فاصلة

مقالات

من الخنادق إلى الذكاء الاصطناعي فهيمنة المال: كانّ يروي هواجس أوروبا!

Reading Time: 6 minutes

قالتها إيريس نوبلوك، رئيسة كانّ، قبل أسابيع من انطلاق المهرجان: «أخبار العالم لا تدعو إلى الطمأنينة. نحن نعيش في المجهول». لكن كيف تنعكس مخاوف أكبر مهرجان سينمائي في العالم على اختياراته؟ أتُنتقى الأفلام وفق مواقف سياسية؟ أو إعجابًا بالممثّلات؟ أم أن الحساسية الجمالية الخالصة لها يد في المسألة؟ هل المطلوب من الأفلام أن تستفز، تغضب، تقلق، تربك، تدين، تفضح، تكشف، وإلى آخر «الوظائف» الموكلة الى الفنّ في أيامنا هذه، أم أن تفعل ذلك كله معًا أو لا شيء منه؟ ألا يكفي أن تبقى أفلامًا؟

في كلّ الأحوال، وسط الصراع المفتوح في العالم والانسجام مع قضاياه الملحّة، يبرز في برنامج هذا العام ما هو أكثر إثارةً: العودة إلى الماضي. ليس الماضي البعيد، بل ذاك القريب الذي ظنّ الأوروبيون أنهم تجاوزوه وأصبحوا في منأى منه، فيما هو ظلّ كامنًا في ذاكرتهم الجماعية، يتوارثونه جيلًا بعد جيل من دون أن يبرأوا منه تمامًا. ومع احتدام الأزمات السياسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتصاعد النزعات القومية، تبدو العودة إلى الماضي أشبه بمحاولة لفهم الحاضر واستباق ما قد يحمله المستقبل. فعدد لا بأس من أفلام هذه الدورة — لا يقل عن سبعة — يستعيد الحربين العالميتين الأولى والثانية وما خلّفتاه من ندوب في الوجدان الأوروبي، ولا سيما الفرنسي والألماني.

تييري فريمو
تييري فريمو

تشي التشكيلة المقترحة بهوس سينمائي واضح بالحرب. الاحتلال، المقاومة، صعود الفكر الإقصائي، الانهيار الأخلاقي. كأن السينما تنقّب في أنقاض الماضي بحثًا عن إجابات لقلق معاصر يتعاظم يومًا بعد يوم. ولهذا قال تييري فريمو إن هذه الأفلام «تحاول سحب الماضي إلى اللحظة الراهنة».

بيد أن الفارق يبدو شاسعًا بين المقاربة الحالية وبين سينما الحرب الكلاسيكية. فهذه الأفلام لم تعد تنظر إلى الحرب كمواجهة عسكرية أو سردية بطولية كبرى، وإنما باتت تنشغل أكثر بالبشر العالقين داخل اللحظة التاريخية: المقاومون المجهولون، الفنّانون، المنفيون، الأقليات المضطهدة، وأولئك الذين يحاولون التشبث بما تبقّى من كرامة وسط الانهيار.

Coward
Coward (2026)

في «جبان» للبلجيكي لوكاس دونت، تتحوّل الحرب العالمية الأولى إلى خلفية لمقاومة حميمة ووجدانية، إذ تغدو فنون الاستعراض والصداقة مساحة للنجاة من الخنادق. أما «الكرة السوداء» للإسبانيين خافيير كالفو وخافيير أمبروسي، فيعبر مراحل متعدّدة من التاريخ الإسباني، قبل الحرب الأهلية، خلالها وما بعدها، ليكشف كيف تواصل الصدمات السياسية وقمع الهويات الجنسية إلقاء ظلالها على الحاضر.

Fatherland
Fatherland (2026)

في المقابل، يغوص «خلاصنا» للفرنسي إيمانويل مار في الأجواء الكئيبة والمستسلمة لفرنسا فيشي، حيث يصطدم الأمل الفردي بعار التواطؤ الجماعي، وهي التيمة نفسها التي يستعيدها «الليلة الثالثة» للفرنسي دانيال أوتوي عبر الإضاءة على المناطق المعتمة في تلك الفرنسا التي سيطر عليها الماريشال بيتان، رادًا الاعتبار إلى الذين حاولوا إنقاذ الأرواح فيما كانت القيم في خطر. هناك أيضًا «أرض الأجداد» لبافيل بافليكوفسكي، الذي يتّجه إلى ما بعد الحرب، إلى ألمانيا المدمََّرة والمنقسمة بين المعسكرين الغربي والشرقي، حيث تتحوّل رحلة الكاتب توماس مان عبر بلد مهشّم إلى تأمل في الذاكرة والذنب وإمكان إعادة البناء الروحي لأوروبا الخارجة من الكارثة.

