الدخول إلى متاهة فريتز لانغ
يتسلّل صفيرٌ ناعم وغريب من العتمة كأنّه طيفٌ يبحث عن ضحية. يتوقّف رجل أعمى في غرفة خافتة الضوء فجأة ويرفع رأسه وكأنّه سمع شيئاً لا يسمعه أحد سواه. تتحوّل النغمة البريئة؛ ذلك اللحن طفولي إلى علامة تدل على الموت. تمر لحظات خرساء، مشبعة بتوتّرٍ يلتفّ حول الحلق كأنفاسٍ على وشك الانقطاع. لم يكن هذا مشهداً طبيعياً، بل مصيدة للمشاعر، قشعريرة باردة تسري في العروق. تتوسّع الحدقة مع كل حركة خلف أي زاوية.
هذا هو عالم فريتز لانغ في فيلمه «M» (1931) حيث يتحوّل لحن من بيرغينت إلى أداة للكشف عن قاتل للأطفال، وتصبح المدينة نفسها، بأزقتها، وبأدراجها، وبنوافذها شريكاً في الجريمة. تغدو كمشاهد جزءاً من كابوس لا يرحم حين ظهر بيتر لوراي للمرة الأولى، بعينيه الواسعتين وظهره الموسوم بحرف «M».
هذا رجل يعرف تماماً منذ بداياته في أفلامه الصامتة، وصولاً إلى أفلامه الأمريكية التي غرقت في عوالم «الفيلم نوار»، يعرف كيف يصنع سينما تجعل المتفرّج متسمراً أمام الشاشة، تحرّك القلق الكامن، وتدفعه إلى زوايا لم يكن ربما ينوي الدخول إليها.

تبدو الشخصيات البشرية في عالمه، صغيرة، وعاجزة، كأنها محاصَرة في مدينة تتحكم بها قوى خفية. يحضر القدر دائماً كقوةٍ مسيطرةٍ، تحرّك الخيوط من وراء الستار، سواءً في مدينة متروبوليس المستقبلية أو في العوالم السفلية حيث يتربّص الخطرخلف كل عتمة.
بقي فريتز لانغ، على مدى خمسين عاماً، وفياً لرؤيته. لم يساوم، ولم يُخفف من قتامة نظرته للعالم. لم يكن مجرّد شاعر للكوابيس، بل كان مهندسها البصري، يخطّ خرائط الهلع بأدق التفاصيل. ستؤثر أعماله بعمق في لغة السينما الناشئة؛ من الإضاءة إلى المونتاج، إلى تكوين الكادر كمساحة نفسية، وعلاقة الصورة بالزمن والمكان، وصولاً إلى الطريقة التي يُحاصر بها الفيلم جمهوره.
لا نتكلم هنا عن مخرج هامشي في تاريخ السينما، بل نقطة مرجعية ظلّت تؤثر في أجيال من السينمائيين من بعده. اعترف لويس بونويل، رائد السريالية، بأن مشاهدته لفيلم «Destiny» كانت لحظة حاسمة؛ قال إنه خرج من السينما «متغيّراً بالكامل»، وقد أيقن حينها أن الصورة يمكن أن تكون وسيلة التعبير الأعمق.

أما جاك ريفيت، فقد رأى في لانغ أحد القلائل الذين جعلوا من الزمن بنية سردية بصرية، وكتب عن أفلامه بوصفها خرائط نفسية، تتحرّك داخلها الشخصيات كما لو كانت تطارد قدراً لا يُرى.
بالمقابل كان تأثّر ألفريد هيتشكوك بفريتز لانغ عميقاً وإن لم يُعلن عنه دائماً بصراحة، لكنّ ملامحه كانت تتسرّب بوضوح في أفلامه، ولا سيما في الطريقة التي يبني بها التوتر من الداخل، وفي رغبته في استكشاف دواخل الشخصيات الإجرامية لا من أجل إدانتها، بل لفهمها. تعلّم هيتشكوك من لانغ من «M» إلى «Scarlet Street»، كيف يتحوّل الظل إلى تهديد، وكيف يمكن للكاميرا أن تُراقب لا من الخارج فحسب، بل من داخل العزلة والاضطراب النفسي.
