فاصلة

مقالات

الخطيئة الأصلية للشاشة

Reading Time: 4 minutes

في البدء، لم تكن الكلمة، بل القبلة. لم تقع الحادثة في جنة عدن التوراتية، وإنما في استوديو «بلاك ماريا» عام 1896، حين قرَّر المخترع توماس إديسون أن يُوجّه عدسته نحو الممثلة ماي إروين والممثل جون رايس. لم يتجاوز المشهد ثواني: قبلةً أُعيد تمثيلها عن مسرحية موسيقية بعنوان «The Widow Jones- الأرملة جونز» كانت رائجة على مسارح برودواي آنذاك. لكن وَقْعها على الشاشة كان بمثابة زلزال أخلاقي هزَّ أركان المجتمع الفيكتوري المتزمّت.

لم يرَ الجمهور في تلك القاعة المظلمة مجرّد ممثلَيْن يؤدّيان دورًا عابرًا، بل رؤوا أجسادًا عملاقة تتحرّك بين الضوء والظل، تمارس فعلًا حميميًا بتفاصيل مرعبة الدقة بالنسبة إليهم. تضخّمت التفاصيل الصغيرة، حركة الشفاه، تلاقي الأنفين، الارتعاشة الخفيفة، لتصبح حدثًا يملأ مجال الرؤية. وصفت الصحف الفيلم بأنه تهديد للأخلاق، مقزّز ووحشي، معتبرة أنّ تكبير هذا الفعل الحميمي هو انتهاك لحرمة الخصوصية البشرية.

الوجه، في اللقطة المقرّبة، عالم بذاته، أو ربما خريطة. وقد أتاح نوعًا من «الإغراء الحسّي» الذي يتولّد بمجرّد كونه موضعًا للنظر والتحديق. لم تكن تلك اللحظة التأسيسية، التي يمكن أن نطلق عليها «الخطيئة الأصلية» للسينما، مجرّد صدمة أخلاقية عابرة، فقد كانت إعلانًا مدويًا عن ميلاد توتّر أبدي سيحكم علاقة الصورة المتحرّكة بالجسد البشري طوال القرن التالي.

أذكر أنني كنت أشاهد فيلمًا على كمبيوتري داخل القطار، وظهر مشهد حميمي فجأة. قلبت الشاشة بسرعة، خوفًا من نظرات المتلصّصين. عندها أدركتُ أنّ الرقابة لم تمت، بل انتقلت إلى داخلنا.

قد يبدو الحديث عن «المشهد الحميمي» في السينما اليوم، ونحن نتصفَّح منصات البثّ الرقمي في عزلة غرفنا عبر شاشات الهواتف الذكية، حديثًا عن أمر مبتذل أو متاح بإفراط. فالثقافة البصرية المعاصرة أغرقت المُشاهد بصور الأجساد حتى فقدت قدرتها على الصدمة. لكن التاريخ السرّي لهذه المشاهد يكشف عن معركة شرسة ودامية، ليس فقط حول ما يُسمح برؤيته، بل حول مَن يمتلك الحق في النظر، وكيف تتحوّل الرغبة من شعور شخصي إلى سلعة عامة، ثم إلى قضية سياسية تمسّ الهوية الثقافية. فالجنس على الشاشة قاد دائمًا إلى سؤال واحد، هو: مَن يملك سلطة تعريف الأخلاق؟

هذه الرحلة الطويلة، الممتدّة من «قبلة» إديسون المرتجفة في نهايات القرن التاسع عشر إلى بروتوكولات «منسّقي المشاهد الحميمية» في هوليوود ما بعد حركة «مي تو»، ومن رقابة «الكود الأخلاقي» الصارم في ثلاثينات القرن العشرين إلى ظاهرة «السينما النظيفة» في مصر التسعينات، هي في جوهرها قصة صراع الإنسان مع مرآته الأكثر صدقًا وقسوة: الشاشة.

من العين المتلصّصة إلى الناقدة… تحولات اللذة البصرية

كانت الفكرة الأساسية التي قادت اختراع السينما هي استكمال هدف فشلت تقنيات القرن التاسع عشر، مثل الصور الثابتة، في تحقيقه بوضوح: صنع نسخة متحركة من العالم، نسخة مطابقة لشكل الواقع ذاته. حملت الكاميرا منذ اللحظة الأولى وعدًا مُضمَرًا بأنّ كل ما يقع أمامها يستحق أن يُرى بلا حجاب، وأن الحقيقة ليست شيئًا ينبغي تغطيته بل التقاطه.

لم تكن الكاميرا بهذا المعنى جهازًا محايدًا، بل تحوَّلت وسيطًا يعيد تشكيل الحضور الحسي داخل الكادر. من هنا يمكن فهم لماذا وُلد العداء للجسد في السينما كتوأم سيامي لها، ولم يكن نتاج تطوّر درامي متأخر. فالصدمة التي أحدثها عرض فيلم «القبلة» لم تنبع من الفعل نفسه– فالناس يقبّلون بعضهم البعض منذ الأزل– بل من «الواقعية المفرطة» وتعميم الرذيلة وجعلها مرئية ومتاحة للجميع في قاعات السينما، حيث يتساوى اللورد والعامل، الرجل والمرأة، في فعل التلصّص الجماعي.

ووفق الفلسفة الجمالية التي صاغها لاحقًا أندريه بازان، فإنّ السينما تسعى بطبيعتها التقنية إلى التقاط أكثر شكل واقعي ممكن للشيء. هذا السعي المحموم نحو توثيق الواقع مادّيًا جعل من رؤية قبلة مكبّرة على شاشة ضخمة تجربة حسية تتجاوز حدود اللياقة الفيكتورية وتقتحم المجال الشخصي للمتفرّج. فالشاشة لا تعرض تمثيلًا للواقع كما تفعل اللوحة، بل تعيد إنتاجه بفظاظة بيولوجية لا يمكن غضّ الطرف عنها.

Ecstasy (1933)
Ecstasy (1933)

تاريخيًا، جاءت الجرأة السينمائية في السنوات الفوضوية الأولى مدفوعة برغبة تجارية جامحة، وبسعي اجتماعي خام إلى جذب الجماهير في ذروة الكساد الكبير. أنتجت الاستوديوهات خلال هذه المدّة القصيرة من الحرّية النسبية أفلامًا كسرت المحرمات المعتادة. المثال الأبرز هو الفيلم التشيكي Ecstasy (1933) للمخرج غوستاف مشاتي، الذي قدَّم الممثلة الشابة هيدي لامار في مشاهد عري كامل خلال السباحة، والأهم في لقطة مقرّبة جدًا لوجهها وهي تختبر نشوة جنسية واضحة، في سابقة لم تعرفها السينما غير الإباحية.

تروي الحكايات أنّ المخرج خدع لامار بوخزها بدبوس لتحقيق ردّ الفعل المطلوب، سواء كانت القصة دقيقة أم لا، فهي تؤسّس مبكرًا لعلاقة الاستغلال بين المخرج والممثلة. لم تكن هذه الجرأة البدائية تسعى إلى فلسفة وجودية عميقة، بل إلى استغلال فضول الجمهور لرؤية «المُحرّم» وتوظيف الصدمة بوصفها أداة ترويجية. كانت تلك الأفلام مرآة للرذائل المعاصرة أكثر منها بيانًا فنيًا ناضجًا.

لكن المجتمع المحافظ في الولايات المتحدة، مُمثّلًا بالمؤسّسات الدينية القوية، أدرك سريعًا القوة التخريبية لهذه الصور. ومع تصاعد الفضائح الأخلاقية المحيطة بالنجوم في نهاية العشرينات، وازدياد الدعوات لفرض رقابة حكومية مباشرة، لجأت هوليوود إلى استراتيجية دفاعية ذكية: «نضبط أنفسنا قبل أن تضبطنا الدولة».

هكذا وُلد «قانون إنتاج الصور المتحركة» (Hays Code)، لائحة رقابية فرضتها الصناعة على نفسها لتجنُّب تدخّل السلطات وطمأنة الجمهور. تضمَّن الكود قائمة مفصلة بالمحظورات: العري، الإيحاءات الجنسية، الاغتصاب، القبلات الشبقية، حتى منع تصوير السرير المزدوج للزوجين واستبداله بسريرين منفصلين. كما حظر صراحة أي إشارة إلى «الانحراف الجنسي»، وهو التعبير المُستخدم آنذاك لوصم المثلية الجنسية ودفعها إلى عالم الترميز غير المباشر.

Casablanca (1942)
Casablanca (1942)

ظاهريًا، بدا أنّ هذا القانون «طهَّر» الشاشة وقمع الغرائز، لكنه في الواقع فعل شيئًا أكثر عمقًا؛ إذ أجبر المخرجين وكتّاب السيناريو على ابتكار لغة سينمائية جديدة تعتمد على الإيحاء لا العرض المباشر، وعلى الاستعارة بدل الحقيقة الفجّة. لم تُلغِ الرقابة الرغبة الجنسية، بل أجبرتها على التحوّل إلى رموز، تاركة لخيال المُشاهد مَهمّة ملء الفراغ.

المثال الكلاسيكي هو Casablanca (1942): حين تبتعد الكاميرا عن الحبيبين لتتأمل برج المطار والأضواء الكاشفة، ثم تنتقل عبر «دمج» ناعم إلى مشهد لاحق، يدرك المشاهد تمامًا ما حدث في الفجوة الزمنية المحذوفة. لم يكن هذا الدمج تقنية مونتاج فحسب، بل كان اتفاقًا سريًا بين المخرج والجمهور.

Psycho (1960)
Psycho (1960)

ستصقل هذه القيود عبقرية مخرجين مثل ألفريد هيتشكوك. ففي مشهد الاستحمام الأيقوني في Psycho (1960)، لا يرى المشاهد طعنة حقيقية واحدة ولا عريًا مباشرًا، لكن التقطيع السريع، وزوايا الكاميرا الخاطفة، وموسيقى برنارد هيرمان الصارخة، خلقت إيحاء بالعنف والعري أشد وقعًا من أيّ تصوير مباشر. الموسيقى، لا الجسد، هي ما جعل العري محسوسًا.

بهذا، نقلت الرقابة السينما من «الواقعية الحسية» إلى «الواقعية النفسية». لكن ما بدا انتصارًا جماليًا للإيحاء، كان يخفي سؤالًا أخطر، وهو: لمن تُنتَج هذه المتعة؟ ومَن يملك حق النظر أصلًا؟

ومع أواخر الستينيات، لم تعد هذه اللغة المواربة قادرة على الصمود، وكانت السينما على موعد مع انقلاب بصري ونظري شامل.

اقرأ أيضا: من المتعة إلى السلطة… حين صارت النظرة أيديولوجيا

شارك هذا المنشور