فاصلة

حوارات

هانيا مروّة لـ«فاصلة»: جمهور السينما الفنية أكثر وفاءً من جمهور المولات

Reading Time: 4 minutes

اعتادت بيروت أن تعيش وسط الأزمات، لكنّ «متروبوليس سينما» واصلت، رغم كلّ شيء، أداء دورها واحدةً من أهم المؤسّسات الثقافية المستقلّة في لبنان والعالم العربي. فمنذ عام 2006، تحوَّلت الصالة الواقعة في بيروت إلى مساحة تجمع عشّاق السينما حول أفلام قد لا تجد طريقها إلى الشاشات التجارية، وإلى منصة للحوار والاختلاف والتبادل الثقافي. كما نجحت في الصمود والعودة رغم اللحظات الصعبة التي مرَّت بها، من توقّف وانتقالات، تأثرًا بالأوضاع التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

تعود «متروبوليس سينما» مرة جديدة لتنظيم الدورة الثانية من مهرجان «شاشات الجنوب»، بين 28 مايو و6 يونيو الحالي، والذي يخصّص برمجته لأفلام دول الجنوب العالمي، مقدّمًا أعمالًا من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي، في محاولة لفتح نافذة على سينمات وثقافات لا تحظى غالبًا بحضور كافٍ في البرمجات التقليدية.

هانيا مروّة
هانيا مروّة

في هذا الحوار الخاص مع «فاصلة»، تتحدَّث المديرة المؤسِّسة لـ«متروبوليس سينما»، هانيا مروّة، عن فكرة المهرجان، ومعنى الاستمرار في صناعة الثقافة وسط الأزمات التي يشهدها لبنان على مدار سنوات طويلة، ومستقبل السينما المستقلّة، والعلاقة بين المهرجانات والجمهور، وكيف تخلق صالات السينما المستقلّة مجتمعات أكثر إخلاصًا للفنّ من تلك المدفونة بين جدران «المولات».

«شاشات الجنوب»… محاولة لسدّ فراغ ثقافي

شكَّل غياب جزء مهم من سينمات العالم عن البرمجة السنوية لـ«متروبوليس» الدافع وراء التفكير في «شاشات الجنوب»، بهدف إتاحة الفرصة لأفلام جنوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية للوصول إلى الجمهور اللبناني المُحب للفنّ السابع.

تقول مروّة: «لدينا مهرجان (شاشات الواقع) المتخصّص في السينما الوثائقية، وقد بدأ مهرجانًا أوروبيًا ثم توسّع تدريجيًا ليشمل لبنان والعالم العربي ويصبح مهرجانًا دوليًا. لكننا شعرنا بنقص في البرمجة، لأن جزءًا كبيرًا من فعالياتنا يتم بالتعاون مع سفارات أوروبية نشطة ثقافيًا في بيروت، ممّا جعل الحضور الأوروبي طاغيًا على مدى سنوات طويلة».

وتضيف: «نحن موجودون في آسيا وقريبون جدًا من أفريقيا، لكننا اكتشفنا أننا لا نمنح هذه المناطق المساحة التي تستحقّها. هناك ثقافات وسينمات غنية من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا الجنوبية والعالم العربي يجب أن تكون حاضرة، ومن هنا جاءت فكرة (شاشات الجنوب)».

وترى أنّ غياب مهرجان «أيام بيروت السينمائية» كان أيضًا أحد الدوافع وراء إطلاق المبادرة الجديدة، مشيرة إلى أنّ المهرجان المتوقّف حاليًا لعب في السابق دورًا مهمًا في تعريف الجمهور اللبناني والعربي بأفلام المنطقة.

«متروبوليس»… مساحة للحياة وسط الأزمات

بالنسبة إلى مروّة، لا يتعلّق استمرار «متروبوليس» بعرض الأفلام فقط، وإنما بالدفاع عن فكرة الحياة نفسها في مدينة تعيش أزمات متواصلة. وتوضح: «نعيش في منطقة تعاني الحروب منذ عقود، وليس ثمة مؤشّرات حقيقية على استقرار قريب. أمام هذا الواقع، هناك خياران؛ إما أن تغادر أرضك وتبحث عن حياة أخرى في مكان آخر، أو أن تقرّر البقاء وتخلق مساحة تستطيع أن تعيش فيها».

مهرجان «شاشات الجنوب»
مهرجان «شاشات الجنوب»

وتتابع: «عندما نتحدّث عن الحياة لا نقصد النجاة فقط، وإنما خلق المعايير التي نحلم بها. بيروت مدينة عُرفت دائمًا بالثقافة والانفتاح وحرّية التعبير والتنوّع، ونحن نحاول الحفاظ على هذه الهوية».

وترى أنّ العمل الثقافي يُشكل نوعًا من المقاومة اليومية، مضيفةً: «وسط القتل والنزوح والانفجارات والدمار، تحاول أن تخلق أملًا ولحظات نجاح ومساحات للقاء. هذا بالنسبة إليّ شكل من أشكال المقاومة التي أؤمن بها».

السينما المستقلّة… ملجأ للجمهور المُحبّ للاختلاف

في وقت تتحدَّث فيه معظم دُور العرض حول العالم عن تراجع الإقبال بسبب المنصات الرقمية، ترى هانيا مروّة أن تجربة السينما المستقلّة في بيروت لا تزال قادرة على الصمود.

