لم تأتِ دانيال عربيد إلى السينما من بابها الرسمي، وصلت بخطوة مترددة، وبفضول لا يعرف حدًا. كانت باريس بالنسبة لها مختبرًا للذات قبل أن تكون وجهة دراسية. وسط ضجيج الأدب والصحافة والعمل الحر، بدأت تتكوّن حساسيتها الأولى تجاه الصورة، رغم أنها لم تدرس السينما يومًا ولم تخطّط لأن تصبح مخرجة. لكن شيئًا ما في علاقتها بالواقع دفعها نحو الكاميرا. في 1998، قدّمت فيلمها القصير الأول «ردم» (1998)، ومنذ تلك اللحظة، راحت تقترب أكثر من الشارع، من الناس، من التفاصيل.
اختارت الوثائقي لاحقًا، لا كنوع سينمائي بل كمساحة تسمح لها بأن تكون قريبة من الفن والتصوير الفوتوغرافي والوجوه العابرة. ومع الوقت، بدأت تجرّب، تُخلخل الحدود بين الروائي والوثائقي والمقالة المصوّرة. كانت تنجذب إلى السرد المتحوّل، إلى الحكايات التي لا تستقر، إلى تلك المنطقة الرمادية التي تُصبح فيها الأنواع مجرد اقتراحات. أفلامها تذهب مباشرة إلى المناطق الشائكة، الحبّ، الجنس، السياسة.

نساء عربيد يعشن دائمًا في صراع مفتوح مع شغفهن، صراع يتخذ شكله الخاص في كلّ فيلم، سواء في التمزّق الحميمي لـ«أوتيل بيروت» (2011)، أو في الانكشاف العاري للرغبة في «شغف بسيط» (2020، Simple Passion)». كأن نساء عربيد يحملن في داخلهن صدى نشأتها هي نفسها، ذلك التمزّق الأول بين الرغبة في الانتماء والرغبة في الهرب. لذلك تبدو بطلاتها غير قادرات على تجاوز الصعاب رغم توقهن العميق لذلك، وكأنهن يعشن إعادة تدوير دائمة لجرح قديم. هشاشتهن ليست ضعفًا، بل امتدادًا لذلك النوع من المقاومة الداخلية التي تتكوّن حين يكبر المرء بين واقع ضاغط ورغبة لا تهدأ في إعادة تعريف الذات. ومن هنا، يصبح الحب في سينما عربيد ليس وعدًا بالخلاص، بل مساحة اختبار تُعيد فيها شخصياتها مواجهة ما حملته معها منذ البداية. مساحة كشف، ومساحة مقاومة، ومساحة تُعرّي العلاقة بين الرغبة والحدود التي يفرضها العالم.

