فاصلة

أخبار وتقارير

لازلو نيمس يعيد «جان مولان» إلى الحياة… من داخل الجحيم الفرنسي

Reading Time: 4 minutes

عقد صناع فيلم «Moulin ـ مولان» مؤتمرًا صحافيًا ضمن مهرجان «كانّ» السينمائي الدولي كشفوا خلاله عن كواليس العمل الذي يغوص في الأيام الأخيرة من حياة قائد المقاومة الفرنسية جان مولان. واستعرض المخرج لازلو نيمس، برفقة الكاتب أوليفييه ديمانجيل والنجوم جيل لولوتش، ولويز بورغوان، وفيليكس لوفيفر، التحدّيات الفنّية والإنسانية التي واجهتهم لإعادة تجسيد هذه الحقبة التاريخية المعقَّدة، والمسؤولية الجسيمة المرتبطة بتقديم شخصية وطنية مُلهمة على الشاشة.

تدور أحداث الفيلم في يونيو عام 1943، مسلطًا الضوء على لحظة فارقة في تاريخ فرنسا الحرّة، بعد القبض على قائد المقاومة الفرنسية جان مولان، خلال محاولته توحيد صفوف الجيش السرّي. وينتقل العمل إلى مواجهة شرسة داخل أروقة التحقيق، حيث يخوض مولان معركته الأخيرة ضدّ التلاعُب والوحشية خلال استجواب رئيس جهاز «غستابو» في ليون، كلاوس باربي، له، ليصبح مصير فرنسا بأكملها معلقًا بين يديه.

البحث عن الهوية الحقيقية ومواجهة الجلّاد

أوضح الكاتب المُشارك أوليفييه ديمانجيل أنّ فكرة الفيلم تبلورت لديه بسرعة كبيرة، لافتًا إلى أنه شعر في البداية بصعوبة تقديم فيلم سيرة ذاتية تقليدي عن جان مولان، لكونه شخصية معقَّدة عاش صاحبها حياة بسيطة موظفًا حكومي في الجمهورية الفرنسية. وأضاف أنه أدرك فورًا وجود مساحة خيالية لم تُستكشف سابقًا في السينما، نظرًا إلى أنّ تفاصيل ما حدث بدقة لا تزال مجهولة، ممّا أتاح فرصة للبحث في الهوية الحقيقية لمولان.

أوليفييه ديمانجيل

وأشار ديمانجيل إلى أنه، رغم إنتاج أفلام ولوحات جدارية تاريخية ضخمة عن المقاومة، فإنّ أحدًا لم يتناول الأمر من منظور المُقاوم نفسه، ومن هنا جاءت فكرة استكشاف شعور الإنسان وهو يلتزم الصمت الكامل أمام جلّاده. وبيَّن أنّ جان مولان كان يعيش حالة شكّ عميق وشعورًا بالضعف، ما جعل القصة درامية وآسرة سينمائيًا.

وعن مدى اعتماده على التأويل والخيال، أكد ديمانجيل أنّ فريق العمل قرَّر قراءة عدد كبير من الوثائق والبحث في الأحداث التي سبقت اعتقال مولان وتلته، وهي أحداث حظيت بتغطية إعلامية واسعة. ونظرًا إلى أنّ المعلومات المتوافرة تقتصر على وفاته في القطار وحَلْق شعره، من دون معرفة تفاصيل استجوابه، اطلع الكاتب على الأساليب التي استخدمها الألمان لإجبار المقاومين على الاعتراف.

وأكد أنه جرى تجنُّب التركيز على التعذيب الجسدي العنيف الذي تعرَّض له مولان في الواقع، رأفةً بالمشاهدين، مع التركيز بدلًا من ذلك على درجات متفاوتة من الاستجواب، لإظهار انحداره التدريجي نحو الجحيم، حتى يتحول إلى شهيد حقيقي.

استكشاف ثنائية الخير والشر

من جهته، أعرب المخرج لازلو نيمس عن سعادته الكبيرة وتأثّره بوجوده في مهرجان «كانّ» لتقديم الفيلم، مؤكدًا إدراكه حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه عند تناول شخصية وطنية بحجم جان مولان. وذكر أنّ المنتج آلان غولدمان عرض عليه السيناريو قبل عامين، وقد رأى أنّ أسلوبه الإخراجي الغامر يُلائم تصوير هذا النوع من المواقف المعقَّدة.