بدا تأثير لانغ جلياً أيضاً في كل زاوية من «Alphaville»، فيلم غودار الشهير؛ من تحويله مواقع باريس إلى متاهة مستقبلية باردة، إلى جعله الضوء والعتمة لغة مشحونة بالتوتر. لاحقاً، ضمّن غودار في «Histoire(s) du cinéma» مشاهد من فيلم «Destiny»، إقراراً بأن لانغ سبقه في استخدام العمارة والإضاءة كأدوات للتعبير عن الخوف، وعن حضور القدر كقوة تتحكم في مصائر الشخصيات.

من فيينا إلى متروبوليس
وُلد فريتز لانغ في فيينا عام 1890، لأبٍ معماري وأمٍ زرعت فيه مزيجاً من الإيمان الكاثوليكي والإيمان اليهودي بسبب الجذور. نشأ في أواخر عهد الإمبراطورية النمساوية-المجرية،محاطاً بفخامة فيينا في نهاية القرن؛ تلك المدينة التي تُخفي واجهاتها المهيبة عتمات ثقيلة تحت السطح.
فُتن منذ الطفولة بالعوالم الاستعراضية؛ من سحر أسواق عيد الميلاد في فيينا، إلى عروض مسارح الدمى ومصابيح الخيال، التي فتحت له نوافذ على عوالم أخرى. ستُصبح هذه الذكريات عن النور الذي يخترق الظلمة، وعن الحكاية المروية من خلال الصور، الأساس الصلب للغته السينمائية.
وصل لانغ إلى برلين عام 1918، وسط فوضى إبداعية في ألمانيا المنهزمة. سرعان ما ارتبط بالمُنتج إريك بومر، والكَاتبة تيا فون هاربو، التي أصبحت زوجته وأقرب شركائه في الإبداع طوال عشرينيات القرن العشرين.
أظهر لانغ منذ بداياته انشغالاً عميقاً بالمفاهيم الميتافيزيقية والأسئلة التي لا يملك الإنسان لها جواباً حاسماً. عبّر مثلاً في فيلم «Destiny» ((1921؛ فيلمه القاتم عن امرأة تُفاوض الموت من أجل حبيبها عن افتتان واضح بموضوع القدر كقوة غامضة تحكم حياة البشر، وبالقلق الإنساني كمبحث بصري في معنى التضحية والحب في وجه الفناء. كان لانغ في أوائل الثلاثينات من عمره فقط عندما بدأ يستخدم الضوء والظلّ لاستكشاف طبيعة هذه الأسئلة، بدت مشاهد الفيلم أعلاه كالجدار الفاصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات، فيما بدت قاعة الأرواح المضاءة بالشموع كفضاء صامت تحفظ فيه الحياة في شكل نيران صغيرة، لكل شمعة منها عمرها المحدد، يشتعل فتيلها ما دام القدر يسمح، وحين ينطفئ، تنتهي الحكاية في هدوء لا يسمع فيه سوى صمت الموت. وفي الفصل الأخير من الفيلم، حين تتصالح المرأة مع حقيقة الموت، كان لانغ يطرح للمرة الأولى إشكالية التوازن بين العدالة والقدر. كرّس هذا العمل مكانة لانغ كـ«صانع أساطير» يعادل شعراء عصره.

