فاصلة

مقالات

من «لورانس العرب» إلى «هجان»: الصحراء مُختبرًا مفتوحًا للسينما

Reading Time: 6 minutes

هناك مثل رائج لدى الطوارق (قبائل أمازيغية تستوطن الصحراء الكبرى في ليبيا والجزائر) يقول: «هناك بلاد مليئة بالماء لسلامة الجسد، وأراضٍ مليئة بالرمل لصحّة الروح». 

لعلّ هذا المثل لا يصف تضادًا بين الماء والرمل فحسب؛ بل يُلمح إلى طبيعة الصحراء فضاءً يتجاوز الجغرافيا؛ بل حقلًا للأدب، وللصورة التجريد في آن واحد. الصحراء من الأماكن القليلة التي يلتقي فيها الصغر اللامتناهي كحبة رمل، بالكبر اللامتناهي كما يتمثل في الصحراء نفسها والأفق اللامحدود لسماء الليل. إنها مكان يُدرك فيه المرء اتساع الكون، ويثير النفس العربية التي تحمل في طياتها ذكرى أصلها.  لطالما مثّلت الصحراء وعدًا بعالم مواز أشبه بالأحلام، غير واقعي بعض الشيء؛ لكنه واضح. هي المكان الذي يبحث فيه العالم عن الإثارة، باب مفتوح للتحرّر الشخصي.

ولأنها كذلك، كان لا بدّ لمخرجي السينما أن يروا فيها ما لا نراه، وأن يتوقوا لاكتشافها وتصويرها لا كخلفية جغرافية؛ بل كائنًا حيًّا ينبض بالمعنى.

الصحراء في السينما ليست مجرد رمل وسماء. بل اختبارٌ للذات ومرآةٌ للضياع، وللنجاة أيضًا. هي فضاءٌ يسمح للكاميرا أن تتنفس، أن تتأمل، أن تتباطأ، أن تشتدّ. الصحراء حليف سردي، عنصر يفرض إيقاعه الخاص، ويعيد تشكيل العلاقة بين الشخصية والمكان، بين الزمن والحدث.

Greed (1924)
Greed (1924)

في سابقة كرّست الصحراء كجغرافيا سينمائية حقيقية، جاء الفيلم الصامت «جشع Greed» للمخرج إريك فون شتروها يم في 1924، واحدًا من أولى التجارب السينمائية الصحراوية. يبدأ الفيلم في سان فرانسيسكو مطلع القرن العشرين، حيث تتفكك العلاقات تحت وطأة الجشع بعد الفوز بتذكرة يانصيب. لكنه يبلغ ذروته في تضاريس وادي الموت القاسية، وتحديدًا في حوض بادووتر (Badwater Basin)، أحد أكثر الأماكن حرارة على وجه الأرض. شتروهايم، الذي عُرف بإصراره على الواقعية، رفض التصوير في استوديوهات هوليوود، وأصر على نقل الطاقم إلى قلب الصحراء، حيث واجهوا ظروفًا مناخية قاسية جعلت التصوير أقرب إلى تجربة وجودية.

لم يُصوّر اتساع الصحراء من قبل بجمال كما فعله ديفيد لين في «لورانس العربLawrence of Arabia» في 1962، ولم يرّ السينيفيليون كثبانًا رملية أو أفقًا صحراويًا كما أظهره لهم هذا الفيلم. كانت ظهور الصحراء في ذلك الفيلم ظهورًا خاصًا، أحدث انقلابًا بصريًّا في السينما. إذ تحوّلت الصحراء من خلفية إلى بطلة رئيسة.

الصور التي التقطها فريدي يونغ لا تزال معيارًا في تصوير المناظر الطبيعية: نطاق بصري ساحر، حوّل الصحراء الأردنية إلى لوحة سينمائية لا تُنسى. كلّ لقطة كانت احتفاء بالجغرافيا. لكن لين لم يكن أول ولا آخر مخرج ينجذب إلى براري العالم القاحلة. بُنيت هوليوود نفسها على أرض كاليفورنيا المنتزعة من فكاك تضاريس صحراوية قاحلة. ولطالما استغلّت شركات إنتاجها قرب صحراء موهافي ووادي الموت في إنتاج أفلام الغرب الأميركي، وأفلام المغامرات، والملاحم التوراتية، وأفلام الخيال العلمي.

 Lawrence of Arabia (1962)
Lawrence of Arabia (1962)

انجذب المخرج الألماني فيرنر هيرتزوغ دائمًا إلى الأماكن البرية المتطرفة على الأرض، وقد تضمنت رحلاته السينمائية الصحراء، كما في فيلمه الوثائقي الدرامي عن المناطق النائية «حيث يحلم النمل الأخضرWhere The Green Ants Dream» 1984، وفيلمه الخيالي عن حرب الخليج «دروس الظلام Lessons of Darkness» 1992، وكلاهما تدور أحداثه في الصحراء. وعاد للصحراء بعد سنوات ليصنع فيلم «ملكة الصحراء Queen of the Desert» 2015، الذي هو سيرة عالمة الآثار البريطانية والمستكشفة جيرترود بيل، من بطولة نيكول كيدمان وروبرت باتينسون في دور توماس إدوارد لورنس.

