يتحدى ألبوم زياد الرحباني (1956 – 2025) «هدوء نسبي» الصادر عام 1985، التصنيفات السهلة. صدر في الأصل على شريط كاسيت، مع غلاف ذي طابع صناعي صارخ، وكُتب على الغلاف بأنه «جاز شرقي»، أو كما وصفها زياد بكلمات أخرى: «موسيقى شرقية بلغة يفهمها العالم». أُعيد إصدار الألبوم على أسطوانات فينيل، بغلاف يعكس روحه المتضاربة بشكل أفضل: امرأة فاتنة ترتدي بنطالاً جلدياً تُعدّل حذائها بجانب مدفع رشاش. تُجسّد هذه الصورة، المُغرية والنضالية الطابع المزدوج لموسيقى زياد: جمال آسر وشحنة سياسية في آن واحد. عنوان الألبوم، يعود إلى جملة «هادئ نسبياً»، وهي عبارة استخدمها الصحفيون اللبنانيون خلال فترات وقف إطلاق النار الهشة خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، لتعيش موسيقى الألبوم في هذا التوتر.

بدأت من ألبوم زياد الموسيقى لسببين: أولاً لأنه الأقرب إلى قلبي، وثانياً لأنه الألبوم الذي نملك فرصة مشاهدة مراحل إنتاجه. فتزامناً مع إطلاق الأسطوانة، ظهر الفيلم الوثائقي «هدوء نسبي» من إنتاج «النجدة الشعبية اللبنانية». لا يكتفي الفيلم بسرد المسار الإبداعي للألبوم، بل يتناول التحديات التقنية والاجتماعية التي رافقت إنتاج موسيقى تقدمية في ظل الحرب الأهلية. نشاهد في الفيلم تسجيلات من حفلات، ومشاهد داخل الأستوديو، بجانب مقابلات مع زياد ومع عدد من المبدعين المشاركين. من خلال هذا المزج بين الصورة والصوت، يبدو «هدوء نسبي» بمثابة خريطة صوتية لمجتمع يقف على حافة الانهيار، موسيقى تنبض بالأناقة والقلق في آنٍ واحد.

ألف زياد موسيقى فيلم «متحضّرات» (1999) للمخرجة رندة الشهال صباغ، يحكي الفيلم عن فترة الحرب الأهلية اللبنانية ويصوّر حياة مجموعة من اللبنانيين والمقيمين الذين يعيشون في مبنى واحد، حيث تتشابك حكاياتهم في الحرب. جاءت موسيقى زياد امتداداً لنبرة الفيلم اللاذعة، فكانت ساخرة ومفككة ومشحونة بالتناقضات. يدمج الرحباني إيقاعات الفانك مع مقامات عربية ونفخات نحاسية، ليرسم مشهداً صوتياً يعكس التوتر والعبث معاً. وعلى غرار الحبكة المتأرجحة بين المأساة والفكاهة والمهزلة، جاءت الموسيقى التصويرية كتوليفة تحتفي بالفوضى، مستخدمة زخارف لحنية متفائلة في لحظات مشحونة بالفوضى، لتفضح هشاشة المنطق في زمن الحرب. هذه التركيبات المجزأة من الجاز تعكس البنية السردية المتقطعة للفيلم، حيث تتحرك الشخصيات بين الانهيار الأخلاقي والمألوف الساخر، في مرآة صوتية لجنون الواقع.

في «طيارة من ورق» (2003)، أحد أشهر أفلام رندة الشهال صباغ، يقدم زياد أجواءً مختلفة تماماً. الفيلم هو دراما رومانسية، حبّ يخيم عليه الاحتلال. تنعكس هذه النغمة الرقيقة في الموسيقى التصويرية التي ألّفها زياد، حيث تمزج بين الجاز البسيط، والنسيج الصوتي المحيطي، وإحساس دقيق بالاحتواء والتكتم. لا تسعى الموسيقى إلى توجيه الشعور، بل تتركه معلّقاً، تُوحي ولا تُصرّح، تُخفي أكثر مما تُظهر، مما يُضفي على الفيلم بُعداً عاطفياً هشاً ومُرهفاً. اللافت أن الرحباني لا يكتفي بدور المؤلف الموسيقي، بل يطل كممثل بشخصية هادئة تُدعى زياد، ما يمنح الفيلم طبقة إضافية من التداخل الفني، حيث يشارك في بناء النسيج الدرامي بوجهه وصوته، في آنٍ معاً. صنعت المخرجة اللبنانية فيلماً خفيفاً بلمسات من الفكاهة الساذجة، خاصة مع مشاهد زياد، في مكان مليء بالصراعات الاجتماعية والدينية والإيديولوجية والظلم الناتج عن الاحتلال.

سنة 1979، ظهر زياد الرحباني في الفيلم الجزائري الفريد «نهلة»، من إخراج فاروق بلوفة، وهو العمل الوحيد في مسيرته، كما يُعد أول إنتاج جزائري يتناول بجرأة الحرب الأهلية اللبنانية وتداعيات بداياتها. أدى الرحباني دور الملحّن، في مشاركة رمزية تُضيف إلى الفيلم بعداً فنياً وثقافياً. وفي الفيلم الوثائقي «همسات» (1980)، لمارون بغدادي، الذي يتتبع في الفيلم الشاعرة اللبنانية الراحلة نادية تويني، في رحلاتها إلى مختلف المناطق المنكوبة في لبنان في بداية الثمانينيات. يطلّ زياد الرحباني بشخصيته الحقيقية، في لحظة نادرة يتداخل فيها الحضور الواقعي والفني. ورغم أن الموسيقى التصويرية تحمل توقيع مارسيل خليفة، فإن ظهور الرحباني يُضيف للفيلم طبقة رمزية مهمة، إذ يمثل شريحة المثقفين المنخرطين في قراءة الفوضى اللبنانية من الداخل، بلغة المسرح والفكر اليومي. حديثه عن «الديموقراطية المزعومة»، وعن عبثية الحرب، يعكس فهماً حاداً لمعادلات الواقع المتحوّل، حيث تتشابك السياسة مع المسرح، وتتقاطع الأحداث مع عبثيتها الفجّة. هذا الحضور لا يكتفي بأن يكون توثيقيًا، بل يتماهى مع روح الفيلم في استكشاف الهوية اللبنانية المتشظية تحت وطأة النزاع والانقسام.

في «عائد إلى حيفا» (1982)، للمخرج قاسم حول، عن رواية غسان كنفاني. تتجلّى موسيقى زياد كعنصر تعبيري بالغ الحساسية، تجاوزت المفهوم الكلاسيكي للموسيقى التصويرية لتغدو إحساساً مُتجسداً، «محسوساً لا مسموعاً» كما وصفها حول نفسه. لم يكتب الرحباني نغمات تُرافق المشهد فحسب، بل صاغ لغة موسيقية تحاكي الصمت، وتشاطر الشخصيات وجدانها المضطرب، وتستحضر جراح الهوية الفلسطينية المبعثرة بين فقدان البيت والابن والانتماء.
على الرغم من ندرتها، موسيقى زياد الرحباني في الأفلام ليست موسيقى موافقة، بل هي تعليقات سياسية، نبض شعوري، تيارات عاطفية وتأملات ثقافية.
اقرأ أيضا: العرض الأول لـ فيلم «غرق» في مهرجان تورنتو السينمائي