وإذا كان لانغ قد قدّم في «Destiny» صورة للموت المرهق في مهمته، بوصفه حضوراً إنسانياً يرهقه حمل الأرواح أكثر مما يغريه انتزاعها، فإن هذا الموت الذي بدا كتأمل شعري في الفناء، كان أقرب إلى قصيدة بصرية تتأمل النهاية ومعناها، لا مشهد رعب أو تهديد. سيتسع أفقه السينمائي في أفلامه التالية ليشمل الأساطير القومية وكوابيس المستقبل، منتقلاً من التأمل الهادئ في المصير الفردي إلى استكشاف المخاوف الجمعية ورموز السلطة والدمار.
أحيا الأسطورة الجرمانية في فيلمه الملحمي نيبلونغن (1924) المكون من جزءين، والمقتبس عن ملحمة العصور الوسطى Nibelungenlied، مقدّماً قتلة التنانين وملكات المحاربين بعين معماريّ تهوى الضخامة؛ قلاع هائلة، وغابات من الرماح والدروع. وبعين رسّام تعشق الرمزية، كما في مشهد جيش الأشباح داخل قاعة تتوهج بالجمر والضوء الأحمر، حيث يتقاطع السحر بالرهبة في فضاء أسطوري متقد.
لينتقل بعدها إلى المستقبل في فيلم «Metropolis» عام ( 1927) مشيداً إحدى أكثر الرؤى السينمائية تأثيراً في المستقبل عن المدن الصناعية والصراعات الطبقية.
تدور أحداث الفيلم في مدينة مستقبلية خيالية يتعالى فيها بريق ناطحات السحاب وآلات عملاقة فوق عمّال مسحوقين في الأسفل. كانت الإمكانيات الإنتاجية المستخدمة غير مسبوقة، حيث استخدم لانغ آلاف الكومبارس، وتقنيات ومؤثرات حديثة، وديكورات ضخمة ليخلق رؤية لمجتمع ميكانيكي بارد. لا تزال أبراج الآرت ديكو ودهاليز متروبوليس المعقدة بدقتها وروعتها المعمارية تبهر جيلاً من السينمائيين حتى اليوم.

لكن ما يتجاوز البهرجة، هو أن لانغ غلّف الفيلم بتعليق اجتماعي تنبؤي؛ حيث عرض مدينة مقسّمة بحدة بين نخبة مرفهة في الأعلى، وجماهير كادحة في الأسفل، وعالم منقسم لا يمكن وصله إلا بجسر من التعاطف بين قلبَين شابّين.
لاحقاً ستشكل عناصر عديدة من فيلم متروبوليس نواة أفلام الخيال العلمي؛ الروبوت ماريا بجمالها المعدني الغريب، وفكرة المدينة التي تُدار من قبل عين راصدة عليا، وثيمة الإنسان الذي يضيع في آلةٍ صنعها بيديه. وقد علّق لانغ مرةً أن لكل فيلم من أفلامه أسلوباً بصرياً خاصاً ينبع من موضوعه. اختار لانغ في «Metropolis»، حين اختزل البشرية في آلة عملاقة، أسلوباً يمزج بين صرامة الحداثة ومعمار العصور الوسطى، فبدت المدينة كأنها كاتدرائية معدنية مهيبة، تفرض على من فيها شعوراً بالرهبة والانبهارفي آن. خلق نصف مصنع، ونصف معبد وتحولت التكنولوجيا من مجرد أدوات إلى بنى طقسية، تحكم الإنسان لا بالعقل بل بالإيحاء والغموض. ومع كل ذلك البذخ البصري، لم يكن «Metropolis» حلماً مستقبلياً مفعماً بالأمل، بل رؤية رمزية تُحذر من المصير القاتم لمجتمع تنفصل فيه التكنولوجيا عن الإنسان، وتُستَعبد فيه الطبقات الدنيا باسم التقدّم.

