انتهت فعاليات حفل جوائز الغولدن غلوب صباح اليوم، معلنةً انطلاق موسم جوائز هوليوود بأمسية اتسمت بروح الدعابة اللاذعة والتعليقات الساخرة، ولكن من دون الانزلاق إلى الخطاب السياسي المباشر. وكما يحدث كل عام، تبقى الأفلام الفائزة هي الشرارة التي تشعل الحماس والجدل، إذ يسعى معظم المرشحين إلى حجز مكان لهم في السباق نحو فئات الأوسكار الرئيسية.
وبالنسبة لهيئة أمضت السنوات الأخيرة في محاولة محو آثار سلسلة من الفضائح، من غياب التنوع في عضويتها، إلى شبهات أخلاقية، وصولًا إلى اتهامات بالرشوة، فإن استمرارها في لعب دور محوري داخل موسم الجوائز يبدو مفارقة لافتة. ورغم ما أحاط بها من عيوب وتصدعات، ما تزال جوائز الغولدن غلوب تحتفظ بذلك المزيج الفريد من الوجاهة واللمعان، مؤسسة راسخة في تقاليد تمتد لعقود، قادرة على استعادة حضورها كلما ظنّ البعض أنها فقدته. والمفارقة أن نتائجها لم تكن يومًا بعيدة كثيرًا عن توجهات بقية الجوائز، بل كانت أحيانًا أكثر جرأة وانفتاحًا.
اليوم، يبدو أن عملية إعادة الهيكلة (من تحديث نظام التصويت إلى إعادة تقديم الهوية) قد أعادت قدرًا كبيرًا من التوازن. فالقائمة الفائزة هذا العام توحي بمؤسسة تحاول، ولو بحذر، إعادة تعريف نفسها وتوسيع آفاقها، بعيدًا عن الصورة المهتزّة التي لاحقتها.

لم يكتف فيلم «معركة تلو الأخرى» للمخرج بول توماس أندرسون بتلبية التوقعات، بل اكتسحها، ليصبح القوة المهيمنة في تلك الليلة بحصوله على أربع جوائز: أفضل فيلم موسيقي أو كوميدي، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو، وأفضل ممثلة مساعدة لتيانا تايلور. لطالما كان أندرسون حاضرًا بقوة في نقاشات موسم الجوائز، لكن هذه المرة يبدو الزخم مختلفًا، أوضح، وأقوى، وأكثر تماسكًا. فمزيج الفيلم من الدقة العاطفية والجرأة الفنية وسهولة الوصول جعله في قلب النقاشات.

على الجانب الآخر، لم يكن متوقعًا ما حدث مع فيلم «خطاة» لرايان كوغلر، وهو عمل أشاد به الجميع واعتُبر، خصوصاً في الولايات المتحدة، أحد أبرز المعالم الثقافية لعام 2025. فمزيجه الدقيق بين عناصر النوع السينمائي والرسائل الاجتماعية الخفية جعله علامة فارقة منذ لحظة عرضه. صحيح أنه حصد جائزتي الإنجاز في شباك التذاكر والموسيقى التصويرية الأصلية، إلا أن هاتين الجائزتين أقل تأثيرًا في سباق الجوائز الكبرى.

وبرز فيلم «هامنت» الرومانسي الخيالي للمخرجة كلوي جاو كأحد أهم انتصارات الليلة، بعد فوزه بجائزة أفضل فيلم درامي، وحصول جيسي باكلي على جائزة أفضل ممثلة عن أدائها المؤثر لشخصية أغنيس، زوجة شكسبير. كانت باكلي بلا شك نبض الفيلم وبوصلته العاطفية ومصدر صدقه الأقوى. ولم يكتف فيلم جاو بتصوير معاناتهما، بل بنى خيالًا تأمليًا جريئًا جعل فقدان الابن تيارًا خفيًا يغذي الفيلم ويمنحه عمقه.

أما تيموثيه شالاميه، فقد نال أخيرًا الجائزة التي طال انتظاره لها، رغم أن ليوناردو دي كابريو كان الأجدر بها. شالاميه حصد جائزة أفضل ممثل في فيلم كوميدي أو موسيقي، بعد أداء مفعم بالحيوية والمرح والإثارة، يثبت قدرته على قيادة هذا النوع من الأدوار بخفة ورشاقة. وفي الفئة نفسها، استحقت روز بيرن جائزة أفضل ممثلة عن فيلم «لو لدي أرجل لركلتك» (If I Had Legs I’d Kick You)، بعد أداء لافت جسّدت فيه شخصية ليندا، المعالجة النفسية التي تضطر للانتقال إلى فندق مع ابنتها ذات الاحتياجات الصحية الخاصة. وفي موازاة ذلك، افتتح فيلم «صائدو الشياطين» (K‑Pop Demon Hunters) الليلة بقوة، محققًا جائزتي أفضل أغنية أصلية وأفضل فيلم رسوم متحركة.

أما فيلم «قيمة عاطفية»، ففاز بجائزة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتغيير مسار المنافسة. ففي الثانية والسبعين من عمره، يجد ستيلان سكارسغارد نفسه متقدماً على بول ميسكال وشون بن وغيرهما. كلٌّ منهم قوي، لكن لا أحد يمتلك الرصانة التمثيلية التي قدّمها سكارسغارد. ثم جاء خطابه المؤثر عن أولوية السينما وهشاشتها وصمودها وإصرارها على البقاء ذات قيمة، ليمنحه دفعة إضافية في السباق.

يشكّل البرازيليون اليوم الكتلة التصويتية الأبرز داخل الغولدن غلوب، وقد تجلّى هذا بوضوح مع فوز فيلم «العميل السري» بجائزتي أفضل فيلم أجنبي وأفضل ممثل في فيلم درامي. وتكتسب الأخيرة أهمية خاصة بعد استبعاد فاغنر مورا المفاجئ من قائمة جوائز نقابة ممثلي الشاشة، وهي انتكاسة عادةً ما تُضعف زخم الممثل في سباق الأوسكار. لذلك جاء فوزه هنا بمثابة تصحيح للمسار وتذكير بقوة أدائه ودعم الهيئة له.
ومع إسدال الستار على هذه الدورة، يتّضح أن الغولدن غلوب لم تعد مجرد محطة افتتاحية لموسم الجوائز، بل مختبرًا مبكرًا لاتجاهات الصناعة، ومؤشرًا على التحولات العميقة في ذائقة الهيئات التصويتية وتوازنات النفوذ داخل هوليوود. فبين صعود أصوات جديدة، وتثبيت حضور أسماء مخضرمة، وتحويل بعض الانتصارات إلى رسائل سياسية وثقافية غير معلنة، بدا الحفل هذا العام أقرب إلى خريطة طريق أولية لما قد نشهده في الأسابيع المقبلة.
ومع اقتراب الأوسكار، تتجه الأنظار إلى الأفلام التي عززت موقعها، وتلك التي تحتاج إلى معجزة لاستعادة زخمها، وإلى مفاجآت اللحظة الأخيرة التي لطالما ميّزت موسم الجوائز. لكن المؤكد أن هذه الليلة، بكل تناقضاتها وجرأتها وطبقاتها، أعادت الغولدن غلوب إلى قلب المحادثة السينمائية. وهكذا ينطلق موسم الجوائز فعليًا، محمّلًا بالأسئلة والتوقعات والرهانات المفتوحة.
اقرأ أيضا: «معركة تلو الأخرى» يكتسح غولدن غلوب… لائحة جوائز 2026