وتقول: «كثيرون من أصحاب الصالات التجارية يشتكون من تراجع الحضور، لكن هذا لا ينطبق بالضرورة على (متروبوليس) أو على صالات السينما الفنّية. جمهورنا يأتي لأنه يحبّ فنّ السينما، ويريد مشاهدة الفيلم في أفضل ظروف ممكنة، على شاشة كبيرة وبصوت مجهّز، وبين أشخاص يشاركونه الشغف نفسه».

وتضيف: «خلال أكثر من عشرين عامًا، عملنا على بناء ثقافة سينيفيلية حقيقية. أحيانًا نعرض فيلمًا شاهده الجمهور مرات عدّة من قبل، لكنهم يعودون لمشاهدته عندما تتوافر نسخة مرمَّمة، لأن التجربة نفسها مهمة بالنسبة إليهم».

وتشير إلى أنّ الصالة تحوَّلت مع الوقت إلى مجتمع ثقافي مُتكامل: «الناس هنا لا يأتون لمشاهدة الفيلم فقط، بل للقاء بعضهم البعض أيضًا. هناك حاجة حقيقية لديهم للتواصل والحوار والنقاش حول الأفلام».

أوليفر لاكس… ضيف تحمل أفلامه روح «متروبوليس»

من أبرز ضيوف الدورة الحالية، المخرج الإسباني الفرنسي أوليفر لاكس، صاحب فيلم «صراط» الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كانّ» 2025.

أوليفر لاكس من كواليس Sirât (2025)

وتكشف مروّة أن استضافته جاءت بعد تجربة شخصية مع الفيلم، قائلةً: «عندما شاهدت (صراط) في (كانّ) عام 2025، بقي عالقًا في ذهني مدّةً طويلة. شعرت فورًا بأنه فيلم يجب أن يشاهده جمهور بيروت».

وتتابع: «تردّدتُ قبل إرسال الدعوة بسبب الظروف الراهنة وصعوبة توقُّع ما قد يحدث، لكنني أرسلتها في النهاية، وفوجئتُ بأنه وافق مباشرة وأبدى حماسةً كبيرةً للقدوم إلى بيروت ولقاء الجمهور هنا، وتحديدًا في هذا التوقيت الحرج». لذا قرَّر المهرجان تنظيم جلسة «ماستر كلاس» حول تجربته السينمائية، يُديرها الناقد والمبرمج ربيع الخوري، لا سيما أنّ أفلامه ليست غريبة على «متروبوليس»، فقد سبق أن عرضت له فيلم «Mimosas»، الذي وصفته هانيا بأنه «رائع جدًا».

برمجة الأفلام في زمن الأزمات

في حديثها، تؤكد مروّة أنّ العمل الثقافي في لبنان أصبح مرتبطًا دائمًا بفكرة التأقلم مع المتغيّرات. وتقول: «نحن نعيش يومنا بيومه، ولا نستطيع التخطيط على المدى البعيد كما تفعل مؤسّسات أخرى في العالم. نضع دائمًا خططًا بديلة للتعامل مع أي ظرف طارئ».

لكنها تُشدّد على أنّ الصعوبات لا ينبغي أن تؤدّي إلى التنازل عن الهوية الفكرية للمهرجان: «الأزمات تدفع أحيانًا إلى اختيار الطريق الأسهل، لكننا نحاول أن نبحث عن المعنى في اختياراتنا. بالنسبة إلينا، القضية ليست عرض أفلام فحسب. إنها عرض أفلام لها معنى، خصوصًا في وقت نشهد فيه مآسي إنسانية وحروبًا وقرى تُمحى بالكامل».

المهرجانات العربية… هل تصنع مجتمعات حقيقية؟

وترى مروة أنّ أهمية المهرجانات لا تُقاس فقط بعدد الأفلام أو الضيوف، وإنما بقدرتها على خَلْق مجتمع مستدام حول السينما. وتعليقًا على ما إذا كانت المهرجانات العربية تُحقّق ذلك، تُجيب: «المهرجانات العربية نجحت في خلق فرص للأفلام وصنّاعها، وأسهمت في تعزيز حضور السينما العربية، وهذا أمر مهم جدًا. لكن السؤال الأهم بالنسبة إليّ هو: هل نجحت هذه المهرجانات في خَلْق مجتمع سينيفيلي حقيقي حولها؟».

وللإجابة، تضرب مروّة مثالًا بمهرجان «دبي السينمائي»، الذي توقّف نشاطه عام 2017، قائلةً: «عندما توقّف، اختفى كلّ شيء تقريبًا. أما في جدّة مثلًا، فأشعر أن الوضع مختلف. ففي السعودية مجتمع سينمائي حقيقي، ومهرجان (البحر الأحمر)، إلى جانب عدد من المبادرات السينمائية في السعودية، خلق مجتمعًا حقيقيًا، إذ يمكن الأشخاص الذين تجمّعوا حول هذه المبادرات أن يواصلوا العمل ويؤسّسوا مبادرات أخرى حتى لو تغيرت الظروف».

وتختم: «لكلّ مهرجان روحه الخاصة، لكنني أميل دائمًا إلى المهرجانات الصغيرة، لأنها غالبًا ما تمتلك روحًا مقاتلة وحماسةً أكبر، وتشعر بأنها تفعل ما تفعله بدافع الإيمان الحقيقي بالسينما».

اقرأ أيضا: أصغر فرهادي يعود من باريس… «حكايات متوازية» يوسّع متاهته الأخلاقية في «كانّ»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق