فاصلة

مراجعات

«شاعر»… تراجيكوميديا عن شاعر معذبّ وفقر مسوّق ثقافيًا

Reading Time: 4 minutes

«شاعر» (2025، «A Poet»)، فيلم لا يلتزم بأي صيغة، ولا حتى بطابع البؤس الإباحي الذي تُقدره المهرجانات الأوروبية. ومع ذلك، ثمة بؤس كبير في شخصياته. بؤس، لم يمنع المخرج الكولومبي سيمون ميسا سوتو من بناء هجاء للشعر والشعراء وعالم الفنّ والأدب والفقر والجوع، بينما ينتقل بفيلمه من الواقعية (الدنيئة) إلى العبث. يُبدع الفيلم ككوميديا تراجيدية تمزج بين الإحباط والفكاهة في قصة حميمية عن الفشل الإبداعي والهشاشة الفنية وكرامة الإيماءة الشعرية حين تصبح بلا جمهور. يستغل ميسا سوتو علاقة المعلّم بالطالب لاستكشاف تسليع وديناميكيات القوة في العالم الثقافي، بينما يقدّم نقدًا اجتماعيًا لاذعًا للخطاب النخبوي.

A Poet (2025)  شاعر
A Poet (2025)

أوسكار (يوبيمار ريّوس)، خاسر نموذجي، شاعر سكير متمسك بمبادئه، يرفض «التنازل» عن موهبته المزعومة المقدّسة، التي ضاعت في كتابين صغيرين كتبهما عندما كان شابًا. رجل مستعد للدفاع عن الشاعر الكولومبي خوسيه أسونسيون سيلفا، ويرى أن غابريال غارسيا ماركيز متعطش للشهرة. ولكن في الوقت الحالي، ماركيز أهم في حياة أوسكار أكثر من أي شيء آخر. في النهاية صورته مطبوعة على الأوراق النقدية، وإن كان هناك ما يحتاجه بطلنا، فهو المال. ابنته، التي تعيش مع والدتها، على وشك الالتحاق بالجامعة، وقد وعد بدفع تكاليفها. لذا، تؤمّن له أخته وظيفة تدريس في مدرسة ثانوية، على الرغم من إصراره على أنه شاعر وليس معلّمًا. في المدرسة، يكتشف يورلادي (ريبيكا أندرادي)، فتاة تبلغ 15 عامًا تتمتّع بموهبة شعرية هائلة. يريد أوسكار استثمار كلّ طموحاته والتغلب على إحباطاته فيها. لذا، يصبح أشبه بعرّاب فنّي. ومرة أخرى، كما هي الحال دائمًا في حياته، ينتهي به الأمر إلى ما هو أسوأ بكثير.

A Poet (2025)  شاعر
A Poet (2025)

يتنقّل الفيلم بين دوائر الشعراء والكتّاب المهمّشين، أولئك الذين يُنتظر أن يُعترف بهم يومًا ما، أو يُنسَون تمامًا. لا أحد يعرف متى يأتي الاعتراف، أو إن كان سيأتي أصلًا. في هذا العالم الرمادي، يظهر أوسكار كشخصية محورية تتعثّر مرارًا. يرتكب الأخطاء نفسها، بتكرار مؤلم، وكأن الفشل جزء من طقوسه اليومية. نواياه حسنة، لا شك في ذلك، لكنها لا تُثمر شيئًا، لا تُغيّر شيئًا. بل تبدو كأنها تُعمّق عزلته، وتُرسّخ هشاشته، وتُعيد إنتاج وهمه الفني. يبدأ الفيلم ككوميديا سوداء، نضحك على أوسكار، وعلى خرقه وسكره، وعلى محاولاته الفاشلة للتأقلم مع عالم ثقافي تركه خلفه. ولكن مع تقدّم القصة، يتحول الضحك إلى تعاطف. نبدأ في رؤية رجل يسعى، على الرغم من غطرسته وأخطائه، إلى فعل الأشياء بشكل صحيح وإيجاد معنى في حياته، ولو كان ذلك من خلال إنجازات شخص آخر. هذا المسار العاطفي يوازن بين السخرية والإنسانية من دون الوقوع في العاطفة السطحية.

يضع «شاعر»، رجلًا مهزومًا في واجهة عالم يواصل محاولة تحويل كلّ شيء إلى نوع من التجارة. هناك شعراء الباعة المتجولون، أولئك الذين يبيعون قصائدهم كما تُباع السجائر، محمّلين بارتباطات مبتذلة، يلهثون خلف اعتراف مؤجّل أو فتات اهتمام. وهناك المعلمون الذين لا يكترثون لطلابهم إلا حين تنفجر مشاكلهم في وجوههم، في لحظة متأخرة من الانهيار. وهناك أيضًا منظمات الدعم الثقافي الدولية، التي تروّج لنظرة أوروبية مركزية لما ينبغي أن تكون عليه ثقافة أميركا اللاتينية. حتى عائلة يورلادي، تسعى لاستغلال هذه الشابة الواعدة، لتوظيف موهبتها في خدمة مصالحها.

A Poet (2025)
A Poet (2025)

صُوّر «شاعر» بكاميرا 16 ملم، في خيار بصري يضفي على الصورة نسيجًا حسيًا خشنًا، ويمنحها طبيعية ملموسة تُقاوم التجميل الرقمي. فيلمًا يبدو كأنه خارج من أرشيفات أميركا اللاتينية، متماه مع هشاشة العلم الذي يصوّره الفيلم ووساخته. يحافظ الفيلم على ميزان سينمائي مباشر وعميق، لا يغرق في الزخرفة ولا يهرب من القبح. هذا التوازن بين الواقعية والعبث، يُعزّز من قدرة الفيلم على مساءلة الخطاب الثقافي السائد، ويمنحه طاقة هجائية هائلة.

يمارس «شاعر» ضبط النفس بذكاء لافت، فينحرف في اللحظة المناسبة تمامًا، متجنّبًا الوقوع في دوامة الشفقة أو السادية، أو الانزلاق إلى الكليشيهات المألوفة حول انحدار الفنانين الذين يُساء فهمهم إلى جحيم داخلي. لا يمجّد المعاناة، بل يفكّك الصورة النمطية للفنان المعذّب، ذاك الذي يُفترض أن يكون حزينًا ومهمّشًا كي يُبدع. الفيلم لا يكتفي بتقويض هذه الكليشيهات، بل يذهب أبعد، ليقترح أن الإبداع نفسه قد يكون وهمًا، فكرة متضخّمة في رأس صاحبها، لا تدعمها موهبة حقيقية ولا أثر ملموس. لا يستدر الفيلم العاطفة الرخيصة، ولا يقدّم بطله كضحية نبيلة أو كمجنون عبقري، بل يتركه يتخبّط في تناقضاته، ويمنحه مساحة للخطأ، للارتباك، والصمت. هذا الانحراف المتعمّد عن المسارات السردية المألوفة يمنح الفيلم طاقته الخاصة، ويُرسّخ نبرته التهكمية التي لا تنفي التعاطف، لكنها ترفض التبسيط.

A Poet (2025) شاعر
A Poet (2025)

أوسكار واحدة من أكثر الشخصيات جاذبية التي قدّمتها السينما الكولومبية في السنوات الأخيرة. لأن أوسكار ليس مجرد رجل لا يجد نفسه في العالم الحديث، بل هو أيضاً شخص متقلب، غريب الأطوار، لطيف، من زمن مضى، حساس، طفل بالغ يتوسل إلى والدته طلباً للمال ويبكي أثناء قيادته في المدينة. في شفقته، وبذخه، ومقاومته الشرسة لقواعد الإنتاج ورأس المال، يُمثّل أوسكار نسمةً من الهواء. إنه ترياقٌ للسرديات الطموحة، وللترتيب المفرط، ولِفخ تحسين الذات. لكل ما يُفترض أن يكون ناجحًاً، منتجًا، قابلًا للتسويق.

اقرأ أيضا: القائمة الكاملة لجوائز مهرجان الجونة السينمائي الثامن

شارك هذا المنشور