من صُلب الحروب والأزمات الاقتصادية، ومن أسئلة الذاكرة والهوية ومواجهة الماضي، تحمل السينما العربية هذا العام حكاياتها إلى شاشات «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي»، في حضور يتجاوز عدد الأفلام المُشارِكة، ليكشف عن تنوعّ لافت في التجارب والأصوات ومسارات الإنتاج.
تشهد الدورة الـ83 من المهرجان، من 2 إلى 12 سبتمبر 2026، مشاركة عربية تمتدّ من المسابقة الرسمية إلى الأقسام الموازية والعروض خارج المسابقة، مرورًا بمسابقة الأفلام القصيرة، ووصولًا إلى منصات دعم المشاريع وتطويرها. وتحضر مصر وتونس ولبنان وفلسطين والعراق والمغرب والأردن والجزائر، عبر أفلام مُكتملة ومشروعات لا تزال تبحث عن طريقها إلى الشاشات.

«امرأة مجهولة»… مخرجة مصرية في المسابقة الرسمية
تحضر المخرجة المصرية-الدنماركية مي الطوخي في المسابقة الرسمية بفيلمها الروائي الثالث «Woman Unknown» (امرأة مجهولة)، لتصبح المخرجة الوحيدة ذات الأصول العربية التي تنافس هذا العام على «الأسد الذهبي»، وإن كانت مشاركتها بفيلم دنماركي.
تدور أحداث الفيلم في الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية، حين تستعد شابة تدعى ماري، تعمل مدبّرة منزل ومربية أطفال، لإعلان خطوبتها من كريستيان، الأرمل الثري الذي تعمل لديه. لكن ظهور رجل من ماضيها يُهدّد بكشف سرّ تُخفيه، ويدفعها إلى مواجهة ثلاثة أيام من الخوف ومحاولات النجاة من مصير النساء اللواتي اتُّهمن بإقامة علاقات مع الألمان بعد انتهاء الاحتلال النازي.
تواصل الطوخي في فيلمها اهتمامها بالشخصيات النسائية المعقَّدة، بعد تجربتها «Queen of Hearts» (ملكة القلوب) عام 2019، الذي فاز بجائزة الجمهور في مسابقة السينما العالمية – الدراما في «مهرجان صندانس»، وحقَّق أكثر من 400 ألف تذكرة في الدنمارك. كما أخرجت الطوخي حلقات من مسلسل «The Crown» (التاج).

الأزمة الاقتصادية اللبنانية تتجسَّد في «غضب»
من المسابقة الرسمية إلى قسم «Venice Spotlight»، يأتي الفيلم اللبناني المنتظر «Furies» (غضب) للمخرج رامي قديح، الذي يحوّل إحدى أقسى الأزمات الاقتصادية في لبنان إلى فيلم إثارة تدور أحداثه خلال ليلة واحدة.
تتمحور الأحداث حول مارو، وهي أم عزباء تعيش مع شقيقتها داليا في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي ضرب لبنان بعد سنوات من الفساد السياسي. وتواجه الشقيقتان أزمة شخصية حين تحتاج داليا إلى عملية جراحية مُنقذة للحياة، فيما تظل مدّخراتهما مُحتَجزة في المصرف. وعندما يفشل المسار القانوني في استعادة المال، تقرّران تنفيذ عملية سطو لاسترداد ما تعتبرانه حقّهما.
تستعين الشقيقتان برجلين من أصحاب الماضي الغامض، لتتحوّل الخطة التي تبدو محسوبة إلى سلسلة من الأحداث الخارجة عن السيطرة.
الفيلم من بطولة ماريا ناكوزي، وريم مروة، وعصام بو خالد، وحسن عقيل، ومن إنتاج البرازيلي رودريغو تيكسيرا، منتج فيلمَي «Call Me By Your Name» (نادني باسمك) و«The Lighthouse» (المنارة).
وكشف المخرج عن أنّ فيلمه نَبَعَ من تجربة شخصية، بدأت برسالة كتبها قديح عام 2019، متسائلًا إن كان عليه أن يكتب فيلم سطو عن سرقة أمواله الخاصة واستعادتها. وكان قديح نفسه قد واجه أزمة تجميد المدّخرات، فيما كانت زوجته وشريكة كتابته نورا بحاجة إلى عملية جراحية تعذَّر إجراؤها بسبب عدم تمكنهما من الوصول إلى أموالهما المودعة في البنوك.
يمثل «Furies» (غضب) أول تجربة طويلة لقديح في أفلام الإثارة، بعد مسار شمل مشاركات في «أسبوعَي المخرجين» في كانّ، و«مهرجان معهد الفيلم البريطاني في لندن»، و«مهرجان كليرمون فيرون الدولي للفيلم القصير».