من «لورانس العرب» إلى «هجان»: الصحراء مُختبرًا مفتوحًا للسينما
Where the Green Ants Dream (1984)

فيلمه «فاتا مورغانا Fata Morgana» 1971، الذي سُمِّي باسم نوع من السراب، هو أحد أجمل أفلامه. صوّره هيرتزوغ في جنوب الصحراء الكبرى في أواخر الستينيات. وصُمم الفيلم ليكون من أفلام الخيال العلمي الوثائقي، بحيث تحلّ الأرض محل كوكب آخر، مع أغاني ليونارد كوهين كموسيقى تصويرية، إلى جانب نغمات من أساطير المايا. تتابع الصور في الفيلم ساحر، حيث تجذب نظر هيتزوغ باستمرار المخلفات البشرية التي تملأ أماكن الصحراء القاحلة.

صُوِّر فيلم «جيري Gerry» 2002، لغاس فان سانت في أماكن مختلفة في الأرجنتين ووادي الموت ومسطحات الملح في يوتاه الأمريكية، وهو الفيلم الأمثل للضياع في الصحراء. يلعب كيسي أفليك ومات ديمون دوري صديقين كلاهما يُدعى جيري، ينطلقان في نزهة بلا طعام أو ماء، وسرعان ما يفقدان كل إحساس بالاتجاه أو حتى الهدف. صوّر فان سانت متأثرًا بلقطات التتبع البطيئة للمخرج المجري بيلا تار، ولكنه يذكرنا أيضًا بسينما مايكل أنجلو أنطونيوني أو مسرحية “في انتظار جودو” لصمويل بيكيت، وهو إما فيلم مملّ متكلف أو تحفة فنية تدخلك في حالة من الغيبوبة. وعند مشاهدته بصبر، ستجده ساحرًا كالسراب.

من «لورانس العرب» إلى «هجان»: الصحراء مُختبرًا مفتوحًا للسينما
Gerry (2002)

كثيرة هي الأفلام التي اختارت الصحراء مسرحًا لأحداثها، حيث يتحول الفراغ إلى مساحة للتأمل أو المواجهة، أو الهروب. في هذا الامتداد القاسي، تتعرّى الشخصيات من زيفها، ويصبح الرمل مرآةً للداخل. من الصعب أن نجد فيلمًا يثير الغضب والخوف ورهاب الاحتجاز، والحرارة والعطش والعرق والحساسية مثل «امرأة في الرمال Woman in Dunes» 1964، المأخوذ عن رواية كوبو آبي، التي حولها المخرج الياباني هيروشي تشيغاهارا الي جوهرة سينمائية، وفيلم «إل توبو El Topo» 1971 لأليخاندرو جودوروفسكي، وفيلم «كثيب Dune» 1984 لديفيد لينش، الذي أجده أكثر تشويقًا من سلسة أفلام فلينوف، مع أنه فشل سرديًا.

 

المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي هو الآخر كان مفتونًا بالصحراء، نرى ذلك جليًا في فيلمه «السماء الحامية The Sheltering Sky» 1990، المقتبس عن رواية بول بولز المنشورة بالاسم نفسه، حيث يظهر كراوٍ، كأنّه ظل يتجوّل في أروقة الحكاية. صدر الفيلم بعد واحد وأربعين عامًا من نشر الرواية عام 1949، وتدور أحداثه في المغرب حيث استقر بولز منذ عام 1947 حتى وفاته بعد أكثر من خمسين عامًا.

الفيلم ليس رحلة بالمعنى التقليدي، بل تيهٌ وجودي. ينطلق الزوجان الأميركيان بورت وكيت موريسبي في رحلة إلى إفريقيا، لا بحثًا عن موئل؛ بل هروبًا من الذات. ما يبدأ كمحاولة لإعادة المعنى، يتحوّل إلى انحدار نحو التشتت والانهيار العاطفي. كلما ابتعدا، كلما تفتّتا أكثر. يتم اختبارهما إلى أقصى حدودهما من خلال الفراغ والقسوة غير المبالية في الصحراء.

صوّر الفيلم في صحراء ورزارات، هو ليس مجرد قصة، بل حالة، سراب، وكشفٌ يتسلّل ببطء.

الصحراء في السينما العربية 

رغم أنّ الصحراء لم تكن يومًا غريبة عن الخيال العربي، إلا أنّ حضورها في السينما العربية ظل محدودًا نسبيًا. فالصحراء، بكل ما تحمله من رمزية التيه والعزلة والانكشاف على مجهول لا تحده حدود؛ لم تُستثمر كثيرًا كفضاء درامي رئيسي. بل غالبًا ما ظهرت كخلفية عابرة أو سياق جغرافي لا يتجاوز الوظيفة البصرية.