يبقى مشهد الروبوت، المشهد الأيقوني الأهم في الفيلم. ذلك الجسد المعدني الجالس في قلب حلقة كهربائية، والذي تحيط به لفائف تسلا وهي تقذف شراراتها في الهواء. يتصاعد التوتر، حتى يتوهج وجهه الجامد فجأة بعينين تقدحان ناراً، فيتحرّك ببطء كأن المدينة أنجبت شيطانها الخاص. لم تكن تلك مجرد آلة، بل نسخة زائفة من ماريا، تنشر الفتنة وتدفع العمّال إلى العنف، كأنها الوجه المظلم للتقدّم حين يُفصل عن القيم. يُختزل الإنسان في هذا العالم، إلى ترس في آلة (الأزمنة الحديثة وتشارلي تشابلن مثلاً)، وتُقاس الحياة بقيمتها الإنتاجية لا بكرامتها. ومع ذلك، تمر لحظة فاصلة حين يقف ابن الحاكم بين والده والعمّال، ويجمع يديهما في مصافحة واحدة، كأن المدينة تنصت أخيراً لنداء القلب. لحظة خجولة، لكنها تقول إن التعاطف، لا القوّة، هو ما يُعيد التوازن حين تفقد الآلة وجه الإنسان.
أصبح لانغ بحلول أواخر عشرينيات القرن العشرين المخرج الأهم في ألمانيا. كان لكل فيلم من أفلامه مذاقه الخاص. قدم في الدكتور مابوزه المقامر(1922) مجرماً عبقرياً يسيطر على المجتمع بقوة التنويم، في إسقاط رمزي على الطغاة الذين يتحركون خلف الأقنعة. أما في الجواسيس (1928)، فقد صبغ لانغ حبكات المغامرات السريعة بأسلوب بصري أنيق، جمع بين التشويق الجماهيري والدقة الإخراجية. لكن تحفته الأهم كانت فيلمه الناطق الأول. أتحدث هنا طبعاً عن «M» الذي أخرجه عام 1931.
القاتل، والمدينة، والمحاكمة: M كتشريح مجتمعي لا كجريمة
البداية؛ مجموعة من الأطفال الذين يلعبون في ساحة معزولة، يرددون أنشودة عن قاتل يختطف ضحاياه، بينما تصرخ جارتهم من النافذة بانزعاج. تظهر في الوقت نفسه، أمّ في مطبخ متواضع، تجهّز الغداء وتنتظرعودة ابنتها الصغيرة. تزداد الأم قلقاً كلما نظرت إلى الساعة ثم إلى النافذة، وتبدأ بمناداتها بصوت يعلوه القلق. يتبع هذه اللحظات لقطات صامتة لكنها ناطقة؛ صحن طعام لم يُمس، وكرسي فارغ، وكرة تتدحرج لوحدها، وبالونة تتأرجح في الهواء وقد علقت في أسلاك الهاتف. ندرك حينها أن الطفلة لن تعود، وأن شيئاً مرعباً قد حدث بالفعل.

سيكون لانغ هنا أول من استخدم الصوت في خدمة التشويق؛ إذ لا يُعرَّف القاتل من خلال صورته، بل من خلال لحن صفير بسيط، نغمة منفصلة عن الجسد تبعث القشعريرة في المتفرج قبل أن يرى وجه القاتل. كانت الفكرة فجة؛ يتسابق المافيا والشرطة للقبض على قاتل متسلسل للأطفال في المدينة. لم يقترب لانغ من هذا الموضوع بأسلوب استعراضي، بل تعامل معه كتشريح سريري لمجتمع مضطرب. الفيلم هو بورتريه لمدينة أصابها جنون الشك؛ جموع تتّهم الأبرياء، وزعماء جريمة يعقدون محاكم وهمية، بينما يعيش المواطن العادي مهدداً بالخوف في كل لحظة. ينسج لانغ عبر تكوينات ضوئية ومونتاجات صوتية مبتكرة (همسات، وخطوات، وذلك الصفّير الملعون)، توتراً لا يُطاق.
يتم القبض على القاتل أخيراً، بعد مطاردة طويلة، ليس من قبل الشرطة، ولكن من قبل عصابات المدينة نفسها. يُساق إلى قبو مهجور حيث تنعقد محكمة سرّية، قوامها مجرمون ولصوص وبلطجية، يطالبون بإعدامه لأنه «أسوأ منهم»، رغم أن كل واحد منهم يملك سجله الأسود. يُجبر على الدفاع عن نفسه وهو يرتجف، ويتوسّل الرحمة، ويصرخ بأنه لا يستطيع السيطرة على دوافعه، لكن صرخاته تضيع وسط هتافات الانتقام. لا يقدّم الفيلم أي إجابات حاسمة؛ لا خلاص، ولا انتصار للعدالة. قبل أن يُختتم بمشهد لأمٍ فقدت طفلتها وهي تقول: «يجب أن نحمي أطفالنا بأنفسنا»، فيترك الفيلم المشاهد في حالة من الارتباك والقلق، متسائلاً: من يملك حق الحكم؟ ومن هو الوحش الحقيقي؟
كتب غوبلز، وزير الدعاية النازي، في مذكراته بعد مشاهدة الفيلم «رائع! إنه عمل متقن. إنه يؤيد عقوبة الإعدام. سيكون لانغ مخرجنا يوماً ما.» قرأ النازيون نهاية الفيلم – حيث يُصوَّر المجرم غير القابل للعلاج كخطر على المجتمع – كتبرير ضمني لعدالتهم الانتقامية. لكن هذا الإعجاب لم يشفع للانغ، حيث أقصي بسبب أصوله نصف اليهودية، ليجد نفسه مضطراً للهرب إلى أمريكا.
المنفي بلا مهادنة.. فريتز لانغ في أمريكا

لم يكن فريتز لانغ حين غادر ألمانيا، يفرّ فقط من السحب القاتمة التي بدأت تخنق الثقافة، بل كان يودّع سينما غرقت في الرموز والأساطير. لم يبحث في أميركا عن مأوى، بل واجه واقعاً بلا أقنعة هذه المرّة. بطبيعة الحال لا أتناول هنا جميع أفلامه التي أخرجها في أمريكا، بل أتوقف عند تلك التي تكشف بوضوح كيف ترجم نظرته إلى البيئة الأمريكية.
لم يتراجع في أفلامه الأمريكية عن نظرته السوداوية، بل نقلها من الأساطير والرموز إلى شوارع أميركا ومدنها الصغيرة، حيث تحوّل المجرمون إلى مواطنين عاديين. يتصاعد الشك في «Fury»، في بلدة صغيرة إلى حريق جماعي،حين يُتّهم رجل بريء بجريمة لم يرتكبها، ويُحاصر في زنزانته التي تُحرق مع من فيها. ينجو الرجل، لكن نجاته ليست خلاصاً، بل بداية لانهيار داخلي، إذ يتحوّل هو نفسه إلى من كان يريد محاكمته. تُحرَق العدالة هنا قبل أن تُنصف أحداً. في «You Only Live Once»، يخرج رجل من السجن ويحاول أن يبدأ من جديد، لكن ماضيه يطارده حتى النهاية. يُغلق أمامه كل باب، وتلصق به التهم تلو الأخرى فيندفع نحو اليأس. لا يتعاطف الفيلم معه بقدر ما يكشف كيف يُدفع الفرد دفعاً نحو الجريمة حين تُرفض إنسانيته. حتى في فيلم أكثر حميمية كـ«You and Me»، لم يتخلَّ لانغ عن حسه التحليلي؛ إذ تتسلل خلف قصة الحب بين اثنين من أصحاب السوابق رسائل تربوية مصوّرة على الجدران، وإيقاعات موسيقية غير متوقعة، كأن الفيلم يريد أن يشرح للعالم لماذا يولد الإجرام، لا كيف ينتهي.
