فاصلة

مراجعات

«أحلام قطار»… جوهرة صغيرة على «نتفلكس»

Reading Time: 4 minutes

أحياناً تختبئ على نتفلكس جواهر صغيرة، تمرّ أمام أعيننا عابرة وسط زحام تصنعه الخوارزميات. ومن بين هذا الضجيج الرقمي، يلمع فيلم خافت عنوانه «أحلام قطار» (2025، «Train dreams»)، يبدأ وينتهي كأنه أغنية شعبية لبوب ديلان، أو إحدى تلك القصص المأساوية التي يرويها نيك كيف في أغانيه الأكثر حزناً.

فيلم يُشبه إحدى حكايات التراث الشفهي التي كانت تُروى بصوت راوٍ حكيم عليم على ضوء النار وأزيزها. يُعد «أحلام قطار» ملحمة تتمحور حول حياة رجل وحيد في عالم مُتغيّر، رحلة حزينة حول كل أولئك الذين طواهم النسيان. تدور أحداثها في مناطق انتقالية، في تلك المساحة بين ما كان وما سيكون. إنها مأساة حميمية، حكاية صامتة عن رجال منسيين، عُلِّقت أحذيتهم على الأشجار، واندمجوا بالطبيعة التي شهدت ولادتهم ونموهم وموتهم.

Train Dreams (2025)
أحلام قطار
Train Dreams (2025)

روبرت غرينبير (جويل إدغيرتون) واحد من هؤلاء الرجال. حكايته هذه تدور في شمال غرب الولايات المتحدة، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. عاش هذا الصبي اليتيم طفولة هادئة في عالم سريع التغيّر، وأصبح رجلاً منعزلاً قليل الكلام، عاش على هامش التوسع الصناعي في ريف أميركا. يعمل في المقام الأول حطّاباً، وينتقل بين أماكن وفصول مختلفة حسب الحاجة إلى عمله. حياته تتسم بالوظائف المؤقتة، والصمت الطويل، والروابط العاطفية التي تُضفي معنى على وجود يبدو بسيطاً. يشهد روبرت ويرافق حياة الطبقة العاملة من حوله: مهاجرون، وسكّان أصليون، وأناس من ولايات مختلفة وعادات متباينة، يجتمعون للعمل، أحياناً بصمت وأحياناً أخرى يتبادلون قصصهم.

Train Dreams (2025)
أحلام قطار
Train Dreams (2025)

أصبح لحياته معنى أكبر عند لقائه بغلاديس (فيليسيتي جونز). بعد زواجهما، بنى الزوجان منزلاً جميلاً متواضعاً على ضفاف النهر، وسرعان ما رُزقا بطفلة. أجبرته طبيعة عمله على ترك عائلته لفترات طويلة، لكنّ منزلاً دافئاً كان ينتظره دائماً عند عودته. ستُغيّر مأساة مجرى حياته، معلنةً بداية انفصاله عن مرور الزمن. من هنا، تتحوّل القصة إلى صورة حميمية لرجل يُحاول إعادة بناء نفسه بينما يتغير العالم من حوله بطرق لا يستطيع السيطرة عليها أو فهمها تماماً.

عيون روبرت هي عيون العالم. لاعب رئيسي وشاهد في آن على التغيرات المضطربة التي شهدتها بلاده، والانقسام والعداء بين الولايتين الشمالية والجنوبية بعد الحرب الأهلية. «أحلام قطار»، المستوحى من رواية دِنِس جونسون، هو قصة الروّاد. إنها ليست قصة حقيقية، لكنها تُروى كما لو كانت كذلك. فيلم عن قوة الخيال والأحلام، حين تُحوّل السينما حياةً عادية، شبه شفافة وغير مهمة، إلى شيء استثنائي.

Train Dreams (2025)
أحلام قطار
Train Dreams (2025)

النطاق البصري للفيلم مُهيب وجذاب. إنه تأمل رائع في مكان الإنسان في العالم. والإشارة إلى سينما ترنس ماليك واضحة ومباشرة، لكن هنا يُصوَّر الإنسان مع الكون كشكل من أشكال القدرية، لا كنتيجة للتناغم التام.

«أحلام قطار» هو رحلة مادية وذهنية عبر الزمن، تمتزج فيها الأفعال بالذكريات، حيث يُصوَّر الحاضر كشيء قد حدث بالفعل. يلوح في عيني روبرت شعور بالوحدة المُلحّة، فهو يعيش الأحداث كما لو كان شاهداً غير واعٍ عليها. حتى لحظات السعادة الخاطفة تُعرَض كأنها ذكريات تنتمي إلى ماضٍ سيظلّ يطارده إلى الأبد.

Train Dreams (2025)
Train Dreams (2025)

يُقدّم جويل أداءً استثنائياً يُعد الأفضل في مسيرته. بنظرات وكلمات قليلة، يُجسّد الممثل الأسترالي ببراعة مشاعر شخصيته من أفراح وأحزان وفخر وشكوك وسكينة ووحدة. نظرته المُرهقة، وجسده الذي يحمل آثار سنوات من العمل الشاق والحزن المتراكم، وتلك الهشاشة الصغيرة، شبه الخفيّة، تُحوّل الشخصية إلى رجل حقيقي، مُثقل بجراح الحياة لكن متشبّث بكرامة معينة. يُدرك الممثل أن المأساة التي يمر بها ليست منعطفاً درامياً، بل هي تآكل بطيء، وألم يتغلغل في كلّ حركة يومية. أما فيليسيتي جونز، فتُقدّم ببراعة رقة غلاديس وجرأتها، وتُضفي دفئاً يُجسّد كل ما يحاول روبرت التمسك به.

في ثاني أفلامه الروائية الطويلة، يُظهر المخرج كلينت بنتلي إحساساً رائعاً بالتناسب، يتجلى في استخدام الراوي (ويل باتون)، الذي ينسج القصة من دون إخفاء ومن دون أن يتدخل أبداً. يتحول إلى نوع من الحكاية الشفوية التي تتداخل مع الصور وترافقها، تماماً كالموسيقى التصويرية التي ألّفها برايس دِسْنِر بالتعاون مع نيك كيف. تُعرض الطبيعة بكل روعتها من خلال لقطات بانورامية وزوايا تصوير فريدة بعدسة المصوّر أدلفو فيلوسو، الذي يُطيل النظر إلى الأفق كما نفعل نحن عندما نلتقط أنفاسنا ونحن نتأمله. «أحلام قطار» هو هالة السينما الكئيبة التي تتكشف من خلال التفاصيل، وهو الضوء الطبيعي في المشاهد الذي يمنح الفيلم مظهراً بصرياً شفافاً.

ينسج الفيلم مواضيع عدة مترابطة: التوتر بين الحداثة والعالم الطبيعي، والوحدة المتأصلة في حياة العامل الريفي، واستحالة إيقاف الزمن. يشقّ خطّ سكة الحديد طريقه عبر المشاهد كوعد بالمستقبل، ولكنه أيضاً كجرح يُعيد كتابة أنماط حياة بأكملها.

Train Dreams (2025)
Train Dreams (2025)

لا يفقد «أحلام قطار» هدوءه وكآبته، بل يصبح أكثر كثافة مع مرور الدقائق. كثافة يميل بنتلي إلى إخفائها أحياناً بمشاهد حالمة أو انغماس معين في أحلك الصور وأكثرها رعباً، ذات الخلفية الشبحية. وهو أمر مقصود بوضوح في ومضات روبرت وذكرياته التي تتأرجح بين اليقظة والنوم.

عالم «أحلام قطار» يطغى فيه التأمل على الحركة، مُقدماً دراما تستمد قوتها من إيماءات بسيطة، وصمت بليغ، وإحساس روحاني بالمكان. يروي بنتلي قصة رجل عادي أُقصي، باختياره وظروفه، إلى هامش المجتمع والتاريخ الذي يرويه المجتمع عن نفسه. فهو ليس، بالمعنى الدقيق، بطلاً منسياً، بل عامل وحيد منحته الطبيعة كلّ شيء وسلبته منه في آن واحد، مُحوِّلةً وجود روبرت إلى نوع من الهذيان المحاصر في حالة من التيه الأبدي الذي يكاد لا يستطيع الفرار منه.

«أحلام قطار» ملحمة أميركية بامتياز، نظراً للطبيعة الدائرية الشبيهة بالأوديسة، التي تدور حول رجل منزوع الجذور ومنزل يرفض الصمود أو البقاء.

اقرأ أيضا: جوش صفدي… سيرة انحدار «مارتي العظيم»

شارك هذا المنشور