ومع ذلك، فإن بعض الأفلام العربية القليلة التي اختارت الصحراء مسرحًا لأحداثها، نجحت في تحويل هذا الامتداد القاسي إلى مرآة داخلية، حيث تتفكك الشخصيات وتُختبر المعاني في مواجهة الفراغ والسكوت. الفيلم الأردني «ذيب» (2014)، تدور أحداثه في الصحراء العربية خلال الحرب العالمية الأولى، ويعرض مشاهد خلابة، رمالًا وصخرًا وسماء. في جوهره، يروي الفيلم قصة مغامرة عن فتى بدوي حساس وماكر، يجد نفسه في خضم حرب لم يكن يُفترض أن يكون جزءًا منها.

فيلم ذيب 
فيلم ذيب (2014)

لا يمكن الحديث عن حضور الصحراء في السينما العربية من دون التوقف عند «ثلاثية الصحراء» للمخرج التونسي الناصر خمير، التي تتعامل مع الصحراء كفضاء روحي وفلسفي وصوفي. في هذه الثلاثية: «الهائمون»، «طوق الحمامة المفقود»، «بابا عزيز»، تتحوّل الرمال إلى لغة، والتيه إلى حكمة، والسكوت إلى تأمل. الصحراء هنا ليست مكانًا، بل حالة وجودية، حيث تتداخل الأسطورة مع الواقع، ويصبح السير فعلًا رمزيًا نحو الذات.

في المقابل، يأتي فيلم «دارات» (2006) للمخرج التشادي محمد صالح هارون كدراما انتقامية مشبعة بالغبار والاحتقان، حيث الصحراء ليست فضاءً للتأمل؛ بل مسرحًا للانفجار الداخلي.

«دارات» تعني موسم الجفاف، والجفاف هنا ليس فقط من الماء، بل من الرحمة، من المعنى، من الأمل. أتيم، الشاب الذي يسعى للانتقام، يحمل في داخله صراعًا بين العطش للدم والعطش للإنسانية، ويبلغ هذا الصراع ذروته في نهاية آسرة وسط الصحراء، حيث لا شيء يروي إلا الدم.

من «لورانس العرب» إلى «هجان»: الصحراء مُختبرًا مفتوحًا للسينما
دارات (2006)

رغم محدودية عدد الأفلام السعودية التي تتخذ من الصحراء فضاءً سرديًا رئيسيًا، إلا أن أعمالًا مثل «ناقة» (2023)، و«هجان» (2023)، و«هوبال» (2024)، تقدّم مقاربات مختلفة لهذا الامتداد الجغرافي والثقافي. لكل فيلم منهم قصته الخاصة، لكن ما يجمعهم هو استحضار الصحراء كبيئة حية تحمل ثقافة متجذرة، وعلاقات بشرية تتشكّل وفق إيقاع الطبيعة القاسية.

في «ناقة»، تتحوّل الصحراء إلى مسرح للتيه والاختبار، حين يدخلها شخص من خارجها ويواجه عزلتها ومفاجآتها. أما «هوبال»، فيغوص أكثر في تفاصيل الحياة الصحراوية، من خلال شخصيات تنتمي إليها، وتكشف عن أنماط العيش، والقيم، والتحديات اليومية التي تشكّل هوية المكان وسكانه. «هجان»، بمثابة تعريف لعلاقة حميمة تربط بين ثلاثية الصحراء، والإبل، والليل الحالك. في هذا العمل، تتحوّل صحراء تبوك إلى لوحة متحرّكة تنبض بالشعر والصمت، وتستدعي ذاكرة المكان والهوية. الإبل ليست فقط وسيلة تنقّل، بل كائن رمزي يختزن تاريخًا من الصبر، العزلة، والارتباط بالأرض. أما الليل، فيأتي كثيفًا، ساحرًا، كأنّه غلاف كوني يحمي الحكاية.

فيلم هجان (2023)
فيلم هجان (2023)

غالبًا ما تُعزز العوالم التي مزّقتها ندرة الموارد ومخاطر المناخ، وتصوّر الصحراء كأرض جامحة، بلا قانون، وميتة. في هذا التخييل، تصبح الكثبان الرملية تجريدًا بصريًا تُستكشف فيه ضآلة الوجود البشري أمام اتساع لا يُحتوى، وتُتخيل فيه آفاق زمنية محتملة. كأنّ الصحراء لا تنتمي إلى الحاضر، بل إلى زمن معلّق بين الأسطورة والانقراض. في هذا الامتداد الشاسع من الرمال والصخور، تحت شمس لا ترحم، وفي عزلة لا تُشبه أي عزلة أخرى، يتولّد شعور بالرهبة والدهشة يصعب تكراره في أي فضاء آخر.

الصحراء قد تكون مخدرًا حميدًا للحواس، لكنها تتحوّل بسهولة إلى مخدر استهلاكي، حين تُختزل في صور استشراقية أو تُعامل كفضاء غريب عنّا. لكننا لسنا غرباء عنها. نحن من يعرفها، من يسكنها، من يحكي عنها بلغته، بإيقاعه، وبجسده. الصحراء صحراؤنا، ولا ينبغي أن تُختزل في نظرة خارجية تجرّدها من روحها. فلنعد إليها، لا كمنفى، بل كمرآة. وحين نُصغي لها، ستدلّنا على الطريق.

اقرأ أيضا: «هجّان».. صورة استشراقية لحياة الصحراء

شارك هذا المنشور