لاحق لانغ فكرة الخوف في أفلام الحرب والمنفى كما يلاحق أبطاله؛ بلا راحة. يحول تصويب بندقية من قنّاص بريطاني على هتلر في Man Hunt، حتى دون إطلاق النار يحوله إلى طريدة لمنظومة لا ترحم. تبدأ المطاردة من الغابة، وتنتهي في دهاليز المدن، لكن القلق يبقى البطل الأول.

في «Hangmen Also Die!! (1943)،لا يظهر العنف مباشرة، بل يسكن في صمت الوجوه، وفي الأبواب المغلقة، في نظرات تتفادى بعضها خشية الشبهة. تدور أحداث الفيلم في براغ تحت الاحتلال النازي،عقب اغتيال القائد النازي راينهارد هايدريش، حيث يختبئ القاتل بين السكان، بينما تُنفّذ قوات الاحتلال اعتقالات جماعية انتقامية للعثور عليه. لا يهتم لانغ بتفاصيل الجريمة قدر اهتمامه بكيفية تسرّب الخوف إلى الحياة اليومية. إنه فيلم عن آلية تحويل الأنظمة القمعية الصمت إلى تهمة، والسكوت إلى اشتباه. تصير المدينة ساحةً لابتزاز الأخلاق، والناس أسرى لذعر لا صوت له، لكنه يفتك ببطء.
يغرق لانغ مع أفلام النوار، في عالم داخلي خانق. يتحوّل لقاء عابر في «The Woman in the Window» إلى جريمة، والجريمة إلى سلسلة أكاذيب تهدم حياة بأكملها. وفي «Scarlet Street»، يقع رجل بسيط في شَرَك علاقة مسمومة تنتهي بالقتل، ثم الجنون. لا ينتقم القدر منه، بل يتركه يتعفّن لوحده. وفي «The Big Heat» تقترب النار من بيت شرطي كلما اقترب من كشف شبكة الفساد، يجرح لانغ مشاهديه بالعنف، لا ليصدمهم، بل ليذكّرهم بثمن الحقيقة.
لم يكن لانغ رغم كل ذلك، مجرّد مخرج يعمل في هوليوود، بل غريباً يصرّ على استخدام أدوات الاستوديو لرواية حكايات لا تُريح أحداً. لم يتأقلم مع شروط الأستوديوهات، بل اختبر كل قالب،واخترق كل نظام. وحين بدأ بريقه يخفت في الخمسينيات، كان قد ترك خلفه تاريخاً طويلًا من الصور التي لا تُنسى، وقناعة بأن السينما يمكن أن تفكّك الأكاذيب لا أن تخدمها.

إرث السيّد لانغ
في عام 1960، أخرج فريتز لانغ آخر أفلامه؛ عيون الدكتور مابوزه الألف «The 1,000 Eyes of Dr. Mabuse»، مستدعيًا شبح الشرير الذي أطلقه في العشرينيات، كأنه أراد أن يُغلق دائرة حياته السينمائية حيث بدأها. لم يكن غريباً أن يُختتم الفيلم بجملة «ما هي الحقيقة؟»، وهو السؤالٌ الذي ظلّ لانغ يطرحه، بصور مختلفة، منذ أيامه الأولى في أفلامه الصامتة.
لا يظهر الطغاة أو المجرمون في أفلام لانغ، بوصفهم شخصيات فردية معزولة، بل كتعابير مركّبة عن زمنهم؛ نتاج جماعي لعصر مضطرب أكثر منهم صُنّاعاً له. فـ«مابوزه» ليس مجرد شرير، بل مرآة لهوس المراقبة والسيطرة الذي بدأ يتسرّب إلى بنية المجتمعات الحديثة.
وهنا يقترب لانغ من الفكرة التي صاغها ميشيل فوكو في المراقبة والمعاقبة، مستعيناً بصورة الـ«بانوبتيكون» — وهو تصميم لسجن دائري يمكن لحارس يقف في برج مركزي أن يرى جميع السجناء، بينما لا يستطيعون هم أن يروا الحارس أو يعرفوا متى يراقبهم. النتيجة أن المراقبة تصبح شعوراً دائماً في أذهانهم، فيضبطون أنفسهم حتى من دون أوامر مباشرة.
