شهدت المسابقة الرسمية لمهرجان «كانّ» السينمائي الدولي عقد المؤتمر الصحافي لفيلم «Garance ـ غارانس»، بحضور مخرجته جين هيري، والنجمة أديل إكزاركوبولوس، والمنتجَيْن ألان آتال وهوغو سيليناك. وتخلّلت المؤتمر نقاشات حول قصة الفيلم التي تمزج بين مأساة الإدمان والكوميديا الحياتية، وكواليس اختيار الأبطال، كما تحوَّل إلى سجال محتدم بشأن التهديدات التمويلية الأخيرة المرتبطة بقناة «Canal+» الفرنسية ومستقبل السينما الأوروبية، مع التمييز بين مخاوف «القوائم السوداء» والنظام السينمائي الفرنسي الذي وصفه صنَّاع الفيلم بأنه من أكثر الأنظمة دعمًا وتنوّعًا عالميًا.
واستعرض المؤتمر الخطوط الدرامية لفيلم «غارانس»، الذي يروي قصة «غارانس»؛ ممثلة شابة موهوبة ونابضة بالحياة، تمتلك جاذبية فطرية لكنها لم تحقّق بعد الشهرة التي تطمح إليها. تعيش غارانس على راتبها الشهري داخل شقة صغيرة في باريس، وتواجه شعورًا متزايدًا بالاختناق بسبب العلاقات العابرة والقلق المُتصاعد، وإدمان الكحول الذي يفرض سيطرته على حياتها بهدوء.
وسط هذه الفوضى، يبرز إخلاصها لأختها الصغرى المريضة، وقصة حبها الرقيقة والناشئة مع «بولين»، مثل طوق نجاة هشّ. ومع تعمُّق هذه الروابط، تجد القوة لمواجهة الظلام الذي طالما تهرَّبت منه، لتنطلق في رحلة صعبة نحو استعادة ذاتها.
سيكولوجية الإدمان والابتعاد عن تكرار الذات
وفي ردّها على سؤال عن تركيزها على شخصية واحدة فقط في العمل، بخلاف أفلامها السابقة، أوضحت المخرجة جين هيري أنها أرادت صنع عمل مختلف وشخصيات حقيقية، من دون تكرار نفسها أو إعادة ما قدّمته من قبل.

وأشارت إلى أنها فكّرت في رسم صورة لامرأة تُتابعها في جميع جوانب حياتها، بصفتها ممثلة شابة مدمنة على الكحول، موضحةً أنّ الإدمان ظاهرة وآلية تُثير اهتمامها وتُخيفها في الوقت نفسه، وأضافت أنها حين تخاف من شيء ما تلجأ إلى صناعة فيلم لمحاولة فهم نفسها والآخرين.
وأضافت هيري أنها لم تُجرِ بحوثًا كثيرة، لكنها كانت محظوظة بلقاء شابة مدمنة على الكحول في وقت مبكر، روت لها ماضيها وكيف وصلت إلى الإدمان قبل أن تقلع عنه. ووجدت في قصتها مادة غنية لبناء شخصية قويّة سينمائيًا.
ونظرًا إلى أنّ تلك الفتاة لم تكن ممثلة، دمجت هيري عناصر من سيرتها الذاتية مع الأفكار التي أرادت طرحها عن مهنة التمثيل، قبل الانغماس في الكتابة الفعلية التي اعتمدت على عدد كبير من المواقع والشخصيات والأحداث، مؤكدة أنّ هدفها الأساسي كان عدم تكرار ما قدّمته سابقًا.
أزمة تمويل «Canal+»
وردًا على سؤال عن إعلان رئيس قناة «Canal+» (في إشارة إلى فينسنت بولوريه) التوقّف عن تمويل بعض المشاريع، وتأثير ذلك في السينما الفرنسية، وصف المنتج ألان آتال الأمر بأنه «هدر كبير» ورد فعل متسرّع وغير مبرَّر، رغم وجود تصريحات أخرى أكدت استمرار الالتزامات، مشيرًا إلى أنّ القناة تُعدّ المموِّل الرئيسي للسينما الفرنسية.