«حوار مع البحر»… البحث عن الابن الغائب
يحضر المخرج الفلسطيني مؤيد عليان في قسم «Venice Spotlight» بفيلمه «حوار مع البحر»، في عرض عالمي أول يسبق انتقاله إلى «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي».
يقدم الفيلم حكاية كمال، الرجل الفلسطيني الستيني الذي يتلقّى أمرًا من محكمة إسرائيلية في القدس يلزمه بسداد مبلغ كبير للضمان الاجتماعي، باعتباره دينًا مستحقًا على ابنه وائل. لكن كمال يعرف أنّ ابنه غرق في البحر قبل عقود، وحين يكتشف أنّ السلطات لا تملك سجلًا رسميًا يثبت وفاته، يبدأ رحلة للبحث عنه.
يقول المخرج إنّ الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية من قلب القدس المحتلّ، ويحمل في جوهره قصة حبّ عن العائلة وقدرة الإنسان على مواجهة الذنب والألم ونقاط ضعفه. كما يمثّل رسالة حب وكراهية إلى مدينته الوحيدة، تحمل الحنين إلى ما كانت عليه، والحزن على ما تُجبر على أن تصبح عليه.
الفيلم من بطولة كامل الباشا، وعامر حليحل، وبهيرة العباسي، وماريا زريق، وربى بلال، وهيثم العمري، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا والسعودية وقطر، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسّسة الدوحة للأفلام».
ويواصل الفيلم حضور اسم عليان في المهرجانات الكبرى، إذ شارك فيلمه الأول «الحب والسرقة ومشاكل أخرى» في قسم «بانوراما» بـ«مهرجان برلين» عام 2015، فيما حظي «التقارير حول سارة وسليم» بحضور وجوائز في مهرجانات دولية عدة. وفي 2023، قدم «بيت في القدس»، الذي عُرض للمرة الأولى في «مهرجان روتردام».

الحرب اللبنانية تغلبها «لحظات من السعادة»
في مسابقة «آفاق» للأفلام القصيرة، تدخل المخرجة اللبنانية المغربية شادن صفي الدين التازي المنافسة بفيلمها «A Few Moments of Happiness» (لحظات من السعادة)، الذي يحوّل الحياة الرقمية إلى وسيلة لمراقبة الحرب واستعادة الذاكرة.
تتبع القصة مخرجة شابة تهرب من بيروت إلى باريس، لكنها تجد نفسها عاجزة عن الانفصال عن بلدها، وهي تراقب القصف الإسرائيلي للبنان من خلف شاشة. وبينما تدخل في حالة من الشلل النفسي تكاد تمنعها من مغادرة سريرها، تبدأ بالاتصال بوالدها يوميًا وتسجيل حياتها الرقمية.
صُوّر الفيلم بالكامل عبر تسجيلات الشاشة والرسائل الصوتية والمحادثات بين المخرجة ووالدها خلال الحرب على لبنان في أكتوبر 2024، ليقف في المسافة بين اليوميات الشخصية والتوثيق البصري، ويطرح سؤالًا عن معنى الشهادة حين يصبح الهاتف المحمول نافذة الإنسان الوحيدة على الحرب.
تخرجت صفي الدين التازي في جامعة كولومبيا في الدراسات السينمائية والإعلام، وسبق أن قدَّمت الفيلم القصير «Un jour tout va disparaître»، الذي فاز بجائزة أفضل تصوير سينمائي في «مهرجان طنجة السينمائي»، وعُرض في مهرجانات دولية عدة. ويُعد «A Few Moments of Happiness» (لحظات من السعادة) ثاني أفلامها القصيرة.

«البرانية»… قرية مصرية تسافر إلى فينيسيا
ضمن برنامج «أيام المؤلفين»، تقدّم المخرجة المصرية أشجان الهمص أول أفلامها الروائية الطويلة «البرانية»، في عرض عالمي أول. والبرانية قرية مصرية تتحدَّر منها أصول أسرة المخرجة، وتشتهر بكثرة حقول الياسمين فيها.
تدور أحداث الفيلم حول أمل، وهي سيدة حامل تعيش مع عائلتها حياة بسيطة ومتماسكة، قبل أن يعرض أحد ملّاك الأراضي شراء أرضهم. ولا يبقى العرض مجرّد صفقة اقتصادية، إذ يتحوّل إلى اختبار للعائلة، ويبدأ في تقسيم أفرادها بين مؤيد ومعارض، إذ يبحث كلّ منهم عن مستقبل مختلف لنفسه.
وتزداد الحيرة مع وصول رانيا، ابنة خالة أمل القادمة من القاهرة، التي تجذب أمل وشقيقاتها بنمط حياتها العصري؛ الجينز، ومقاطع «تيك توك»، وحكايات المدينة. ومع احتمال بيع الأرض، تبدأ أمل في التفكير في مستقبل مختلف بعيدًا عن القرية.
كشفت الهمص عن أنّ فكرة الفيلم ولدت من علاقتها الشخصية بالمكان؛ فالبرانية هي القرية التي تتحدَّر منها عائلتها، وتستعيد من خلالها تجربة الانتماء إلى مجتمع صغير، حيث تتشارك النساء تفاصيل الحياة اليومية ورعاية الأطفال، في مقابل شعور بالعزلة عاشته المخرجة في هولندا.
وترى في الفيلم دعوة إلى الحياة البسيطة وإدانة للرأسمالية، من خلال قصة عائلة تكافح للحفاظ على تماسكها، فيما تتقلّص الفرص أمام الشابات وتكبر أحلامهن بالعالم خارج القرية.
درست الهمص في أكاديمية السينما الهولندية، وكتبت خلالها عددًا من الأفلام القصيرة، قبل أن تتخرّج عام 2017 بفيلم «Aimée». وفي 2020، فاز فيلمها القصير «Birdland» بالجائزة الكبرى لمدينة بريست في «مهرجان بريست السينمائي»، لتخوض مع «البرانية» أولى تجاربها الروائية الطويلة.

«المواطن أسامة»… من غزة إلى فينيسيا
خارج المسابقة، يعرض المهرجان الفيلم الوثائقي الفلسطيني «Citizen Osama» (المواطن أسامة) للمخرج أحمد حسونة، الذي يقترب من الحرب في غزة من زاوية شخصية جدًا، عبر حياة الصحافي الفلسطيني أسامة العشي.
في شمال غزة المحاصَر، يعيش أسامة مع زوجته وطفلهما حديث الولادة، فيما يحاول تأمين الطعام والماء ومكان آمن لعائلته، بالتوازي مع عمله في توثيق الدمار. كان أسامة في الأصل مصوّرًا فنيًا، لكنه تحوّل إلى مصور حرب، يجد نفسه مرتديًا السترة الواقية والخوذة، ومتنقلًا بين المناطق المدمرة لتوثيق ما يحدث.
وُلد ابنه خلال الشهر الثامن من الحرب، في مستشفى مثقل بالموت ويفتقر إلى الموارد اللازمة للولادة. وبين البحث عن الحليب والطعام والماء، يواصل أسامة تصوير الحرب، حتى يصبح توثيق موت الصحافيين والأصدقاء والأحبّة جزءًا من العبء النفسي الذي يحمله.
ويقول حسونة إنّ علاقته الشخصية بأسامة كانت نقطة البداية، إذ كان الأخير أحد الصحافيين القلّة الذين بقوا في شمال غزة لتغطية الأحداث. ومن خلال الفيلم، أراد المخرج أن يكشف الجانب الذي لا تراه الكاميرا من حياة الصحافي؛ الإنسان الذي يبحث عن الماء والطعام، ويخشى على طفله وزوجته، بينما يوثق معاناة الآخرين.

