صوره القليلة المتداولة لا يزال معظمها يُظهره داكن الشعر، لكن مع الوقت، شاب شعره، وكُشف جبينه أكثر. فقط صوته الناعم بقي شابًا بشكل غريب. كان يأكل قليلًا، ولا يقود سيارة، ويمنع سائقه من تجاوز سرعة 50 كيلومترًا في الساعة. يتجنب السفر ومقابلة أشخاص جدد. ظلّ يعمل قدر الإمكان من منزله، حيث جهز جناحًا خاصًا للمونتاج وغرفة عرض.
يتواصل مع الآخرين عبر الهاتف، والفاكس، وجهاز الاتصال الداخلي، هو عدو للغرور، قليل الكلام. أسطورة من الغموض والعاطفة والصرامة. لم يذهب إلى أماكن كثيرة، لم يظهر على شاشة التلفزيون، ولم يُجر مقابلات إلا مع نقّاد جادين مثل ميشيل سيمان (1938 – 2023)، لم يحضر حفلات توزيع الجوائز، لم يُدل بتصريحات، ولا شارك في مناظرات.
في سنة 1961، عندما أدّى ضغط «الرابطة الوطنية للأخلاق الحميدة» إلى عدم إكمال تصوير فيلم «لوليتا» (1962، «Lolita») في الولايات المتحدة الأميركية، ذهب إلى إنكلترا لتصويره ومكث هناك، لأكثر من ثلاثين عامًا.

نشأ ستانلي كوبرك (1928 – 1999) في برونكس، عمل مصوّرًا صحفيًا لمجلة «Look» الأسبوعية لمدة أربع سنوات. هذا المصوّر الصحفي الشاب، انجذب إلى الصور الغريبة لأميركا المريرة والعميقة، الملاكمين، رجال العصابات، نوافذ محلات الألعاب، الأقنعة المطاطية، المجموعات والطقوس المحيّرة، الأكشاك، موسيقى الجاز، نوادي التعرّي، محطات القطار النائية، فرانك سيناترا الشاب، ومونتغمري كليفت.
في السادسة والعشرين من عمره، أخرج وأنتج فيلمه الطويل الأول «خوف ورغبة» (1952 – «Fear and Desire»)، ومنذ ذلك الحين تناولت الأفلام الـ 12 التي صنعها خلال مسيرته موضوعات مختلفة، وفتحت آفاقًا جديدة للتعبير السينمائي، وأثارت جدلًا أخلاقيًا أو سياسيًا، وأثارت الرقابة طبعًا.
في أفلامه، غالبًا ما تناول كوبرك سينما النوع، وكان قادرًا على بلورة كل نوع من هذه الأنواع، وكانت له الكلمة الأخيرة في كلّ منها. لم يكن يبحث عن الموضة أو التجدد أو الموضوعية أو التحديث، بل عن العمق والجوهر الثابت، والجانب المظلم من الطبيعة البشرية. تمثل أفلامه الثلاثة عشر (القليلة) نقطة مرجعية لا مفر منها لمواضيعها الخاصة.

في «2001: أوديسا الفضاء» (1968، «2001: A Space Odyssey»)، كثفت بشكل لا مثيل له روح عصر الفضاء وتلك العلاقة بين الإنسان والحاسوب التي تُعد ظاهرة نموذجية ومهينة في عصرنا. وفي «مسارات المجد» (1957، «Paths of Glory»)، المناهض للعسكرية، تضاعفت صور الرعب الدموية للحرب العالمية الأولى، وأصبحت أكثر فظاعة. وقدم في «دكتور ستريجلوف أو: كيف تعلّمت الكف عن القلق وأحبّ القنبلة» (1964، «Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love The Bomb») كاريكاتور الحرب الباردة الهولوكوست الذرّي. فيلمه «سترة معدنية كاملة» (1987، «Full Metal Jacket»)، ليس مجرد فيلم عن فيتنام، بل يتناول مشكلة الحرب من جذورها، كدليل على استحالة نهاية جميع حروب الغزو. في الفيلم التقى شعور العار لتلك الحرب، ووحشية تعليم القتل. وبينما كان أكسل (مالكوم ماكدوول)، فأر تجارب، وبفضل العلاج تحول إلى إنسان آلي مجنون، فإن الهدف في فيلم «سترة معدنية كاملة» مختلف: ما نحتاجه ليس روبوتات، بل جنود واعون ومصممون، مدركون أنهم ولدوا للقتل، وعازمون على القيام بذلك بأقصى قدر من الفعالية.

في فيلم «البريق» (1980، «The Shining»)، بنى كوبرك قلعته المعزولة، المتاهة، كمكان للكتابة، مقتبساً من بورخيس: «دخولها يعني وضع الذات في عزلة طوعية، ومحاولة إيجاد الحل برفض أي مساعدة سوى مساعدة العقل».
تضفي هذه الرحلة الذهنية بعداً مختلفاً على إحساس الرعب، في الصمت، يكتسب صوت الآلة الكاتبة صدى غير متوقع، وتتخذ العلاقة بين هذه الآلة الكاتبة والكتابة والإبداع والإلهام الغائب والمرأة الموجودة بُعدًا مرعبًا، بينما ينفتح الطفل على فراغ خيالاته.
يكمن الرعب في الفيلم، فلسفيًا، «خلف الأبواب المغلقة»، حيث تفجّر ذكرى مذبحة سلسلة من الكوابيس، وحيث تكشف متاهة الحديقة مسارات خفية، بينما تُعيد الموسيقى الزمن، المحتجز في حواف صورة فوتوغرافية، مصحوبًا بفالس شوستاكوفيتش الذي يضفي إحساسًا مأساويًا على الحركة الإيقاعية.

عندما عُرض فيلم «باري ليندون» («Barry Lyndon») أواخر سنة 1975، لقي استقبالاً فاتراً، لا سيما في الولايات المتحدة. كان أداء الفيلم في أوروبا أفضل قليلًا، ولكن ليس بشكل ملحوظ. غالبًا ما يُغفل عن هذا الفيلم بين أعمال كوبرك العظيمة، ولكن هذا خطأ يجب معالجته، «باري ليندون» تحفة فنية لا مثيل لها. بعد فشله مجددًا في محاولة تصوير سيرة نابوليون بونابرت الذاتية، استخدم كوبرك بحثه التاريخي المكثف لنقل رواية ويليام ميكبيس ثاكري «حظ باري ليندون» (التي أُعيد إصدارها لاحقاً باسم «مذكرات باري ليندون، المحترم»)، والتي نُشرت لأول مرة سنة 1844. وهي ملحمة تروي صعود وسقوط رجل إيرلندي خيالي. بروح شخصية البطل وباستخدام تقنيات مذهلة لالتقاط أجواء أوروبا في القرن الثامن عشر، ابتكر كوبرك ملحمة لا تُنسى تأسر المشاهد منذ اللحظة الأولى. على الرغم من أن مصير البطل واضح للعيان في الأفق، لكن الرحلة هي المهمة، ويا لها من رحلة!

في «عيون مغمّضة على اتساعها» (1999، «Eyes Wide Shut»)، يغرق الإحساس الغامض المؤقت في دوار مظلم. يجعل المشهد خياليًا، يسمح بتجاهل الواقع في رؤية ذهنية تشبه الحلم. الشريط خلطة بين الدراما والغموض والإثارة، في إطار بورجوازي حسّي وشاعري. يتفحّص كوبرك العلاقة الزوجية التقليدية التي تواجه التقلبات، عدم الثقة، الغيرة، الخوف من الخيانة، الشكوك، عدم الارتياح، خيبة الأمل، الرغبة في الجنس خارج نطاق الزواج. يعصر كوبرك كلّ هذه الخضات عن طريق الخيال، الأحلام، الوجود الحقيقي، الطقوس الدينية والتجارب الجنسية… تصبح القصة مظلمة، مشفرة، كئيبة وعميقة. في الفيلم تذّوب المدينة نفسها، تصبح معالمها خيالية وتحرك كلّ شيء في تطابق زائف مع الواقع. نيويورك موجودة وغير موجودة، الشوارع وناطحات السحاب والمتاجر واللافتات لها شعور تجريدي، إنها مناظر طبيعية من القلق حيث تتحرك الشخصيات كما لو كانت في كابوس، في تكرار ميتافيزيقي.

تستند أفلام كوبرك إلى روايات، لمؤلفين كلاسيكيين مثل ثاكري، ومعاصرين مثل نابوكوف («لوليتا»)، وآرثر سي كلارك («2001: أوديسا الفضاء»)، وأنتوني برجس («برتقالة آلية»)، وغوستاف هاسفورد («سترة معدنية كاملة»)، ومؤلفين شعبيين مثل بيتر جورج («دكتور ستريجلوف أو: كيف تعلّمت الكف عن القلق وأحبّ القنبلة») وستيفن كينغ («البريق»). يقول كوبرك إنّه يكتب القليل من القصص الأصلية أو لا يكتبها على الإطلاق لأنه غير متأكد من قدرته على ذلك، ولأنه يحترم القصص الجيدة كثيراً، لأن العثور على قصة جيدة يمكن أن تصبح فيلمًا جيدًا هي معجزة، وإذا كتبها آخرون، فإن المخرج يتحكم فيها بشكل أفضل.

التحكم هي كلمته الأساسية. لقد أثارت رغبته في فرض أقسى قدر ممكن من السيطرة على أعماله استياءً واسعاً، فهو مهووس! قوته تكمن في رفضه التخلي عن حريته الفنية مقابل أجر، وفي فهمه أنّ المخرج يجب أن يكون اهتمامه حتى في الجوانب التقنية والاقتصادية والترويجية والإدارية للفيلم. هناك عظمة، وشيء بطولي ويائس في آن واحد، في نضال هذا المخرج للحفاظ على منطق عمله ووضوحه وكماله وسط فوضى ما بعد الحداثة.
اهتمامات كوبرك غير السينمائية متنوعة من نابوليون إلى يوليوس قيصر، هتلر، الهولوكوست، إرنست همنغواي، الفيزياء، الفلسفة المعاصرة، أحداث نادرة، الملاكمة، كرة القدم الأميركية، الحربين العالميتين، الحرب الأهلية الأميركية وصولًا إلى مواضيع أكثر غموضًا، مثل تاريخ أسعار الفائدة، وتحسينات مسدس كولت، ودروس معركة ديان بيان فو، والتأثيرات المبكرة على كورزيو مالابارته، وأصول أسماء الأماكن الإنكليزية، والمكتشف الحقيقي لأمريكا.
المثير للدهشة هو أنّ هذا التراكم الفوضوي للاهتمامات لم ينته بمرض عقلي، بل أنتج أعمالًا متنوعة للغاية، متعددة المعاني وحيوية. كما يشير ميشيل سيمان في كتابة الشامل «كوبرك» (1980)، الذي يتتبع المسيرة الفنية الهائلة للمخرج، فإننا نواجه «سينما مفرطة التعرض للضوء: خياره يكمن في الحفاظ على اللغة الكلاسيكية للسينما مع تسليط الضوء الخام والحيّ على آلياتها وعناصرها. في أعماله، يصعب أن نرى ممثلًا يُمثل، وأحيانًا يُبالغ في أدائه (خاصة عندما يؤدي أدوارًا متعددة، مثل بيتر سيلرز)، من الصعب ألا نلاحظ أن الديكوباج يُنظم، والمونتاج يُجمع، والمزج يُمزج، ومن الصعب ألا نسمع أن الموسيقى أُضيفت لاحقًا…» باختصار، نضيف أنه من المستحيل ألا نرى «بصمة كوبرك» لأنها بصمة تُعزز الرؤية، ولا تُحطم بُعد الدهشة، بل تجذب الجمهور إلى الشاشة.

مثل أطلس فلسفي، تتبع أفلام كوبرك رحلة عبر الزمان والمكان، وتتحرك عبر منطقة شاسعة. يبني ديكورًا وعصورًا وأماكن، خالقًا مسارات ذهنية حول شخصياته. رجله، بطل هذا المسار الفكري، الإنسان المنعزل، أوديسيوس الجديد الذي يقدم نفسه على أنه الإنسان الحديث، في انتقال دائم، للخوف من مجهول يجب أن يتغلب عليه. كلّ شيء محدد في هذه الرحلة السينمائية التي يأخذنا فيها كوبرك، وتتخذ العالم مركزاً لها، أوروبا، أميركا، فيتنام، أو الكون النجمي، الذي زاره كوبرك من دون أن يغادر خيمته في فيلته اللندنية.
اقرأ أيضا: «عيون مغلقة على اتساعها».. كيف صار الفيلم الممنوع عملًا خالدًا؟