وأضاف آتال أنهم يواجهون هذا التهديد، وعليهم إيجاد حلول خلال هذه المرحلة المعقَّدة، مؤكدًا أن توقيع العرائض يدخل ضمن حرّية التعبير، ومن حقّ الناس التعبير عن آرائهم ومشاعرهم حتى لو شعروا بالخوف، لكنه رأى أن الأمر مُبالَغ فيه إلى حد ما، ويخلّ بالتوازن الهش في ظل مستقبل غامض.
ولفت إلى أنّ الجهات الثلاث الكبرى التي تمول السينما الفرنسية، وهي «France Télévisions»، و«Canal+»، و«المركز الوطني للسينما»، بدأت تهتزّ، وقد يختلّ التوازن بالكامل، خصوصًا مع تعرّضه لضغوط من قوى سياسية أخرى ومن «نظام الصحوة»، معبّرًا عن حيرته تجاه ما يحدث.

من جانبه، وافق المنتج هوغو سيليناك على أنّ رد الفعل كان متسرعًا جدًا، وقد يخلق نوعًا من «القائمة السوداء»، معبّرًا عن شعوره بالحرج لأن فرنسا تمتلك مؤسّسات داعمة للتنوع مثل «Canal+» وغيرها، مؤكدًا أنه لم يكن من الممكن إنتاج فيلم «Case 137 ـ القضية 137» العام الماضي لولا هذا الدعم.
وأوضح أنّ ما حدث يمثّل ردة فعل متسرّعة، لا سيما أنهم يتلقون دعمًا كبيرًا لمشاريع متنوّعة ومعقَّدة، تُلبّي رغبة الجمهور في سينما مختلفة ومتعدّدة. كما أبدى تفهمّه لشعور مسؤولي القناة بالضيق والاستياء، نظرًا إلى ما قدّموه من دعم للأفلام على مدار 10 أو 20 عامًا، معتبرًا أنه من الطبيعي أن يقول الناس أشياء يندمون عليها لاحقًا حين يشعرون بالضغط، مؤكدًا أنهم، بوصفهم منتجين، يشعرون بدعم قوي، ولم يتعرّضوا يومًا لمحاولات تأثير فنّي.
وفي السياق عينه، أكدت المخرجة جين هيري موافقتها على ما قيل، مشيرةً إلى أنها تتفهم هذه المخاوف لأنها نابعة من القلق الطبيعي حين يسمع الناس حديثًا عن «قوائم سوداء» وتهديدات.
وتحدّثت هيري بصفتها مخرجة، مؤكدة أنّ مجموعة «Canal+» لعبت دورًا شديد الأهمية في مسيرتها المهنية، إذ دعمت جميع مشاريعها ووزَّعتها منذ بداياتها، ومكّنتها، مع المنتجين، من تقديم الأفلام والمواضيع التي أرادوا العمل عليها، معتبرةً أنّ هذه شهادة حقيقية لكلّ مَن يتعاون مع القناة.
وعن القلق من المستقبل وتحدّيات النموذج الفرنسي، ذكرت أنّ نظام السينما الفرنسي يُعد من أكثر الأنظمة اكتمالًا في العالم، وهو ثالث أكبر نظام سينمائي عالميًا لجهة عدد الأفلام المنتجة، بفضل نظام المركز الوطني للسينما «CNC» وتعدُّد جهات التمويل والعرض.
ووصفت هيري قناة «Canal+» بأنها جوهر السينما الفرنسية، معتبرةً أنّ السينما الفرنسية تُمثّل بدورها جوهر النموذج الاقتصادي والعاطفي للقناة، في «زواج قائم على الحب».
وعن العريضة، أوضحت أن المقارنة مع المجالات الأخرى ليست دقيقة، فبينما يمتلك المونتير أو الناشر جهة واحدة يتعامل معها، فإن تمويل الفيلم السينمائي يجمع نحو 15 جهة تمويلية حول طاولة واحدة، تشمل «Canal+»، و«Netflix»، و«Disney»، و«HBO»، إضافة إلى الموزّعين والقنوات المدفوعة.
التوازن بين الدراما والكوميديا
وفي ردها على سؤال يتعلَّق بكيفية تحقيق التوازن بين الدراما والفكاهة، خصوصًا في المشهد المؤثر لـ«غارانس» وهي تتحدَّث عن مهنتها، أوضحت جين هيري أنّ هذا التوازن يعكس طبيعة الحياة نفسها، بوصفها مزيجًا دائمًا من المأساة والكوميديا، رغم أنّ بعض التجارب تكون أكثر قسوة من غيرها.
وأضافت أنها أرادت أن يتّجه هذا الفيلم نحو مساحة أكثر مَرَحًا وخفّة مقارنة بأعمالها السابقة التي غلبت عليها الدراما.
ووصفت شخصية «غارانس» بأنها جوهر الفيلم، وشخصية مَرِحة ومسلّية وتطلق النكات باستمرار، حتى وإن كان الكحول يدفعها أحيانًا إلى ارتكاب تصرفات حمقاء، مؤكدة أنها، بعيدًا عن الإدمان، شخصية ممتعة في صحبتها.
وأكدت المخرجة أنها لا تستطيع قضاء ثلاث سنوات في الكتابة والتصوير من دون وجود جانب مرح داخل العمل، معتبرة أنّ ضحك الجمهور داخل فيلم يُحرر كثيرًا من المشاعر ويُخفّف التوتر، ويسمح للمُشاهد بالغوص أعمق في الأحاسيس التي يطرحها الفيلم، مشدِّدة على أنّ هذا الضحك كان أحد أهداف العمل الأساسية.
أديل إكزاركوبولوس والخيارات الفطرية
من جانبها، علقت الممثلة أديل إكزاركوبولوس على حياة «غارانس» ممثلةً، مؤكدة أنها تُجسّد «متعة التمثيل»، مشيرة إلى تساؤلات الصحافيين حول شعورها وهي تؤدّي شخصية تعاني صعوبات قاسية وتعيش عزلة شديدة بسبب إدمان الكحول.
وأوضحت أنها تعرف كثيرًا من الممثلين والممثلات الموهوبين غير المشهورين الذين يعملون بجد كبير، مستشهدةً بمارلون براندو بكونه ممثلًا استثنائيًا، ومؤكدة أنها تتشارك مع شخصية غارانس كثيرًا من الصفات.

وأضافت أنه ليس ثمة سرّ حقيقي في هذه المهنة، معبّرة عن امتنانها لممارسة ما تحبّ مع أشخاص تكنُّ لهم التقدير، لافتة إلى أنّ الصعوبة الحقيقية قد تكون في ممارسة مهن أخرى، وأنه رغم مرافقة الشكوك للممثل واحتمال التعرض للرفض، فإنّ الأهم يبقى الإيمان بما يفعله.
وفي ردّها على سؤال حول اختيارها المتكرّر لشخصيات طفولية، وسرّ انجذابها إلى شخصية غارانس والعمل مع جين هيري، كشفت إكزاركوبولوس أن اختيارها للمشروع كان فطريًا وصريحًا إلى حدّ كبير.
وأشارت إلى أنها حاولت سابقًا أن تكون استراتيجية في اختياراتها، لكنها ندمت على ذلك، معتبرةً أنّ موافقتها على أيّ مشروع تنطلق من شعور داخلي يكاد يكون جسديًا، يدفعها إلى خوض المغامرة وأداء الدور.
وكشفت الممثلة الفرنسية كواليس قبولها للعمل، موضحةً أنها كانت مع إحدى صديقاتها قبل مدّة، وأخبرتها بأنها تحلم بالتمثيل في فيلم من إخراج جين هيري، قبل أن تتلقّى اتصالًا بشأن المشروع بعد أسبوع فقط.
وأبدت إعجابها بالمخرجة لأنها كانت تستكشف شيئًا جديدًا وتضع نفسها في منطقة خطر فنّي، ووصفت الفيلم بأنه يقدّم قصّة حبّ جميلة وتجسيدًا نادرًا لشخصية امرأة في هذا العصر.
وختمت إكزاركوبولوس حديثها بالإشادة بسينما جين هيري، مؤكدة أنها تؤثّر فيها بعمق لقدرتها على خَلْق توتّر شديد ممزوج بالرقّة، وطرح تساؤلات حول التعويض والترميم.