فيلمها الأخير «لمن يجرؤ»، المشارك في مهرجان برلين السينمائي، هو نتاج انخراط طويل في حياة الناس في الشوارع، في تعقيدات السياسة اليومية، وفي تاريخ شخصي لا ينفصل عن الذاكرة الجماعية. الحرية، تحقيق الذات. إلى جانبها، هناك دائمًا حضور للصراعات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكّل خلفية صامتة لكل قرار. أما الحبّ هنا، فهو ليس موضوعًا بل حالة. حب كامن، خافت، يتسلل بين المشاهد، الحب الذي تُعيد صياغته البنى الاجتماعية. الحبّ، كفكرة فلسفية واجتماعية، ليس شعوراً واحداً بل شبكة من المفاهيم. الإثارة، والتواصل، والتعاطف، والرعاية، والألفة، والتعلق، والرغبة، والتفاؤل، والقلق.
في «لمن يجرؤ» تبدو حياة سوزان (هيام عباس) مرتّبة على نحو يُغري بالطمأنينة. زوج رحل منذ سنوات وولدان كبرا وغادرا المنزل. أرملة في الستينيات تعيش وحدها في شقة بيروتية واسعة نسبيًا، تعمل في متجر أقمشة صغير لا يرهق الجسد ولا يستهلك الروح. كل شيء يوحي بأن الحياة استقرّت أخيرًا، أو هكذا يبدو لمن يراقبها من بعيد. لكن تلك الأمسية تغيّر الإيقاع. في طريق عودتها، تصادف سوزان مشهدًا من مشاهد المدينة. ضرب شاب يبدو كعامل مهاجر، محاصر من مجموعة رجال لبنانيين. تساعده سوزان، ثم تعرض عليه أن يصعد معها إلى الشقة لتضمّد جرحه. عثمان (أمين بن رشيد) العشريني يرفض المستشفى، لا مال، لا أوراق، ولا مكان في لبنان لمن يشبهه. في شقتها، يقبل دعوة العشاء، ويجلسان أمام طاولة تجمع بين غريبين يتعرّفان إلى وحدتهما. عثمان من السودان، سوزان من أصول فلسطينية، كلاهما يحمل تاريخًا من الاقتلاع. ليلة بعد ليلة يطول الحديث، ويبدأ الحبّ. هكذا يبدأ الفيلم في تفكيك ما يبدو بسيطًا، ويكشف كيف يمكن للّحظة عابرة أن تفتح بابًا على علاقة، وعلى فضيحة محتملة، وعلى مدينة غارقة في العنصرية.
ليس «لمن يجرؤ» أول فيلم يضع زوجين في مواجهة الأعراف الاجتماعية، لكن عربيد تتعامل مع هذا الخطّ المستهلك بطريقة تُفلت من التوقعات. فالعنصر المتمرّد في العنوان يخصّ سوزان قبل أي أحد آخر، امرأة تعرف جيدًا كيف تتعامل مع محيطها ولا تسمح لهذه الدوائر بأن تُثقل علاقتها بعثمان. كونها لاجئة سابقًا، تعلّمت منذ زمن أن تُدافع عن نفسها، وأن تُعيد ترتيب العالم من حولها بما يناسب هشاشتها وصلابتها في آن. بل إن حيّها نفسه يضمّ مجتمعًا صغيراً ممن لا يأبهون بالمجتمع وأعرافه. كل هذا يجعل العلاقة ممكنة، بل قابلة للاستمرار، لولا الواقع اللبناني.

«لمن يجرؤ» فيلمًا عن الحبّ، لكن ليس الحبّ الذي يُقدّم كحلّ أو كخلاص. بل الحبّ المشتّت، الجامح، غير المُعالج. كأن الفيلم نفسه يرفض أن يُهذّب العاطفة أو يُعيد صياغتها ضمن حدود قابلة للاستهلاك. الفيلم في جوهره تأمّل في مرور الزمن، وفي هشاشة اللحظة التي يتفتح فيها الحب وسط الخراب.
في نص قصير يسبق الفيلم، تُذكّر المشاهد بأن ما يراه ليس إلا وهمًا، بيروت التي تظهر على الشاشة مُعاد بناؤها بالكامل، لأن التصوير في المدينة كان مستحيلاً تحت القصف الإسرائيلي. هذا الاعتراف المبكر يحرّر الفيلم بدل أن يقيّده. بما أن الشخصيات لا تستطيع الحركة في المواقع الأصلية، تُفتح أمام المخرجة إمكانيات واسعة للابتكار. وفاءً لجرأتها، تمنح عربيد بيروت طابعًا مصطنعًا، حيث تتحوّل الديكورات إلى فضاء بين الواقعي والمتخيَّل، بين مدينة موجودة ومدينة مُتخيّلة.
ورغم أن القصة قد تبدو بسيطة أو حتى مألوفة، تُبقيها عربيد بعيدة عن البطولات الفارغة، وعن الوعظ الأخلاقي، وعن التلاعب العاطفي. المنظور صارم، نظيف، لا يساوم. ويأتي أداء هيام عباس ليُعمّق هذا الخيار. حضور متزن وحسّاس في آن، يجسّد التناقضات الداخلية لامرأة تنفتح بدهشة متأخرة على إمكانية القرب من شخص مختلف تمامًا.
اقرأ أيضا: «الجميع يُحبّ بيل إيفانز»