لازلو نيمس
لازلو نيمس

وأكد نيمس أنّ الفيلم يناقش قضايا جوهرية تمسّ أُسس الحضارة، وثنائية الخير والشرّ، وأفضل ما في الإنسان وأسوأ ما فيه. وأضاف أنه تعرَّف إلى الأبعاد الإنسانية لشخصية مولان من خلال كتاب دانيال كورييه، فاكتشف أنه كان فنانًا ورسّامًا ومصمّمًا يمتلك رؤية حقيقية للحياة، لكنه عاش عزلة شديدة في زمنه تفوق ما عُرف عنه بعد الحرب.

وعن الجانب التقني، كشف أسباب استخدامه كاميرا 35 ملم بدلًا من الكاميرات الرقمية، مؤكدًا رغبته في منح المتحدثين حقّهم الكامل في التعبير، وخَلْق حالة من «التنويم المغناطيسي» للمُشاهد داخل قاعة السينما المظلمة.

وانتقد نيمس الاعتماد المُفرط على التقنيات الرقمية، معتبرًا أنها تلغي الحاجة إلى المعرفة التقنية، وتدفع المخرجين إلى إعادة تصوير المشاهد ملايين المرات بدافع الخوف، بينما يفرض الفيلم الخام طقوسًا من الانضباط والتدريب المسبق مع الممثلين، لتصوير المشهد عندما يصبح الجميع مستعدين تمامًا.

رهبة المسؤولية الإنسانية أمام عظمة الشخصية

وتحدَّث بطل العمل جيل لولوش بصدق عن مشاعر الخوف والرهبة التي انتابته فور تلقّيه السيناريو، متسائلًا عن سبب اختياره تحديدًا لتجسيد شخصية ذات إرث عظيم مثل جان مولان. وأكد أنّ الدور تطلب جهدًا كبيرًا، ولم يكن الهدف تقديم فيلم سيرة ذاتية تقليدي، بقدر الغوص في أعماق الشخصية وتصويرها بطريقة حميمة وصادقة.

جيل لولوش
جيل لولوش

وأضاف لولوش أن أسلوب أوليفييه المميّز في الكتابة، والالتزام الجماعي لفريق العمل، ساعداه على الشعور بالراحة والتعاطف مع الشخصية. ووصف شعوره بالاستثنائي خلال السير على السجادة الحمراء في «كانّ»، معترفًا بجرأته في تخيل قدرته على تجسيد رجل بهذا المصير العظيم.

وختم مؤكدًا أنه كان ينظر إلى السماء في كلّ مشهد يؤديه، مستشعرًا الهول والمعاناة التي عاشها مولان، ومدركًا أنّ أيّ أداء تمثيلي سيظلّ صورة باهتة أمام عظمة الشخصية ومكانتها.
الاندماج في أسلوب نيمس

أوضحت الممثلة لويز بورغوان ملامح دورها في الفيلم، مشيرة إلى أنّ شخصية «الكونتيسة» خيالية وغير موجودة في الواقع، وكان الهدف الأساسي لها وللمخرج إبقاء المشاهد في حالة حيرة حول ما إذا كانت متعاونة مع العدو أم مناضلة في صفوف المقاومة.

لويز بورغوان
لويز بورغوان

واعترفت بصعوبة تجسيد شخصية تحيط بها الشكوك والخطورة، وإنما رغبتها الكبيرة في العمل مع المخرج لازلو نيمس، وإعجابها بأعماله السابقة، كانا الدافع الأكبر لها.

وأشادت بورغوان بأسلوب نيمس الإخراجي المباشر، الذي يعتمد على تصوير مَشاهد طويلة من دون قطع، لافتة إلى أنّ أفلامه تتميّز بعمقها، والتركيز على الممثّل، وإظهار حساسية عالية وتفاصيل دقيقة تحترم قدرات الممثلين، مستشهدة بفيلمه السابق «Son of Saul ـ ابن شاؤول».

وكشف الممثل الشاب فيليكس لوفيفر عن تجربته الخاصة في تجسيد شخصيته التي تلتقي بمولان داخل زنزانة السجن. وأوضح أنه انضمَّ إلى المشروع بعد يومين فقط من انتهاء تصوير فيلم آخر، معتبرًا أنّ المشاركة مع لازلو نيمس شرف كبير في مسيرته.

وعن طريقته في التحضير، قال لوفيفر إنه قرر قضاء ليلة كاملة داخل السجن الحقيقي والنوم وسط الفئران، التي حاول منع دخولها عبر سدّ النافذة بالكرتون، بهدف وضع نفسه مكان الشخصية والانغماس الكامل في الأجواء المُغلقة.

وأشار إلى أن هذه التجربة ساعدته على إبراز الغموض والتعقيد المحيطين بمولان، والتساؤل الدائم حول ما إذا كان متعاونًا أم مقاومًا.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق