بالرغم من فارق العمر والأجيال الطويل بيننا، وبالرغم من أنني لم أشرُف بمجالسته سوى مرة وحيدة، في إفطار بمدينة الأقصر سنعود لذكره لاحقًا، إلا أن بإمكاني الزعم أن نضجي الشخصي وانتقالي بين مراحل الإدراك قد تزامنا بشكل أو بآخر مع مرور النجم الكبير نور الشريف هو الآخر بمراحل في مسيرته الفنية، وعلاقة الجمهور به، سواء كنا نعني الجمهور العريض من المشاهدين، أو الجمهور المتخصص من النقاد والمحللين والمعلقين السينمائيين.
نشأت في مرحلة تحوّل نور الشريف من نجم سينمائي إلى نجم تلفزيوني، في زمن كان هذا التحوّل فيه يعني ضمنيًا أفول صاحبه. نور الذي ظل طيلة السبعينيات والثمانينيات ملء السمع والبصر، لا يمر عام دون أن يلعب بطولة عدة أفلام فائقة النجاح، صارت أعماله السينمائية قليلة العدد، محدودة النجاح الجماهيري، حتى لو كان من بينها تحف سينمائية ستُخلد لاحقًا مثل «ليلة ساخنة» لعاطف الطيب و«البحث عن سيد مرزوق» لداود عبد السيد. وبينما كانت منافسة شباك التذاكر محتدمة بين عادل إمام ونادية الجندي ونبيلة عبيد -قبيل سنوات من وصول جيل سيقلب المعادلة كليًا- أتت محاولات نور للحفاظ على شعبية الشباك متمثلة في أفلام حركة وجريمة مثل «لهيب الانتقام» و«الهروب إلى القمة» و«عيش الغراب»، يحتفظ أغلبها بقدرته على إثارة الإحراج حتى يومنا هذا.

باختصار، كان نور الشريف يعيش مرحلة فنية ملائمة تمامًا لأن ينفر منه طفل أكمل بالكاد العاشرة، مرحلة تقود عادة النجوم إما إلى الانزلاق في اختيارات أسوأ استجداءً للبقاء، أو الانزواء والعيش على أنقاض الذكريات وحكايات الزمن الجميل، بل أن الانتقال إلى الدراما التلفزيونية كان في حد ذاته إعلانًا للاستسلام، للانتقال من مساحة النجم الذي يخرج الناس من بيوتهم ويدفعوا المال كي يشاهدوه، إلى ذلك الذي يدخل البيت مجانًا لتشاهده الأسر بينما تُمارس حياتها اليومية. وبالرغم من القيمة الفنية الرفيعة لعشرات المسلسلات منذ انطلاق التلفزيون المصري، ظلت حسابات الصناعة طويلًا تعتبره فنًا من الدرجة الثانية.
نور الشريف كان أحد الأسباب الرئيسية في تغيير تلك الحسابات، بعدما تمكن مع حفنة من زملائه -سبقه زمنيًا يحيى الفخراني ولحقت به يسرا وليلى علوي- من جعل الدراما التلفزيونية مساحة نجومية موازية، واسعة النطاق تمتد من المحيط إلى الخليج، قد لا تتمتع بحس الرهان على الجواد الرابح الذي تحققه السينما، لكنها تبني علاقة مغايرة، قد تكوّن أعمق وأكثر أثرًا مع البشر. علاقة تحوّل النجم جزءًا أصيلًا من تركيب عقل وذاكرة ووعي المُشاهد، ليغدو نور حاضرًا داخلي وداخل كل من عاش تلك المرحلة، سواءً شئنا أم أبينا، أحببنا أعماله وقت عرضها أم لم نحبها، فقد صارت داخل خلايانا، ممتزجة برائحة الذكريات ومذاق طعام الأم ولهفة الحب الأول.
صور ملازمة
مع انتشار شبكة الإنترنت ثم منصات التواصل الاجتماعي، وإتاحتها المساحة لمشاركة التجارب الشخصية لتُشكّل ذاكرة وسردية جماعية متداولة، تصير مع الوقت صورة جديدة تلتصق بصاحبها، تغدو ملازمة له، ترد إلى الأذهان فور ذكر اسمه، بعض النظر عن مدى دقتها أو صدق تعبيرها عن صاحبها. محمد صبحي مثلًا هو ناظر مدرسة الأخلاق الحميدة الذي يؤمن أن كل عمل فنّي يجب أن يحمل رسالة توعوية، ومحمد فوزي هو الفنان المناضل الذي رفض الغناء لضباط يوليو فأمموا شركته وقتلوه كمدًا، وسعيد صالح هو صاحب الموهبة الأكبر من رفيقه عادل إمام، والذي لولا اختياراته السياسية والحياتية لكان هو زعيم الشاشة الأوحد.
لا يهم هنا كثيرًا قدر الصدق من الكذب في السرديات السابقة، وأغلبها مزيج من الأمرين، فصبحي اختار لنفسه تلك الصورة في مرحلة متأخرة من مسيرته المهنية متعمدًا أن يتناسى بنفسه أعماله الأولى الأكثر حرية، والتي كان بعضها يتعرض لملاحقات رقابية بسبب خروجه عن الآداب العامة. وفوزي أُممت شركته بالفعل ومات بمرض نادر، لكنه لم يكن مُعارضًا وغنى كثيرًا لثورة يوليو، عن قناعة حقيقية وليدة زمنِه لا رغبة في رياء. أما سعيد صالح فقد أقدم بالفعل على خطوات أضرته، لكنه نال أيضًا كل الفرص التي أثبت فيها أن مساحة موهبته وزمن توهجه أقل بكثير من أن يوضع في مواجهة مع رفيق صباه، وهو ما ارتضى به سعيد نفسه لكن الإنترنت رفض ذلك الرضا!
لا ضير بالطبع في سعي عقل الإنسان لتبسيط الأمور، فمن الغلو أن نتخيل قدرة البشر على التفكير بتأنٍ ووضع تصورات وافية عن كل فنان أو شخص أو بلد أو ثقافة، وتلك السرديات التبسيطية تساعد الجمهور على إدراك تاريخ الفنون وتكوين علاقة معها، لكن أزمتها لدى من يأخذ الفن على محمل الجد هو ما ترتكبه من اختزالٍ مّخِلٍ في حق مبدعين حياتهم بالتأكيد أكثر عمقًا وتعقيدًا من أن توضع تحت عنوان واحد يختصر كل شيء في كلمة ونصف.
بين ميم وسردية
إذا ما حاولنا تطبيق الرؤية السابقة على مسيرة النجم نور الشريف، سنجد أنفسنا أمام صورة وسردية، يكاد حضورهما يُمثل الغالبية العظمى من ظهور نور في الخطاب المتداول عبر الإنترنت، سواء في أروقة محبي السينما ونقادها أو حتى بين الجمهور العام. الصورة مصدرها في أغلب الحالات «لن أعيش في جلباب أبي»، المسلسل الأيقوني الذي تحوّل إلى مصدر لا ينضب من النكات المصورة أو الميمات memes، مئات النكات المعتمدة على عشرات اللقطات لأبطال المسلسل وعلى رأسهم عبد الغفور البرعي (نور الشريف) وزوجته فاطمة كشري (عبلة كاملة).

