استعاد الصحافي والناقد الكويتي عبد الستار ناجي تفاصيل حواره مع المخرج السوفياتي أندريه تاركوفسكي، خلال الدورة الـ36 من «مهرجان كانّ السينمائي» عام 1983، بالتزامن مع عرض فيلمه «الحنين – Nostalgia»، في شهادة تعود إلى أحد اللقاءات الصحافية النادرة مع المخرج الروسي الراحل.
وقال ناجي إنه، خلال «مهرجان كانّ» عام 1983، طلب من المرافق الصحافي لفيلم «الحنين» لتاركوفسكي إجراء مقابلة معه، ليكتشف أنّ المخرج اختار بنفسه عددًا محدودًا من الصحافيين لإجراء حوارات. وناجي، الذي كان يمثّل صحيفة «الأنباء» الكويتية، من بينهم.

وأوضح أنّ الوقت المخصّص للقاء كان 15 دقيقة، لكنه امتدّ إلى نحو نصف ساعة بطلب من تاركوفسكي، مشيرًا إلى أنّ المخرج كان يتحدّث اللغة العربية بطلاقة وبلكنة سورية، بعدما تعلّمها في معهد الاستشراق.
ورأى ناجي أنّ تاركوفسكي قدَّم في «الحنين» بلاغة التكوين وجماليات الصورة، من خلال تناوله الحنين إلى الوطن ومعاناة الغربة والسفر، في حين حصد الفيلم خلال المهرجان جائزة لجنة التحكيم الكبرى، إلى جانب جائزة أفضل مخرج وجائزة «فيبريسي».
وأضاف أنّ تاركوفسكي قال خلال الحوار، تعليقًا على طموحه في المهرجان: «لو كنتُ منشقًا لحصلتُ على السعفة الذهبية».

الحوار الذي نُشر عام 1983
أندريه تاركوفسكي: جئتُ إلى كانّ من أجل الجائزة الكبرى ولا أريد سواها!
عرض وحوار: عبد الستار ناجي
تصوير: عبد الكريم الرحماني
بملامح وجهه القاسية، التي تعكس طبيعة المعاناة التي يحملها هذا الرجل القادم من صقيع موسكو، وبما يحمله من تراكمات سينمائية، حضر أندريه تاركوفسكي في الدورة السادسة والثلاثين من «مهرجان كانّ السينمائي الدولي» ضمن عروض الأسبوع الثاني، أو بمعنى آخر، ضمن الجياد التاركوفسكية المتأخّرة. وكانت هذه المرة الثانية التي يطلّ فيها على نقاد السينما العالمية في «كانّ». فهو يعلم تمامًا حجم إمكاناته والقضية التي يطرحها منذ فيلمه السابق «المُطارِد»، متلكئًا وحيدًا ومنفردًا في التعامل مع الحدث السينمائي.

تاركوفسكي لا يشغله الشكل أو يفاضله على المضمون، إنه يصهر الاثنين معًا، في إطار لا يمكن إلا أن يوصف بالحرفية المبدعة. ولذلك، يقول في المؤتمر الصحافي: «جئتُ إلى كانّ، لكني أعود بالجائزة الكبرى، وليس سواها! وإذا كانت لجنة التحكيم تسعى إلى إعطائي جائزة أخرى، مثل الإخراج أو التحكيم، فأنا لا أسعى إلى مثل هذه الجوائز، أنا هنا من أجل الجائزة الكبرى»، وهنا يتجلّى حجم الاختلاف بين الفنان والآخر في علاقته بوطنه.
تاركوفسكي يعلم أنه صعب، ولربما معقّد، كما يصفه نقاد اليمين الفرنسي، لكنه يظلّ ينبش في كوامن الذات البشرية حتى يفجّرها. وقد لا يلهم هاجسه بعض المتراخين في العمل، أو أولئك الذين يتصوّرون أنّ السينما لا تكون إلا لإمتاع جمهور المهرجان.

ولعلّي أذكرُ كلمة قالها في ندوة مناقشة فيلم «نوستالجيا»: «فكرة عظيمة وبُعد سياسي، لكن رفع المستوى سيكون درسًا لصنّاع السينما في العالم.
ونسأل أندريه تاركوفسكي، في حديث خاص بـ«الأنباء» وفي دردشة غير بروتوكولية:
ماذا تعني «نستالجيا» بالنسبة إليك؟
– إنها السفر إلى مسافة الغربة.
هل شعرتَ بالحنين خلال وجودك في روما عند تصوير العمل؟
– أجل، وهذا ما أعطاه بُعدًا ثالثًا أردتُ أن يصل إلى المُشاهد. لقد كنت في زيارة عمل، لكنها كانت طويلة، وعلى مَن يشعر بالغربة والهجرة أن يشاهد عملي ليتعلّم خطورة هذه النزعة ووحشتها. إنها جنون الارتفاع والتطلّعات في الذات البشرية المرشَّحة والحسّاسة، لا الذات الخاملة المهجَّرة…

هل سيُعرض العمل في موسكو؟
– ولِمَ لا؟ إنه إنتاج سوفياتي – إيطالي، ولا أواجه أي مشكلات هناك. على العكس، فقد عانيتُ مشكلات حادّة أثناء وجودي في روما لتصوير الفيلم ومتابعة عملياته الفنية، بينما لا يشغلني في موسكو سوى العمل، وحين أبدأ التصوير تكون الاستعدادات قد بلغت مراحلها النهائية.
ماذا يعني تصريحكم قبل لحظات عن حتمية الحصول على جائزة؟
– أيها الأخ، لو كنت منشقًا لحصلتُ على الجائزة الكبرى قبل إعلان النتائج، لكنني أشعرُ في موسكو بكياني وذاتي المبدعة. كلّ فرص العطاء والإبداع متوفرة أمامي، فلماذا التفكير الهمجي غير العقلاني في الهجرة والغربة؟ إن الاغتراب مرحلة عنيفة تخلخل الذات البشرية وتمزّقها.
في «نوستالجيا»، نتابع معاناة مثقف سوفياتي يقيم في إيطاليا، وتتعثّر لغة التواصل والحوار بينه وبين صديقته الإيطالية، وتتّسع المسافة بينهما حتى الفراق، فيما يتابع وسط دهاليز الغربة احتراق صديق له.

ويقول تاركوفسكي في المؤتمر الصحافي:
«في الفيلم 150 مشهدًا فقط. لم يكن هناك مونتاج كامل، وإنما عملية ربط بين المَشاهد، لكنها تعبّر عن معاناة الغربة. ولا أقدّم العمل مجرّدًا من انفعالات مرحلية، فقد أردتُ التوازن والتعامل مع جميع الأدوات السينمائية: الموسيقى والديكور والإضاءة والممثل».
جائزة الإبداع
وتبقى كلمة.
لقد تجاوزت لجنة التحكيم القوانين وغيّرت الأنظمة التي مضى عليها 36 عامًا، بتقديم جائزة الإبداع الفني للمخرج أندريه تاركوفسكي عن فيلمه «نوستالجيا»، ومعه فاز أيضًا الفرنسي روبير بريسون عن فيلمه «المال»، وتاريخه الفني الطويل.
وجائزة الإبداع أقلّ ما يمكن أن يُقدّم لتاركوفسكي وبريسون.
اقرأ أيضا: أندريه تاركوفسكي… جامع الأحلام