إذا حاولت العودة بالذاكرة، يتبادر إلى ذهني جميع أفلام الأخوين كوين (إيثان كوين وجويل كوين): أفلام مختلفة عن المألوف، من أنواع متباينة، تدور في مواقع غير معتادة، مع شخصيات متنوعة.
سينما من نوع مختلف، بطابعها الخاص. يبقى الأخوان كوين وفّيين لأصولهما. أفلامهما مثل «بارتون فينك» (1991، «Barton Fink»)، و«ليباوسكي الكبير» (1998، «The Big Lebowski»)، و«فارغو» (1996، «Fargo») الرائع، تُعتبر في الغالب من الكلاسيكيات الكلاسيكية. لطالما تميّز عالم الأخوين كوين بشخصيات تصوّر، بدرجة أو بأخرى، على أنها مجرد خاسرة. تخيّل أبطال أفلام «فارغو» و«ليباوسكي الكبير»، على الرغم من مكانتهم الكبيرة، غالبًا ما يثيرون تعاطفًا وفكاهة، وأحيانًا حتى شفقة لديك. عادة ما يكون دورهم التوجيهي في القصص ثانويًا لحادثة واحدة. بعد هذه الحادثة، تخف وطأة شخصية الخاسر.

منذ فيلم «دمّ بسيط» (1894، «Blood Simple»)، أظهر الأخوان حبًّا عميقًا (واعيًا) لجميع أصوات ثقافتهم، من رايموند تشاندلر (1888 – 1959) إلى هوارد والدروب (1946 – 2024)، مرورًا بالموسوعة الشعبية لهاري سميث (1923 – 1991)، ولمسة فرانك كرابرا (1897 – 1991)، ونثنائيل ويست (1903 – 1940).
كان التحدي، هو كورماك مكارثي (1933 – 2023)، المؤلف الأميركي العظيم ذو الأسلوب الأدبي المميز، وعمقه الفلسفي، واستكشافه للعنف والأخلاق والحالة الإنسانية، وكتاباته، التي غالبًا ما اتسمت بقلة علامات الترقيم ولغته الشعرية المستوحاة من الكتاب المقدّس، تعمقت في القوى الأساسية التي تشكل السلوك البشري، في مواجهة المناظر الطبيعية الآسرة للجنوب والجنوب الغربي الأميركي.
اقتباس سينمائي لروايات لمكارثي عملية صعبة جدًا، كيف إذا كان هذا الكتاب هو «لا بلد للعجائز» (2005، «No Country for old men»): مرئية أخلاق رعاة البقر، التي هزمتها أحدث أشكال الشرّ التطورية.

فعلها الأخوان كوين، وظهر الفيلم الذي يحمل نفس عنوان الرواية سنة 2007، كان ولا يزال استثنائيًا، ولعله أفضل أعمالها السينمائية، ودليل على نضجهما. ليس الأمر أنهما لم يُظهرا موهبتهما سابقًا، ولكن جانبهما المشاغب كان يتغلب عليهما.
في فيلم «لا بلد للعجائز»، وجدا مواضيع وشخصيات يمكنهما التماهي معها، كما استفادا من إنسانية شخصيات الحدود، المقتضبة، المعتادة على الحياة الصعبة، مع صقل عاطفي ووجودي بخلفيات دينية.
يبدأ الفيلم بمناظر خلابة لمشهد يبدو كأنه بلا نهاية، يُخبرنا فيه صوت الراوي، الشريف بيل (تومي لي جونز)، عن أسلافه، وعن الأيام الخوالي، مقارنًا إياها بالحاضر. تكشف نبرة حديثة عن حنين إلى ماض مثالي، حين كان رجال مثله يؤدون وظائفهم بالكاد يحملون سلاحاً، بينما لا يسعنا اليوم إلا أن نُدهش من هذا النوع من أعمال العنف، دهشة لا تخلو من الخوف وخيبة الأمل.
نحن في جنوب الولايات المتحدة الأميركية، الحدود مع المكسيك، في الصحاري، نشعر بحرارة المنطقة، إنها أرض غير مريحة. مع فترات صمت كثيرة، وشخصيات متنوعة، تبدأ الحبكة البسيطة والمترابطة جيداً: يكتشف الصيّاد ليويلين موس (جوش برولين)، بالصدفة ما تبقى من صفقة مخدرات فشلت، مع ناج وحيد يحتضر وحقيبة مليئة بالمال. يفرّ موس بالغنيمة، وهكذا يبدأ الجزء الأساسي للفيلم، أي مطاردة أنطون شيغور (خافيير باردم) لتلك الأموال.

على الجانب الآخر، لدينا الشريف بيل العجوز، هذا الصوت الخلفي الذي يروي قصته بينما يطارد الاثنين. وفي هذا التناقض يكمن جوهر الفيلم، بين أميركا العنيفة والسادية، وبين النظرة المذهولة لشهود وضحايا تلك العقلية القديمة الذين يعيشون على قيم أخرى.
يركّز الفيلم في المقام الأول على النقص المدمّر في الحوار بين الأجيال المختلفة واليأس الناجم عن استمرار العنف. ويجسّد السيناريو، قصة مؤامرة مشؤومة يعيش فيها الإنسان في وضع حرج، يتحول فيه إلى مفترس أو فريسة، يقتل أو يموت.
هناك عنف، قاس ومروّع، بل مزعج إن صح التعبير، ولكن من دون مبالغة. هناك تأملات في الحرية والمسؤولية، والشوق إلى وطن يسوده السلام، وإقامة نظام عادل لا يتحقق أبداً، والرغبة العالمية في إيجاد الله.
تجسّد كلّ هذا شخصيات رصينة، من جهة، أنطون شيغور. هو ليس مجرّد كائن لا يمكن القضاء عليه مختبئًا وراء وجه بارد، بل هو إنسان حقيقي، محترف في مهنته، يفكر منطقياً، وله أخلاقيات عمله الخاصة، وحتى حسّ خفيف من الفكاهة السوداء.