«لا جنة إذا قتلتك امرأة»… نادية مراد تعود إلى فينيسيا
يأتي الفيلم الكردي-النرويجي «No Paradise If You Are Killed by a Woman» (لا جنة إذا قتلتك امرأة) للمخرج الكردي العراقي هالكوت مصطفى ضمن العروض خارج المسابقة. وتدور الأحداث حول فيان، القنّاصة الكردية التي تعلم أن شقيقتها الصغرى ربما لا تزال على قيد الحياة، فتعود إلى مدينة صاغتها الحرب والموت والدمار. وتتحوّل رحلة البحث إلى مهمة إنقاذ، لكنها تصبح في الوقت نفسه مواجهة مع الصدمة التي حاولت فيان دفنها لسنوات.
استلهم مصطفى الفيلم من النساء الكرديات اللواتي التقى بهن خلال الحرب على «داعش»، ومن شجاعتهن في مواجهة الخوف والفقد وعدم اليقين. كما يستند العمل إلى تجارب مقاتلات من قوات البيشمركة، ومنهن الحائزة على «جائزة نوبل للسلام» نادية مراد.
وُلد مصطفى في كردستان العراق وفرَّ إلى النرويج طفلًا، ممّا يمنح المشروع بُعدًا شخصيًا مرتبطًا بتجربة فَقْد الوطن والعيش في حالة من عدم اليقين. ويضم الفيلم الممثلة الكردية أڤان جمال إلى جانب الممثل النرويجي ثوربيورن هار. كما صُوِّر جزء كبير منه في الموصل، بهدف استعادة ملامح المدينة وآثار الحرب فيها، ليصبح المكان نفسه جزءًا من ذاكرة الحكاية.
ويأتي الفيلم بعد النجاح الذي حقّقه مصطفى بفيلمه الوثائقي «اختفاء صدام حسين»، الذي عُرض في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2023.

«هلع»… خيال علمي تونسي
في المسابقة الدولية لـ«أسبوع النقاد»، تحضر تونس بفيلم «The Hallow Man» (هلع) للمخرج كمال العريضي، الذي يقدّم عالمًا مستقبليًا تتحكّم فيه التكنولوجيا بالذاكرة والمشاعر.
في هذا العالم، تتحكّم شريحة إلكترونية مزروعة في الدماغ بالذكريات، وتعمل على قمع المشاعر، فيما يصبح العلاج بالتنويم المغناطيسي ممنوعًا. لكن طه يلجأ سرًا إلى معالج بالتنويم، يصنع المشاعر لعملائه من خلال الشعر.
تحت تأثير التنويم، يجد طه نفسه في غابة تقوده إلى منزل معزول بلا كهرباء، حيث يكتشف رجلًا وامرأتين يستعدون لتنفيذ عملية انتحارية. والمرأة المختارة لحمل العبوة الناسفة حامل، فيما يقرّر قائد المجموعة أنّ الجنين، الذي يقل عمره عن ثلاثة أشهر، لا يملك روحًا. وبين تأثير الحبوب المهلوسة والهلوسة، يكتشف طه أنّ الجنين هو نفسه، قبل أن تقتحم الشرطة المكان وتنهي المواجهة بطريقة مأساوية.

المغرب في سوق فينيسيا بـ«أولاد الغولة»
لا يتوقّف الحضور العربي عند الأفلام الجاهزة للعرض، إذ يشارك المخرج المغربي إسماعيل العراقي في سوق «مهرجان فينيسيا» للتمويل بمشروعه الجديد «Wolfmother» (أولاد الغولة)، وهو فيلم إثارة من إنتاج شركة «Bac Films».
يمثّل المشروع الفيلم الطويل الثاني للعراقي بعد «زنقة كونطاكت»، الذي كان ضمن الاختيار الرسمي لـ«مهرجان فينيسيا» عام 2020، وفازت بطلته بـ«جائزة ليون أوريزونتي» لأفضل ممثلة.

«فاينال كت»… مشاريع عربية تبحث عن خطوتها التالية
يمتدّ الحضور العربي في فينيسيا إلى الأفلام التي لم تكتمل بعد، عبر برنامج «فاينال كت في فينيسيا»، المخصَّص للمشروعات التي وصلت إلى مراحلها النهائية من الإنتاج، والذي يمنح صناعها فرصة الوصول إلى الدعم والشركاء والأسواق الدولية.
وتشارك مؤسّستا «البحر الأحمر السينمائي» و«الدوحة للأفلام» في دعم مشروعات عدّة ضمن البرنامج، منها: «الخميس إلا ربع» للمخرجة الجزائرية صوفيا جاما، و«إلدورادو: طعم الجنوب» للمخرج المغربي علاء الدين الجم، و«مخاطر مهنية» للمخرج الأردني باسل غندور، و«وباء» للمخرج التونسي يوسف الشابي.