فاصلة

مراجعات

«Erupcja»… حين تتحوّل الرغبة إلى بركان نائم في شوارع وارسو

Reading Time: 3 minutes

في «Erupcja – ثوران»، لا يقدّم بيت أوس فيلمًا بالمعنى التقليدي، بل يقدّم مزاجًا كاملًا تنسكب مشاهده على المتفرّج ببطء، كأن المدينة نفسها تستعد لقول شيء لم يتح لها أن تقوله من قبل. تذهب «بيثاني» مع صديقها «روب» إلى وارسو في رحلة يفترض أن تكون بوابة لطلب الزواج، لكن منذ اللقطة الأولى، يشعر المشاهد بأن شيئًا ما غير مستقر. ربما لأن المستقبل لا يبنى على رغبات غير متكافئة. هي تريد أن تلهب الحياة، وهو بالكاد يعرف كيف يبدأ يومًا جديدًا دون سؤال باهت عن الطقس.

هذا الاختلاف ليس مجرد فروق شخصية، بل فجوة حقيقية بين من يبحث عن حرارة ومن يكتفي بدفء عابر. «روب»، بملله الثقيل، يبدو كظلّ لا يترك أثرًا. أما «بيثاني» فتريد أن تستعيد ذلك الشيء الذي يشبه الانفجار، ليس انفجارًا خارجيًا بقدر ما هو احتراق داخلي مؤجّل. وكل محاولة للحديث بينهما تبدو وكأنها محاولة لتأجيل ما لا بد من حدوثه.

Erupcja (2025)
Erupcja (2025)

يتحوّل الفيلم، بعد ذلك عندما تدخل «نيل» إلى الحكاية. هنا، يكشف أوس عن خط آخر، أكثر خفوتًا وأكثر صدقًا. تتقاطع طاقة شارلوت إيما إيتشيسون (Charli XCX) المفترسة مع حضور لينا غورا، فتبدو المدينة كأنها تستيقظ للمرة الأولى منذ زمن بعيد. لا أحد يعرف ما إذا كان هذا اللقاء قدرًا أم صدفة، لكنه بالتأكيد الشرارة التي جعلت الفيلم يميل إلى المزاج لا الحبكة، إلى الإحساس لا الأحداث.

ورغم أن الشخصيتين تعرفان بعضهما منذ أكثر من عقد، يصرّ الفيلم على ترك العلاقة بلا اعتراف، بلا تقارب مباشر، بلا لحظة تعلن ما نشعر به جميعًا. هنا، يتعمّد أوس أن يبقي الرغبة معلّقة، كأنها خيط يرفض أن يُقطع نهائيًا. ربما لأنه يدرك أن لحظة الاحتراق – حين تحدث – قد تكشف هشاشة كل ما نظن أنه حقيقي.

Erupcja (2025)
Erupcja (2025)

وارسو ليست مجرد خلفية؛ إنها شخصية إضافية تتنفّس، تراقب، وتمنح الشخصيات فرصة للركض وكأن الزمن غير موجود. الشوارع، الأزقة، الواجهات القديمة، كلها تتحول إلى مساحة تجريبية تعيد اختبار معنى الحرية. كل لقاء يبدو كـ«انفجار صغير» لا يكتمل، وكل هروب محاولة للهروب من الحقيقة لا من الآخر.

الفيلم لا يخشى أن يكون بطيئًا أو متردّدًا. بالعكس، يترك مساحات للصمت، لمسافات تتسع للذاكرة والمشاعر غير المكتملة. وفي كل مرة يقترب فيها المتفرّج من لحظة الحقيقة، يعود الفيلم خطوة إلى الوراء، وكأنه يقول: ليست كل العواطف تحتاج لإعلان صريح. أحيانًا يكفي أن نلمحها.

عُرض «Erupcja» لأول مرة عالميًا في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، ثم جاء إلى مهرجان البحر الأحمر السينمائي؛ وصول لا يمكن فصله عن التحوّل الثقافي الكبير الذي تعيشه السعودية الآن. فالمهرجان لا يكتفي بعرض أفلام جديدة، بل يصنع مساحة تلتقي فيها تجارب عالمية مع جمهور عربي يبحث عن لغة جديدة لقراءة العالم. وجود هذا الفيلم هنا ليس صدفة، بل علامة على تحول السينما في المنطقة نحو أعمال أكثر تأملًا، أكثر حميمية، وأكثر شجاعة في مساءلة الرغبات.

Erupcja (2025)
Erupcja (2025)

وفي قاعة العرض بجدة، بدا لي أن كل ما في الفيلم يتحرّك ببطء يليق بليل البحر الأحمر. شيء في الإضاءة، في تنفّس الجمهور، في ذلك الصمت الخفيف قبل بداية العرض، جعل الفيلم أقرب إلى حكاية شخصية مما هو جزء من برنامج رسمي. ربما لأن مهرجانًا كهذا لا يقدّم الأفلام فحسب، بل يمنحنا فرصة لنرى أنفسنا في مرآة بعيدة: نبحث عن إشارات صغيرة، عن ذكرى تشبه ما عشناه، عن مدينة أخرى نستطيع أن نحبّها للحظات. وعندما خرجت إلى هواء جدة الرطب، شعرت أن «Erupcja» لم يكن مجرد فيلم عُرض، بل رغبة صغيرة استيقظت لترى العالم من جديد، حتى وإن بقي البركان نائمًا في الداخل.

في نهاية العرض، لا نخرج بإجابة. نخرج بسؤال: لماذا تبدو الرغبة مؤجلة دائمًا؟ لماذا نخشى أن نحترق، بينما الحريق في الداخل قد بدأ بالفعل؟ يترك الفيلم الباب مفتوحًا، كأن الانفجار الحقيقي ليس ما نشاهده، بل ما نحمله معنا بعد انتهاء المشهد الأخير. وحين خرجت إلى ممرّ السينما، شعرت أن الفيلم بقي معي أكثر مما ظهر على الشاشة؛ كأن البركان الحقيقي كان في داخلي لا في وارسو.

اقرأ أيضا: «فلسطين 36»… الفيلم ليس مظاهرة والسينما ليست كتاب تاريخ

شارك هذا المنشور