إن افتقاره التام للرحمة تجاه ضحاياه مزعجة جدًا. إنه مرتزق، يحمل نقودًا معدنية في جيبه، ويقرر مصير الآخرين – أي عيشهم أو موتهم – بمجرد رمي العملة. لذلك، لديه خياران فقط، لا يشعر بمسؤولية تجاههما.
يُشار إليه أحيانًا بالشبح، وأحيانًا أخرى بالشر أو الشيطان. إنه ثابت ومراوغ، متماسك ومتسلط. يكاد يكون أثيريًا، تبدو مشيته غير عادية، دائمًا في خطّ مستقيم غريب. هو قاتل عنيد، لا يحتاج إلى احتياطات مفرطة لمفاجأة ضحاياه، يخرج من خلف الشخصيات كأنه يأتي من العدم. يبدو أن كل من يواجهه يشعر بالهزيمة منذ البداية. يستخدم آلة القتل الغريبة خاصته كما يستخدم حاصد الأرواح منجله. أحيانًا يبتسم بنظرة خاطفة ويخاطر بأرواح ضحاياه، تمامًا كما فعل الموت في فيلم «الختم السابع» (1957، «The Seventh Seal»، إنغمار بيرغمان) مع الفارس في لعبة الشطرنج.
من جهة أخرى، نعلم أن ليويلين موس هو من قدامى المحاربين في فيتنام، شخصية مليئة بالمخاوف، لكن بقدرة مذهلة على البقاء. موس قادر على حلّ المواقف، حتى مع علمه بأنه يخاطر بحياته أو حتى يعرض من حوله للخطر. إنهّ شخصية عاشت خارج المدينة، تعرف تماماً كيف تتصرف. معرفة تجاربه الماضية تُتيح لنا مقاربة أكثر تعاطفاً معه، ولكن في الوقت نفسه، هناك قوة مقنعة راسخة بأنّ هذا البلد أيضاً ليس لقدامى المحاربين.

في حالة الشريف بيل، من الواضح أنه يشعر بهيمنة نبرته الكئيبة خائبة الأمل. إنه على وشك التقاعد الطوعي، وعندما يُقيّم وضعه، يُصاب بالحزن ويُعبّر عن عجز هائل في مواجهة أحداث لم يعد يفهمها. يضفي وجوده وكلماته طابعاً مثالياً على ماض كان حتى للجرائم فيه معنى. يتزعزع أمله لأن الشيخوخة لم تُجلب له الفهم الذي كان يتوق إليه (لقاء مع الله). الشريف بيل رجل عجوز، مُنهك. كان الماضي دائماً أفضل له، وها هو يرى البلاد غير صالحة للعيش، لكنه مع ذلك يحبها.
من نظرة هذه الشخصيات، نشعر أن عنوان «لا بلد للعجائز»، أشبه بجملة، تصبح في أذهاننا تأكيداً على أن كلّ شيء يزداد سوءاً، وأن الموت نهاية كلّ شيء، وأن الشيخوخة انحدار لا يُطاق وعبء على الأجيال الجديدة.
مستقبل المرء لا وجود له، فهو لا يُصنع بمرور الزمن. الوحدة والشيخوخة، وعدم الفهم، والشرّ، والعنف غير المبرر، هي بعض جوانب الفيلم، ولدينا أيضاً الذكاء المقيد والتأملات الإثنولوجية. الفيلم نفسه نابض بالحياة، بطيء الوتيرة وسادي. نادرًا ما نجد لحظات سينمائية محفوفة بالمخاطر مثل تلك الموجودة في الفيلم. لحظات يتسارع فيها قلبك ولا تعرف أبداً كيف ستنتهي.
من وحيّ أفكار مكارثي، قدّم الأخوان كوين هذه التحفة السينمائية، كانا مخلصين جداً للرواية، بالكاد حذفا بعض الحوارات والتكرارات، مثل إشارة السجين الموشك على الإعدام في غرفة الغاز في الرواية، عندما سُئل عن سبب تركه للحلوى من دون أن يلمسها، أجاب بأنه سيتناولها لاحقًا. لمسة من الفكاهة السوداء، تُشبه التي قرأناها قبل بضع صفحات، حيث احتفظ بها الأخوان كوين في الفيلم، عندما ودّع موس زوجته، مدركاً أنه قد يصبح جثة أخرى من الجثث. قال لها: «إذا لم أعد، أخبرني أمّي أنني أحبها»، فذكرته بأنها قُتلت، فيرد عليها: «حسنًا، سأخبرها بنفسي».

«لا بلد للعجائز»، يقدّم تأملًا لا يُنسى في المكان الذي نعيش فيه، في حاضر مشوب بعنف لا معنى له، وفي ماض جدير بالتذكر.
عمل لا يمكن إنكاره، إخراج جريء ومثير، فالعلاقة الكامنة بين الشخصيات والسرد متضاربة، إذ تتشابك بساطة القصة بالعمق العاطفي لراويها (الشريف)، الحرارة، والضوء، والشمس، والصحراء، والجثث… مزيج لا يتناسب مع أطره العقلية، أطر ورثها من أجيال من البروتستانت الذين تعلموا رؤية أميركا الجنوبية كفرصة، كفرصة للتوسع الديني والجسدي.
باختصار، «لا مكان للعجائز» قصة عن رحلة، رحلات متعددة، عن فكرة الإنسان عن الصواب.