الحضور الدائم يؤكد النظرية التي طرحها عالم البيولوجي الشهير ريتشارد دوكنز في كتابه «الجين الأناني»، عندما اقترح عام 1976، قبل عقود من الأنترنت الجماهيري، مصطلح الميم كمُعادل ثقافي لما تقوم به الجينات في علم الأحياء: فكرة أو صورة أو تصرف أو أسلوب ينتقل من شخص لآخر داخل مجتمع ما، فيتم نقل وتوريث الثقافة بالصورة التي توّرث بها الجينات صفاتنا الجسدية. لعل حضور وشعبية مسلسل لم يكن صناعه يطمحون في أكثر من تصدر السباق الرمضاني عام 1995، ليصبح ظاهرة ثقافة مستمرة ومفهومة بشكل عام بعد ثلاثة عقود، هو مثال واضح عمّا نقصده بشيوع فكرة ما وتحوّلها بالنسبة للبعض حقائق يرون العالم من خلالها.
ينقلنا ذلك للسردية السائدة حول نور الشريف: سردية الممثل المحترف المثقف، الذي يعوّض نقص الموهبة بإتقان الحرفة واتساع الثقافة ودعم المواهب الشابة. لا تكاد تجد مقالًا أو حوارًا واحدًا، مكتوبًا أو مصورًا أو مسموعًا، خلال العقدين الأخيرين، تعرض أصحابه لنور الشريف ومسيرته، بما يتضمن مئات الصفحات التي سوّدت في تأبينه بعد رحيله عن عالمنا، إلا وستجد فيها تكريسًا لنفس الصورة، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
تضعنا تلك السردية أمام صورة ممثل ذكي، له حضور أمام الكاميرا، لكنه لا يمتلك موهبة فطرية متفجرة كالتي تنسبها الذهنية الجمعية لأحمد زكي مثلًا، ولذلك فهو يعمل باستمرار على تعويض هذا الفارق في الموهبة عبر القراءة والتدريب المستمر، وملاحظة الشخصيات من حوله ليقتبس منها تفاصيل ولزمات تصلح للاستخدام عند الحاجة، ويجيد استدعاء ذلك المخزون عند أداء الشخصيات، بالإضافة لدعمه الأجيال الأحدث من المخرجين والمؤلفين، إيمانًا منه بدوره في دعم صناعة السينما، وثقةً في أن هؤلاء الموهوبين الشباب سيساعدونه أن يظهر بصورة متجددة.