Moulin
Moulin (2026)

تختار أفلام أخرى العودة إلى شخصيات تاريخية تبلغ مرتبة الأسطورة. ففي «مولان» للمجري لاسلو نمش و«معركة ديغول: عصر الحديد»، تُعاد قراءة البدايات المرتبكة للمقاومة الفرنسية، لتنتهي إلى السؤال ذاته: كيف تولد الشجاعة السياسية في لحظة يبدو الأمل فيها معدومًا؟ من خلال شخصيتين أيقونيتين، لا تسعى هذه الأفلام إلى تمجيد البطولة بقدر ما تحاول فهم «الشرط الإنساني»،

انطلاقًا من مفهوم أندريه مالرو له، الذي كان يرى أن الإنسان يُعرَّف من خلال اختياراته وأفعاله، حتى عندما تقوده هذه الاختيارات إلى الخطر أو الموت. من هنا تأتي هذه الأفلام بأسئلة حول الكيفية التي يستطيع من خلالها بعض الأفراد التمسّك باقتناعاتهم فيما ينهار العالم من حولهم، وكيف يصبح الموقف الأخلاقي، في لحظة تاريخية حرجة، فعلًا وجوديًا يغيّر حياة الآخرين.

لعل أكثر ما يمد هذه الأعمال بشرعية ما، هو أنها تُروى دائمًا من منظورنا المعاصر، من موقع المتفرج الذي يعلم ما الذي حدث لاحقًا، وكيف انتهت تلك الأزمنة، وما الذي آل إليه العالم بعدها. نحن نشاهد تلك الشخصيات وهي تتحرك داخل المجهول، بينما نعرف نحن المصائر التي كانت تنتظرها، وندرك كيف غيّرت القرارات الفردية، أحيانًا، مصائر أمم بأكملها.

إنها السينما وهي تعود لتقول كلمتها في مواجهة أزمات الحاضر، كصيغة من صيغ التحذير من إمكان انهيار المجتمعات حين تتأكل قيمها ببطء. ففي هذه الأفلام، يبدو الإنسان واقفًا دائمًا أمام خيارين لا ثالث لهما: أن يقاوم كي يحافظ على إنسانيته وينجو، أو أن يستسلم للخراب وهو يراقب العالم يتداعى من حوله.

إيريس نوكلوك
إيريس نوكلوك

في هذا السياق، تصبح كلمة نوكلوك أشد رمزية: «قد يتساءل البعض، وعن حقّ: ما جدوى الحديث عن السينما اليوم؟ لكن ينبغي التذكير بأن مهرجان كانّ وُلد هو نفسه في لحظة تاريخية مضطربة، عام 1939. بل يمكن القول إنه أُنشئ تحديدًا استجابةً لذلك الاضطراب. في مثل هذه الأزمنة، لا يصبح جمع الأفلام والفنّانين القادمين من أنحاء العالم ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة. فعندما يزداد العالم عتمةً ويفقد بوصلته، فإن عرض أفلام آتية من آفاق متعدّدة لا يعود فعلًا محايدًا أو عابرًا، بل يتحوّل إلى دفاع عمّا تملكه الإنسانية من أثمن ما لديها: قدرتها على الحلم، وعلى التفكير بحرية».

*

وإذا نبشت أفلام عديدة في الماضي الأوروبي بحثًا عن جذور الأزمات ومكامن مقاومتها، فإن النقاش الدائر خارج الصالات يضع السينما نفسها داخل اختبار معاصر حول استقلالها وقدرتها على الإفلات من منطق الهيمنة. هنا، في قلب الميدان الثقافي الفرنسي، تُطرح أسئلة لا تقل حدّة حول الحرب الرمزية على المخيلة: مَن يموّل الصورة؟ مَن يحدد شروط إنتاجها؟ ومَن يملك في النهاية حقّ تشكيل الوعي؟

في هذا المعنى، لا يبدو السجال حول نفوذ المال والإعلام، كما يتجسّد في اسم الملياردير فنسان بولوريه، معزولًا عن روح المهرجان، وإنما امتدادًا له بشكل ما. فإذا كان المهرجان يحتفي بحرية الإبداع باعتبارها قيمة تأسيسية، فإن الرسائل المفتوحة القادمة من داخل الوسط السينمائي تعيد طرح السؤال نفسه ولكن بصيغة أكثر مباشرةً: هل يمكن هذه الحرية أن تصمد حين تصبح أدوات إنتاجها وتمويلها نفسها جزءاً من صراع إيديولوجي؟