The 1,000 E
The 1,000 Eyes of Dr. Mabuse (1960)
في عالم لانغ، هذه الرقابة ليست جدراناً وأسواراً، بل حالة ذهنية تتسلل إلى الشوارع، والمكاتب، وحتى العلاقات بين الأفراد.المدينة في أفلامه ليست خلفية، بل شخصية بحد ذاتها؛ آلة بلا روح، تُخفي في قلبها وحوشاً بشرية،وتنتج جماهير منفلتة تهتف أو تقتل بحسب ما يُملى عليها. بهذا المعنى، كانت سينما لانغ تقرأ الواقع وتفضحه، لا تحاكيه فقط.
تقنياً حددت مؤثراته البصرية المبتكرة وديكوراته الفخمة في متروبوليس تعريف حدود الصورة السينمائية. في M، أظهر كيف يمكن للصوت أن يكون راوياً متمكناً. أصبح لحن الصفارة سابقة في استخدام «الموتيف» السمعي. أما شخصية مابوزه، فقد أسّست لأرشيف كامل من الأشرارالعباقرة في السينما؛ الجوكر وهانيبال كمثالين واضحين.
منح الظلال الحادة، والحبكات التي تسير نحو مصير محتوم، طابعاً تأسيسياً للفيلم النوار في هوليوود.

يمكن تلمّس أثره في مدن أورسون ويلز المختنقة،وفي الشعور بالقدر الثقيل الذي يخنق شخصيات كيروساوا،أو حتى في متاهات كريستوفر نولان النفسية. لقد كان لانغ «أوتوراً» قبل أن يولد هذا المصطلح. فناناً يحمل أسلوباً متفرّداً في كل كادر.
ربما كان أعظم ما فعله لانغ، أنه لم يطلب منا أن نفهم الجريمة، بل أن نعترف بأنها تسكن فينا جميعاً. أصبحت تقنيات التشويق التي صقلها أساساً في السرد البصري المعاصر. وفكرة أن الفيلم يمكن أن يعكس عيوب المجتمع العميقة -حيث تتوارى السلطة خلف القتل، ويختلط القانون بالثأر، وتُصبح العدالة لعبة قذرة- فكرةً تجد أصدائها في سينما مارتن سكورسيزي، وستانلي كوبريك، وديفيد فينشر.
تكشف أفلام لانغ ببساطة أن السينما الجماهيرية يمكن أن تحمل مواضيع فلسفية دون أن تفقد تأثيرها البصري والدرامي. يكفي مشهد البالون العالق في أسلاك الكهرباء في M الذي يشكل رمزاً لطفولة ضائعة وهشاشة الحياة، يكفي ليثبت أن صورة واحدة عند لانغ تساوي طيفاً من المعاني.
لم يخترع لانغ ربما نوعاً سينمائياً جديداً، بل كان ما قدمه تعرية لما نخاف مواجهته؛ إمكانية انهيارالنظام، وأن العدل قد يُدار بيد مجرم، وأن الرعب لا يحتاج وحشاً كي يُولد. لم تعد الصورة معه مجرد ظل على الشاشة، بل أثراً حيّاً لحقيقة لا نريد الاعتراف بها. نتذكركلما مرّ مشهد يشبهنا أكثر مما نريد، أو أكثر قتامة مما نرغب أن فريتز لانغ لم يغلق أبوابه خلفه، بل تركها مواربة، كما يفعل من يعرف أن أحداً ما سيعود ليسأل الأسئلة ذاتها، وقد عاد الكثيرون.
اقرأ أيضا: المدينة والحداثة في السينما: من شابلن إلى أنطونيوني وجاك تاتي