بينما يقلب آل كوك، أو ألويس كوخ أسطواناته القديمة بعناية، تمرّ أمامنا أسماء كبار البلوز. أصواتٌ صنعت عالمه الداخلي. وفي الخلفية تدور أغنية لوني جونسون «لقد سئمت من العيش وحيدًا»، وكأنها تُمهّد لما سيأتي. فعنوان الفيلم ليس مجرد عنوان، بل أنه بيان: «أكثر الرجال وحدة في المدينة» («The loneliest Man In town»)، المنافس على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين.
في الفيلم، يؤدي آل كوك دور نفسه تقريبًا. رجل يقترب من الثمانين، فقد حبيبته سيلفيا، وبقي وحده في شقة قديمة داخل مبنى لم يعد يسكنه سواه. شركة عقارية تريد هدم المكان، والمدينة تغيّرت من حوله، لكن هو لا. ما زال يرتدي بذلته المفضلة، يصفّف شعره بمثبت الشعر، يزيّن شجرة الميلاد، يشعل الشموع، ويصبّ لنفسه قليلاً من الشمبانيا. كل ذلك في ليلة يحتفل فيها العالم، بينما هو يحتفل فقط بقدرته على الصمود. التيار الكهربائي يُقطع عنه، ليس عطلًا، بل قرارًا متعمدًا لدفعه إلى الرحيل. لكنه يرفض. هنا عاش حياته، وهنا خزّن آلاف الذكريات: صور، أسطوانات، مقتنيات لإلفيس بريسلي، وكل ما يربطه بالبلوز الذي شكّل روحه. في الطابق السفلي، ما يزال يحتفظ باستوديو تسجيله الصغير. ومع ذلك، يصل إلى لحظة يستسلم فيها. ليس استسلامًا للهدم، بل لحلم قديم ظلّ يطارده: يريد الذهاب إلى ممفيس، مهد البلوز. لم يزرها يومًا، وكان يكتفي بالنظر إلى الدانوب ليُقنع نفسه أنه يشبه دلتا المسيسيبي.

آل كوك لم يكن يومًا مجرد هاو. كان مغنيًا وعازف غيتار حاول في شبابه أن يكون «إلفيس النمساوي». سجّل أغنيات، جال بين نوادي البلوز في فيينا، وعزف مع موسيقيين أمريكيين عابرين، وبنى صداقات مع أساطير. لم يحقق الشهرة التي حلم بها، لكنه احتفظ بشيء أهم وهو الشعف.
يصنع الثنائي النمساوي تازي كوفي ورينر فريميل عالمًا سينمائيًا يعيد تشكيل شخصية بطله كما لو أنه يُستخرج من زمن آخر. رجل لا يتوافق مع إيقاع العصر، متمسك بطقوسه القديمة، متمرد في هدوء، ومعزول بطريقة تُذكّرنا بشخصيات آكي كاوريسماكي التي تعيش على هامش العالم. «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، رغم أنه يستند إلى حياة بطله الحقيقية. إنه عمل خيالي، لكنه مبني على تجارب عاشها آل كوك فعلًا، وامتلك الشجاعة ليجسدها بنفسه أمام الكاميرا. النتيجة فيلم صغير الحجم لكنه واسع القلب، رقيق وصادق، يحمل لمسة كلاسيكية واضحة، ولا يخلو من لحظات كوميدية تأتي من صدق الشخصية لا من افتعال.

الفيلم، في جوهره، وثيقة إنسانية مؤثرة. ليس لأنه يروي قصة درامية ضخمة، بل لأنه يلتقط مصيرًا بسيطًا. الرقة التي يتعامل بها المخرجان مع بطلهما هي ما يمنح الفيلم وزنه الحقيقي. منذ اللقطة الأولى، نشعر بأننا أمام عمل لا يبحث عن الإثارة، بل عن نبرة صادقة، حزن خفيف، دعابة لاذعة، وإيقاع هادئ يشبه حياة رجل عاش طويلًا خارج دائرة الضوء. السؤال عن مقدار الحقيقة ومقدار الخيال في الفيلم يصبح غير مهم. ما يهم هو ما يلتقطه الفيلم. نبرة ميلانكولية دون الوقوع في فخ الحنين المفرط أو العاطفة الثقيلة مهمة صعبة. فيلم يقترب من الحزن دون أن يغرق فيه، ويقترب من الكوميديا دون أن يسخر من بطله، ويقترب من الواقع دون أن يتخلى عن خياله.
اقرأ أيضا: «الجميع يُحبّ بيل إيفانز»