لكل ما سبق جذور في الواقع بطبيعة الحال، تجسيدها في حالتي هي جلستي الوحيدة المذكورة مع نور الشريف، والتي دار الحديث في أغلبها حول الأفلام الجديدة التي شاهدها مؤخرًا وآراءه حولها، قبل أي يُخرج جهاز آيباد الخاص به، ليريني عدة تطبيقات يستخدمها لمتابعة الأفلام الحديثة وينصحني بالاعتماد عليها. لاحظ هنا المفارقة: فنان شاهق في أواخر الستينيات من عمره، في حالة صحية سيئة ستؤدي بعدها بشهور لرحيله (اللقاء دار في يناير 2014 وتوفي في أغسطس 2015)، يتحدث مع شاب لا يعرف عنه إلا تزكية الناقد يوسف شريف رزق الله التي قد تكون مجرد مجاملة، لكنه -للعجب- هو من ينقل معلومات تقنية حديثة لا العكس. هذا رجل يقدس التعلّم المستمر حقًا، لنفسه وللآخرين، وليست مجرد كلمات للاستهلاك الإعلامي.

ما يخفيه الحديث المكرر
غير إن تلك السردية المتكررة تظلم نور الشريف كثيرًا، عندما توحي بشكل غير مباشر، وتكرّس لاسيما في عقول من لم يتمكنوا من متابعة ما يكفي من أعماله، بتصوّر خاطئ عن نجومية مصنوعة، وعن موهبة متواضعة أنقذها الاجتهاد والاستذكار والثقافة. شيوع هذه الفكرة لا تظلم فقط ممثلًا مدهشًا، يُمكن بسهولة بالغة وضعه ضمن أكثر نجوم السينما المصرية موهبةً ووهجًا وحضورًا، لكنها تتجاوز ذلك للإساءة لمهنة التمثيل بشكل عام، عبر اختصارها في كونها مجرد نفحة ربّانية يمنحها القدر لإنسان، فتكون كافية لأن تجُبّ كل ممارسة أخرى هي بالأساس في صميم عمل الممثل المحترف.
كأن الممثل مُطالب بأن يولد ممثلًا، يمكنه في المهد أن يُجسد أعقد الشخصيات وأعمقها، وكأن الخبرة الحياتية المتراكمة، والقدرة على التقاط التفاصيل، والوعي بالمكان والزمان والمهمة الموكلة للفنان، أشياء بلا قيمة مقابل التصور الرومانسي عن الممثل الذي يذوب في الشخصية فيصيرا واحدًا، ويدخل أزمات نفسية في كل مرة ينهي فيها دورًا بينما لا يستطيع إخراج الشخصية من داخل عقله. حسنًا، تبدو هذه الرواية مؤثرة وآتية من عالم آخر، لكنها مجرد وسيلة، مكروهة في كثير من الحالات، لتعامل الممثل القدير مع مهنته.

التقمص والتجسيد موهبة. القدرة على الإمساك بالفروق الدقيقة بين شخصيات قد تبدو للعين العابرة متشابهة موهبة. فهم طبيعة الوسيط وكيفية التمثيل لكاميرا السينما التي تجعل كل رجفة شفاه أو رمشة جفن تبدو حدثًا جللًا على الشاشة الكبيرة في مقابل كاميرا التلفزيون التي تحتمل أداءً أكثر إفراطً وخشبة المسرح التي يرتبط فيها الحضور الجسدي بالتمكن الصوتي موهبة. وقبل كل ذلك تبقى أكبر موهبة هي تلك القدرة على دخول القلوب من أوسع أبوابها، على أن تقع الفتيات والشباب والأمهات والشيوخ في سحر ابتسامة ظلت حتى آخر العمر تحمل براءة طفل شقي لا يصدق أن هوايته صارت مهنته فمنحها ما تستحق من اهتمام.
نور الشريف أخذ موهبته على محمل الجد، وهو أمر يستحيل بأي منطق أن يُلام عليه، بل ينبغي على من يؤمن حقًا بأن التمثيل عمل إنساني عظيم أن يضع هذا الفنان النادر نصب عينيه. نور الشريف أيقونة لا تنطفئ، ليس لأنه الأرفع ثقافة أو الأمهر حرفة أو الأكثر احتضانًا للشباب، ولكن لأنه موهبة حقيقية، كُتب لها أن تنمو في صحة واهتمام وسط عالم يُقدس الإهمال والفهلوة والانتصار للكسل والتواكل. نور الشريف باقٍ بفضل ابتسامة عبد الغفور البرعي المزهوّة أمام صورته الشخصية، لا بسبب أحاديثه الذكية ومحاضراته الشيقة، أو لنكون صادقين: هو باقٍ بسببهما معًا، فإن كان لدينا فنانون موهوبون فحسب، وآخرون مجتهدين وفقط، وغيرهم لا يملكون سوى الجاذبية والحضور، فهو النموذج المشرق الذي جمع كل شيء. نور الشريف خالد لأنه نور الشريف، بغض النظر عن أي حسابات عقلانية أو سرديات سائدة.
اقرأ أيضا: كيف غيّرت فقرة في مقال رؤيتي لسينما يوسف شاهين وللعالم؟