ففي توقيت يتزامن مع الافتتاح، نشرت صحيفة «ليبيراسيون» رسالة مفتوحة وقّعها نحو 600 من مهنيي السينما، من بينهم أسماء بارزة مثل جولييت بينوش، تعبّر عن قلق متزايد ممّا يعتبره الموقّعون «تغلغلًا متصاعدًا لليمين الأقصى» في الحقل الثقافي الفرنسي، وذلك من خلال التأثير الكبير لبولوريه، أحد أبرز الفاعلين في الإعلام والإنتاج السينمائي عبر مجموعة «كانال+ «و» ستوديو كانال» ومجموعة «فيفندي». بحسب الموقّعين، أن دور بولوريه لا يقتصر على الاستثمار، بل يسعى إلى تنفيذ مشروع ذي طابع محافظ ورجعي، يتم تمريره عبر القنوات التلفزيونية ودور النشر التابعة له. ويذهب النص إلى أبعد من النقد الاقتصادي، وهذا يؤثّر على حرية الإبداع وعلى تنوع الأعمال السينمائية. كما تشير الرسالة إلى توسّع نفوذ المجموعة الإعلامية في القطاع، مثل استحواذها على جزء كبير من مجموعة UGC مع خطة للسيطرة الكاملة مستقبلًا، مما يثير مخاوف من تركّز غير مسبوق في صناعة السينما. في هذا السياق، يستخدم بعض الموقّعين لغة شديدة التحذير، معتبرين أن هذا المسار قد يؤدي إلى «هيمنة فكرية» على المجال الثقافي، تصل في أقصى تعبيراتها إلى وصفها بأنها «سيطرة فاشية على المخيلة الجماعية»، في إشارة إلى خطر توجيه الإنتاج الثقافي وفق رؤية إيديولوجية واحدة.

*

في خلفية هذا النقاش المتشعب حول الهيمنة والمال والسلطة، يطلّ هاجس جديد يزداد حضورًا: الذكاء الاصطناعي. وهو هاجس لا يُقرأ كمسألة تقنية فحسب، ولكن باعتباره امتدادًا لسؤال أعمق عن الحقيقة، وعمّن يملك القدرة على إنتاجها أو إعادة صوغها، خصوصًا مع ما يرافقه من اهتزاز في علاقة السينما بالواقع. فهذه العلاقة التي تأسّست تاريخيًا على الثقة بما هو أمام الكاميرا، بدأت تتفكّك تدريجًا مع دخول الرقمي، حيث أصبح في الإمكان تعديل الصورة وإعادة تركيبها إلى حدّ فقدان مرجعها المادي. من هنا، فإن الذكاء الاصطناعي لا يبدو سوى نسخة أكثر تطرفًا لهذا التحوّل: مرحلة قد تدفع في اتجاه «قابلية تصنيع الحقيقة» نفسها، ممّا يشرع الباب أمام نوع من التلاعب الشامل بالصورة، فيصبح من المستحيل التمييز بين ما هو مُصوَّر وما هو مُولَّد. لكن ما يتجاوز الجانب المهني هنا هو سؤال أكثر قلقًا: ماذا يحدث للخيال حين يصبح قابلًا للاستنساخ بلا حدود؟ وهل يمكن أن نصل إلى لحظة تُستبدَل فيها التجربة الإنسانية نفسها بمحاكاة دقيقة لها، إلى حدّ يختلط فيه الأصل بالنسخة؟ وفي خلفية هذا كله، من الممكن أن نسأل: هل يمكن الذكاء أن يمتلك تلك الشرارة العصية على البرمجة، التي جعلت من لحظة عابرة في رواية «تذوّق حلوى المادلين» لبروست، أن تتحوّل إلى خمسمئة صفحة من الذكريات، كما يقول فريمو؟ في أي حال، المكسيكي غييرو دل تورو، المعروف بمشاهدته الأكولة للأفلام، حسم موقفه أمس بعد عرض فيلمه «متاهة بان»: السينما أنقذتني مرارًا. تبًّا للذكاء الإصطناعي».

اقرأ أيضا: كل ما تريد معرفته عن أفلام مسابقة كان 2026

شارك هذا المنشور

أضف تعليق