مع مقهى «فورتوينز» – عرض خاص بعنوان «كومبو فخر السويدي»
7- اللقاءات مع الجمهور:
أقيمت في (مَخرج) مع المقدم يوسف الملا لقائان – لكل فيلم على حدة – لفيلمي إسعاف وفخر السويدي مع صنّاع العمل.
في لقاء إسعاف، تحدّث بطل الفيلم إبراهيم حجاج عن تجربته، فيما أضاف المنتج طلال العنزي ملاحظاته حول التحديات التي واجهت إنتاج الفيلم و اجابة أسئلة الجمهور.
أما في اللقاء الآخر لفيلم فخر السويدي، فتحدّث المخرج عبدالله بامجبور، والكاتب والممثل يزيد الموسى عن تجربتهما، كما أجابا عن أسئلة الحضور.
– فاجأ أبطال فيلم إسعاف الجمهور بحضورهم في عدة عروض سينمائية في الرياض والشرقية.
8- تجارب تفاعلية:
– إطلاق فيلم «فخر السويدي» لعبة إلكترونية مستوحاة من اللعبة التي كان يطوّرها شخصية زياد في الفيلم من تطوير شركة Pixel Studio، وأُتيحت للعامة للاستمتاع بها.
– تجربة مسامير في منطقة البوليفارد بمدينة الرياض.
9- الجولة السينمائية (Film Tour)
من المهم الوصول إلى مدن ومناطق، بل وحتى قرى الفئة المستهدفة. وهنا نرى جهودًا مميزة في جولة فيلم هوبال في أبها والقصيم وتبوك وحفر الباطن أيضًا، والتي ساعدت في جذب الفئة المستهدفة إلى دور العرض، وكان بعضهم يزور السينما لأول مرة.
نقاط ختامية:
– احرص، صديقي المنتج وصانع الفيلم، على إضافة خطة التسويق لفيلمك ضمن الملف التقديمي الموجّه للمُنتِج أو المستثمر (حتى وإن كانت مبدئية). فالملايين من الريالات التي ستُستثمر في فيلمك أمانة في عنقك، فاحرص على أن تكون قد قدّمت كل ما تستطيع لضمان بوادر النجاح في شباك التذاكر.
– تم عرض أكثر من 50 فيلمًا سعوديًا في شباك التذاكر، فهل يمكنك أن تذكر 50 حملة ترويجية مميّزة رافقت هذه الأعمال؟ أو حتى تستطيع ذكر أكثر من 50 فيلماً سعوديا؟ في اعتقادي: لا.
لذلك، كن أنت الأول، وبادِر، وساهم بإبداعك في تطور هذا القطاع، حتى يُحتذى بك.
– قد تقوم بكل خطوة مذكورة في أعظم كتب التسويق والدعاية، ولا تحصد نتائج تُذكر. المطلوب منك، أيها المنتج وصانع الفيلم، هو الأخذ بالأسباب لا أكثر
تمنياتي بأن تكون أفلامكم القادمة مدرسةً في تسويق الأفلام السعودية، وسببًا جوهريًا في توسّع السوق المحلي ونموّه.










